الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: هكذا يفنى الكون:السيناريوهات العلمية المحتملة لانتهاء العالم

ترجمات خاصة: هكذا يفنى الكون:السيناريوهات العلمية المحتملة لانتهاء العالم

لقراءة المقال الأصلي (هنا)

 

{هكذا يفنى الكون

        لا بصياح مدو

        وإنما بأنين..}

هكذا تخيل الشاعر الأمريكي توماس إليوت نهاية العالم في واحدة من أشهر قصائده  ، وبتلك الأبيات أجاب عن السؤال الذي لطالما ظل يتردد عبر الزمن، وسيبقى صداه في عقول البشر ربما حتى نهاية الأيام  : كيف سيفنى الكون، وأية نهاية سيؤول إليها العالم ومافيه؟.

بعيدا عن خيالات الشعراء  وتصوراتهم ، لم يكف علماء الفيزياء والكونيات يوما عن السعي الدؤوب لإيجاد إجابة لهذا السؤال، و أمضوا الساعات الطوال، على مدار سنوات وعقود ، يقلبونه في أذهانهم، ويتنقلون من فرضية علمية إلى أخرى، علهم يجدون في واحدة من تلك الفرضيات الإجابة المنشودة ؛  وبالفعل نجح العلماء أخيرا في وضع مجموعة من التصورات الإحتمالية للأحداث النهائية التي ستفضي لإنتهاء العالم، وقاموا بصياغة تلك التصورات في إطار ثلاث نظريات أو سيناريوهات علمية رئيسة لكيفية فناء الكون…. من هنا، وعبر السطور التالية، سوف يأخذنا Adam Mann في رحلة موجزة لنتعرف من خلالها على تلك السيناريوهات العلمية المفترضة لكيفية إنتفاء الكون وموت العالم…

يخبرنا بروفيسور روبرت كالدويل، عالم الكونيات بجامعة دارت ماوث في هانوفر – نيو هامبشاير، كيف أن علم الكونيات في العصر الحديث قد تمكن من التوصل لسيناريوهات أو نظريات ثلاثة عن كيفية إنتهاء الكون؛ حيث تتمثل النظرية الأولى في أن الكون سوف يستمر في التمدد بلا نهاية إلى أن تتفكك كافة المواد المكونة له، متحولة إلى طاقة ، فيما يعرف علميا بإسم {  موت حرارة الكون }.   وتتلخص النظرية الثانية / السيناريو الثاني في أن الجاذبية الكونية سوف تقوم بجذب كافة الأجسام والمواد الكونية حتى تلتصق ببعضها البعض بقوة هائلة ، إلى أن ينكمش الكون إلى أقصى درجة ممكنة، بما يفضي في النهاية لوقوع مايعرف ب  {  الإنسحاق العظيم } وهو الحدث الإفتراضي الذي يمكن اعتباره بمثابة ” إنعكاس إرتدادي” للحظة {  الإنفجار العظيم } التي أدت لنشأة الكون.    أما النظرية الثالثة فتطرح تصورا آخر مفاده أن مايعرف ب ” الطاقة المظلمة” قد تتسبب في تسريع وتيرة تمدد الكون بشكل مضطرد، بما يفضي إلى تفسخه التام ، وهو الإفتراض الذي بات يعرف في الأوساط العلمية بمصطلح {   التمزق العظي }.

ولكن، وقبل التوسع في مناقشة كل نظرية من تلك النظريات / السيناريوهات الثلاث، دعونا أولا نتحدث قليلا عن ميلاد الكون ونشأته ؛  تنص نظرية الإنفجار العظيم على أن الكون قد نشأ من إنفجار جزئ متناهي الصغر شديد الحرارة فائق الكثافة، ومن ذلك الإنفجار العارم تكونت أبعاد الزمن والمكان،  ومع مرور الوقت أخذت حرارة الجسيمات الناتجة عن الإنفجار في الإنخفاض تدريجيا، ثم بدأت تلك الجسيمات في تشكيل أجسام كونية أكبر كالمجرات والنجوم والكواكب، ومن تلك الجسيمات أيضا تشكلت الحياة على كوكبنا الأرض…… والآن، ها  قد مر على نشأة الكون حوالي 13 مليار سنة، ولانعلم بعد كم من الوقت لايزال متبقيا في عمر كوننا الفسيح…

 

نظرية/سيناريو الموت الحراري للكون :

في السيناريو الأول، أو النظرية الأولى من النظريات الثلاث المطروحة لتفسير كيفية إنتهاء الكون، يفترض الباحثون أن النجوم سوف تستهلك وقودها الحراري بالكامل إلى أن يفنى تماما ولا يتبق من تلك النجوم سوى بقايا شديدة الكثافة يطلق عليها العلماء إسم ”  القزم الأبيض” والنجوم النيوترونية ؛ أما النجوم الكبرى فسوف تستحيل إلى ثقوب سوداء تأخذ مع الوقت في إلتهام غالبية الأجسام والمواد عبر طاقة الجاذبية العارمة التي تتمتع بها.  و لن يتوقف  الأمر عند هذا الحد، فالثقوب السوداء – وفقا لبعض الافتراضات العلمية – لاتقوم فقط بجذب المواد والأجسام إليها، وإنما تقوم أيضا بإطلاق نوع خاص من إنبعاثات الطاقة يدعى ” إشعاع هوكينج” – وقد تم تسميته بذلك على إسم العالم الراحل ستيفن هوكينج الذي كان أول من تحدث عن ذلك الإشعاع – وهي الإنبعاثات التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى تقلص الثقب الأسود ومن ثم انكماشه إلى أن يؤول مصيره إلى الزوال ، في عملية تستغرق فترة زمنية هائلة قد تمتد إلى

  حيث ستفنى كافة الثقوب السوداء الموجودة في الكون، من السنوات   10010

تاركة ورائها طاقة خاملة.

 

نظرية /سيناريو الإنسحاق العظيم :

أما النظرية الثانية فتأتي بتصور مغاير تماما لما جاء في النظرية الأولى، فوفقا لنظرية الإنسحاق العظيم، سوف يأتي وقت تبدأ فيه طاقة الجاذبية الهائلة للنجوم والمجرات في جذب كافة مكونات الكون وضمها بعضها إلى البعض، وكأن أحداث الإنفجار العظيم تقع من جديد ولكن بصورة عكسية ارتدادية، حيث تأخذ المجرات في الإقتراب من بعضها البعض إلى أن تندمج معا بشكل تام، وبالمثل تبدأ الكواكب والنجوم في الإحتشاد والاندماج ببعضها البعض  بقوة، وهكذا إلى أن يصبح الكون بأكمله عبارة عن كتلة فائقة الكثافة متناهية الصغر، تماما مثلما كان  قبيل لحظة الإنفجار العظيم.

عند تلك النقطة، يقول كالدويل إن هذا السيناريو تحديدا إنما يمنح الكون نوعا من التماثل الدقيق، وكأن العالم قد قرر ألا يخلف شيئا ورائه حين تحين ساعة فنائه، وان يترك الفراغ نظيفا مثلما كان قبل الإنفجار العظيم.

 

نظرية التمزق العظيم :

   وفقا لتلك النظرية، سوف يتسبب مايعرف ب ” الطاقة المظلمة” – وهي عبارة عن شكل من أشكال الطاقة تعمل بصورة عكسية للجاذبية – في تسريع عملية تمدد الكون بصورة مضطردة، حيث ستتباعد المجرات بوتيرة متسارعة، إلى أن تصبح المجرات البعيدة خارجة عن نطاق قدرتنا على رصد الضوء الصادر عنها، ثم مع استمرار عملية التمدد، تبدأ المسافات الفاصلة بيننا وبين أقرب الأجسام إلينا في الإتساع، إلى أن تختفي تلك الأجسام أيضا تماما، وكأنها توارت خلف جدار من الظلام….. باختصار شديد، وكما أوجز كالدويل :   (  سوف تتباعد المجرات  ثم تتمزق ، ثم ستأخذ مكونات نظامنا الشمسي  هو الآخر في التمزق والتفكك ، وهكذا،  لك أن تتخيل ماسيكون عليه الأمر… سوف تتفكك الكواكب، والأجسام، حتى الذرات سوف تتفكك مكوناتها، إلى أن يتمزق الكون برمته ويتفتت).

 

أية نهاية سوف يشهدها الكون؟!

 والآن، وبعد هذا الاستعراض الموجز لتلك السيناريوهات أو النظريات الثلاث التي اقترحها العلماء حتى اليوم، يبقى السؤال عالقا يبحث عن إجابة : كيف سينتهي الكون؟…. في الواقع ، لم يتمكن الباحثون حتى الآن من ترجيح أي من تلك النظريات، فالطاقة المظلمة وخصائصها لاتزال تمثل، في كثير من جوانبها، لغزا يسعى العلماء جاهدين لفك شفرته، ومن ثم لايمكن في الوقت الحالي تأكيد أو نفي الدور الذي قد تلعبه في عملية فناء الكون؛ إلا أن العلماء مازال يحدوهم الأمل في أن يتمكنوا يوما – عبر المراصد التي يجري تطويرها حاليا، مثل تليسكوب WFIRST أو تليسكوب LSST – من فهم طبيعة الطاقة المظلمة، بما يساعدهم على تحديد الكيفية التي سينتهي بها العالم.

وفي حقيقة الأمر، لم تتوقف الأبحاث العلمية عن محاولة إيجاد تفسيرات أو نظريات أخرى بخلاف تلك النظريات الثلاث لكيفية إنتهاء الكون، وذلك في إطار القوانين الفيزيائية المعروفة، وبالفعل اقترح عدد من العلماء بعض الفرضيات الأخرى في ضوء تلك القوانين؛ من بين أبرز تلك الفرضيات المقترحة أن الجسيم المعروف بإسم ” هيجز بوسون”   يمكن أن يتسبب في تدمير الكون وإفنائه تماما،  فهذا الجسيم تحديدا هو  المسؤول عن إعطاء كافة الجزيئات كتلتها ،  وقد وجد العلماء انه من الممكن – نظريا – أن تتغير كتلة ذلك الجسيم، ومن ثم فإن انخفضت كتلته عما هي عليه فإن ذلك سوف ينعكس بالضرورة على الكون بأكمله، حيث ستنخفض طاقة الكون، وستصبح الإلكترونات غير قادرة على الدوران حول بروتونات الذرة، مما يفضي في النهاية لدمار كل شئ بما لايدع اي مجال أو إمكانية لوجود حياة في هذا الكون.

 

» وأخيرا،  على مر العصور، لم يكف البشر يوما عن طرح أسئلة لاتنته حول الكون ، ماهيته و أصله كيف نشأ ،ولأية غاية ، والأهم من ذلك كله ،  أي مصير سيؤول إليه وبأية كيفية ستكون لحظات النهاية العظمى؟…

{  هكذا ينتهي الكون،……} إنها العبارة التي يأمل العلماء في استكمالها يومًا.

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر