ثورة المقهى

بقلم: علاء الدين أحمد إبراهيم

لزم كرسيه بزاوية مظلمة من المقهى، وبهدوء بائس ومستهلك بدأت شفتاه ترتشفان من الفنجان القابع بقبضة اصابعه الخشنة رشفات كبيرة ومتتالية من القهوة، في غير ما مراعاة لأدني اعتبار للبرستيج الاجتماعي واللياقة التي يفترض أن يتحلى بها شاب مثله في مثل تلك الأماكن.

كانت ثمة سيارات فاخرة تدلق ضوئها الأخضر على امتداد الاسفلت المتهالك، مزيله حبيات شفق المغيب المتداخل مع مصابيح المقهى للحظات، بهمجية وجلف ديناصوري، مثيرة غباراً ملغماً برائحة البمبان والهتافات الثورية:

دم الشهيد بي كم ولا السؤال ممنوع…

الليلة ما بنرجع إلا البيان يطلع…

عظيم وينو، عظيم كتلو الكيزان…

ح تسقط وح نعرس ح نعرس كنداكة…

ح تسقط ونعرس ح نعرس شفاته…

تلفونك في يدااااك كيزان حرامية…

لكن تداركاً، لا يتمادى خياله أكثر باختلاق هتافات ثورية لم يسبقه إليها أحد، فيحاسبه القانون في بلاد اللا قانون؛ عاد لهدوءه مجدداً، بعد نظرات الذهول والريبة التي بدأ يرسلها النزلاء من كل حدب وصوب. إلا أن ذكريات تتعلق بأحداث ومواقف لم تحدث في حياته قط، أبت إلا أن تتداعى إلى ذهنه بكرم حاتمي، ما قطع شكه باليقين في أن ما يتراءى له لم يكن محض ذكرى خيالية؛ هو الغيوم المتدلية من السماء، المصطبغة بشفق أحمر آسر. بيد أن ذاكرته لم يرهقها الإجترار، فقد إسترجعت صور قديمة لذلك الصبي الذي كأنه سعيد يوماً ما، الصبي الذي لا زال يحتفظ ببعض ملامحه المليحة وندبة التطعيم الموسومة بساعده الأيمن. كان صبياً مشاكساً بذاكرة ملئ بقصص الجدات ومفرطي تعاطي الخيال. لاح بخاطره ذات السؤال القديم الملتوي: هل يا ترى احمرار الشفق هو عينه دم الشهداء كما كانت تزعم جدتي التي لزمت قبرها من غير ما تبرم أو أية طنطنة منذ زمن سحيق؟

رغم السنون التي عبرت صحاريه ووحاته الجدباء بقسوة شديدة، إلا إن وجدان ذلك الطفل الذي لم يهرم بعد، لا زال يجتر نفس السؤال لسنوات: هل احمرار الشفق هو عينه دماء الشهداء؟ مع اختلاق لاحقة جديدة “شهداء الثورة؟” بعد السلوك الغريب التي بدأت تنتهجه ذاكرته مع تردي الوضع المعيشي بالبلاد.
استقطعت سيل استغراقاته تلك، صوت الفتاة الجالسة قبالته بكرسيها، متحدثة بصوت لا يخلو من رقة انثوية طاغية، بغية تحطيم حلقة الصمت التي طوقت المكان واضفاء بعضاً من جو المرح.

– صحي الحاصل شنو عيونك محمرة وحاسة م طبيعية الليلة.

– إنتي عارفة أنا لامن م أنوم طبيعي يعني قعد انتقي كلمات تليق بوصفك.

– اممم وقلت فيني شنو امبارح بعد الحصل دا كلو؟

بتثاقل يناقض شبابه تماماً، نهض سعيد مخلفاً غورين ضحلين بالكرسي يثبتان تراجع وزنه في الأيام الأخيرة، فطفق متوجها إلى سيارته بالإتجاه المقابل من الطريق الإسفلتي. سحب ورقة صغيرة من بين كومة أوراقاً كثيرة وعاد بنفس هدوئه قاطعاً عرض الطريق.

– ااه ياهو دا الكنت مساهر عشانو.

– تشبهين قطعة لقيمات شهية طافحة بزيت دافئ، كوني قطعة اللقيمات التي تنقذ صاجي، اقصد قلبي من هذه العبثية والبؤس.

كان احساساً بالتقزز قد سرى بأوصال الحبيبة رهينة الافتراض والتي لازت بالتلاشي فور إنتهائه من قراءة الكلمات المتهافتة تلك.

ثمة موجة صمت أخرى بدأت تطوق خاصرة المكان بقوة وتصميم أكثر من سابقتها، عادت ذات الأسئلة الجافة تستجدي الإجابة:

ما جدوى أن تعبث بنا ذكرياتنا باختلاق أشياء ومواقف لم تحدث؟

إلهي كم نسخة مني قد خلقت؟

في المرات السابقة التي تنخر فيها تلك الأسئلة ومثيلاتها ذهنه، كانت الجلسات المطولة التي يعقدها رفقة وحدته لا تتمخض سوى عن صدى ذات الأسئلة، لكن اليوم ما هو غريب واستثنائي قد حدث. كانت فتاةً جميلة قد تشكلت من أنوار المقهى المتقاطعة مع ألق الألوان الشفقية المندلقة ببذخ ملوكي على أرضية المقهى. كانت جميلة، طاغية الأنوثة وبأفكار حمراء كأفكاره، الأمر الذي قصّر لحظات تبادلها أرقام الهواتف والوعود وواوات كثيرة لا حصر لها إلى حد بعيد، إلا أن تماديه لإثبات شيء لا يدرك كنهه ألا وهو قال لها تشبهين قطعة لقيمات شهية طافحة بزيت دافئ، كوني قطعة اللقيمات التي تنقذ صاجي؛ أعني قلبي من هذه العبثية البؤس.

لم تمر سوى لحظات قليلة حتى استحالت أرضية المقهى لصعيد أحمر لزج من الأفكار والهتافات الثورية الحمراء. فقد ذابت الحبيبة الضوء من وقع عمق الكلمات، وأنهال عليه بعض النزلاء بالضرب والسباب الوقح المدهون بنذالة لا تحتمل. ولاحتواء البلبلة التي حدثت بالمقهى بذلك اليوم، تدخلت قوات الأمن والشرطة التي تحولت لاحقاً لآلة دهس وقمع جبارة بعد ارتفاع سقف مطالب النزلاء إلى أبعد من مطالبة مسؤول الخدمات بالمقهى إلى ترقية الخدمات وإيواء أشخاص غريبي الأطوار كسعيد، إلى التنديد والمطالبة بترقية الأوضاع المعيشية بكافة أنحاء البلاد. فاستشرت تلك المطالب متناسلة بين جموع سكان المدينة وباقي المدن أجمع إلى أن أضحت تظاهرات مليونية تنادي باقتلاع نظام الحكم بالبلاد عن بكرة أبيه، ومحاسبة كل منتسبيه.

بحكم مهنتي كصحفي، قابلت سعيد بمليونية السادس من أبريل، طامحاً بعقد لقاء صحفي مع أحد أيقونات ثورة ديسمبر؛ بسرد ملابسات ما حدث بالمقهى بتفصيل أدق، إلا أنه أنكر مُقسماً قصة المقهى جملة وتفصيلاً، وختم حديثه بِـكل ما أعرفه عن ثورة ديسمبر هو أنها لا زالت مستمرة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة