الرئيسية / احدث التدوينات / في الثورة والعقد الاجتماعي: رسالة إلى الثوار

في الثورة والعقد الاجتماعي: رسالة إلى الثوار

     يجب أن يدرك السودانيون كما الجزائريون أن سقوط أنظمة كالبشير وبوتفليقة والتي سبقها سقوط أنظمة كبن علي ومبارك والقذافي وعلي عبد الله صالح هو سقوط للعقد الاجتماعي الذي كانت تمثله تلك الأنظمة، وبالتالي سقوط لمجموعة القيم التي كانت سائدة وقتها. الحق أن الساسة عجزوا عن محاربة الفساد وتحديث البلاد بما يتفق مع طبيعتها، كما عجزوا عن فهم الشباب وسدوا السبل أمام إيصال أصواتهم والعمل بتوصياتهم؛ ما هدم العقد والود وغيب الفهم، ما سوف يُعرِّض البلاد لأزمات اقتصادية طاحنة إثر غلبة المأمول على الممكن والمعقول.

     فالنظام السياسي يمكن أن يُختزل في شخص الرئيس كما يمكن أن يُستدَل من شخص الرئيس عليه. وسقوط الرئيس يعني دوما أن النظام السياسي كما الاجتماعي مُهترئين من الداخل والخارج. وهذا يقود إلى أن إسقاط رئيس يعني بالضرورة سقوط/ إسقاط عقد اجتماعي وإقرار آخر لأن الرؤساء يأبون السقوط إلا وقد تشبثوا بأهداب النظام الذي يمثلهم ويمثلونه فيُسقطونه في التناقضات فتنكشف عوراته على الملأ فيكون مصيره الرفض والنبذ. ولو أنهم تبنوا تغييرا تدريجيا مبني على إدراكهم لضرورة إنقاذ العقد القائم لتجنبوا ما ساروا وصرنا إليه.

     بيد أن المطالبين بالتغيير عليهم إدراك أن مسئوليتهم تتخطى بكثير إسقاط نظام وصعود أو تصعيد آخر لتصل إلى اضطلاعهم الكامل بصناعة مسار ديموقراطي يضمن تجنب مساوئ الماضي دون رفضه كيلا ينزلقوا إلى عنصرية تفقدهم وحدتهم وإنسانيتهم ونبل مطلبهم؛ فحذار من الفرقة – ومراقبة ومساءلة لنهج النفس والسلطة – وتحديدٌ للأهداف وعملٌ على إنجازها – وابتعاد عن الكاميرا واجتناب للنشوى التي تُغيب العقل وتُوهن عن العمل – وابتعادٌ بالثورة عن مُدعي الود وطالبي الوصاية حفظا للرؤية من الضبابية والتضليل.

ومن الأسئلة التي يجب طرحها وتفعيلها:

١- ما هو موقفكم من الماضي: هل ترفضونه بكل قيمه الاجتماعية والسياسية أم تسعون إلى تطهير الواقع من سلبياته؟

٢- كيف ترون ما حدث للأديان: صُفِدَتْ فصفدتكم؟ أم تعتبرونها قيدا تسعون للتخلص منه؟

٣- هل تنتوون تمكين الأخلاق كأصل قانوني وسياسي فتجرمون كل ما ينافيها؟ أم تقولون ما هي الأخلاقِ إنها نسبية فتنتهون إلى عدم التطرق إليها فتصير بلا ضابط فلا تصير ضابطا؟

٤- ما هو إدراككم لمسألة العدالة الاجتماعية، وكيف تسعون إلى تحقيقها؟ عبر سحق الداخل ليصبح مُهيئا لاستقبال الاستثمار الأجنبي عبر فرض الضرائب الباهظة، وإغراق العملة المحلية، إقامة للبنى التحتية والفوقية، تشغيلا لشركات المقاولات الأجنبية، تشييدا للبني والمباني دعما ودعوةً لمستثمر أجنبي لن يقدر غيره، بعد سحق الداخل، على تمويل الأداء الحكومي في دائرة مُفرغة من اقتصاد شهوات يجني خيرات أرضكم ويأخد منكم ولا يُعطيكم؟! أم عبر إنصاف الداخل تبنيا لحداثة معقولة تتناسب مع رتم وفهم وقيم المجتمع: تفعيل مبدأ تكافؤ الفرص – بناء نظام عدلي كفء – الحذار من، والتحسب لاقتصاد الشهوات – تشجيع الادخار – العمل على الاحتفاظ بالملكيات الفردية إبقاءا على الطبقة الوسطى – تحفيز وتمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة – تخصيص نسبة لا تقل عن النصف للاستثمارات المحلية لا عبر التحصيص ولكن عبر تبني نظام سعري وآخر نقدي وثالث ضريبي يسمح بإفراز مستثمرين محليين – التعليم لا التلقين.. إلخ؟

٥- تُؤسَسْ العقود الاجتماعية عن طريق انتخاب جمعية تأسيسية لوضع الدستور، ثم انتخاب برلمان وفقا للدستور، فانتخاب رئيس كحلقة أخيرة في مسار ديموقراطي ودستوري يحترم كل ما بعد فيه من قبله كما يحترم القانون الدستور وتخِرُ لهما اللوائح التنظيمية؛ كيف تعملون على سير تلك العملية دون ممارسة مؤثرات أو وصايات من سلطات خفية كالشركات والجيوش؟ وكيف تخططون لحسن تمثيل كافة فئات شعوبكم في العملية الديموقراطية: هل تُقرون الحشد؟ أم تميلون لتأسيس مجلس دستوري كما في فرنسا أو لصيانة الدستور كما إيران؟ وكيف تخططون لحظر استغلال الدين أو الوطن كأدوات سياسية تهدف لحشد الجموع دون أن تعني بالضرورة ما تقول؟

٦- إذا ما تفرقت الجموع بعد إسقاط الأنظمة غير المرغربة كل إلى سبيله ثم فوجئوا بأن تغير الحال وإعمار الأرض يتطلب أكثر من الهتاف وقعود الميادين فهل تقرون إسقاط نظام بعد آخر أم تنتبهون إلى تحديد مواضع القصور فتحديد الرؤية والأهداف ثم العمل عليها بتعقل دون إتباع حب الرفض ولوثة التغيير؟

٧- كيف تخططون لإنصاف الجموع المهمشة التي اجتمعت على رفض العوز والجور والتي لا تمتلك من أدوات التغيير والتعبير العلمية والمؤسساتية شيئا وقد لا يتسنى لها الخروج مرة أخرى لإظهار رفضها، هل ستحملون أحلامهم واحتياجاتهم معكم إلى المؤسسات؟

٨- كيف تخططون لفصلٍ مرن بين السلطات يضمن عدم تغولها على بعضها فتغول إحداها أو كلها على الناس، وما هو إدراككم لأمور كخضوع الإدارة للقانون؟

٩- الجيوش دروع الأمم لاغنى للأممِ عنها، ولها أدوار مفصلية في المراحل الانتقالية حفظا للأمن والهوية نظرا لكونها أقدم المؤسسات وأخراها بعد تزعزع باقيتها؛ كيف ترون دور الجيش في الفترة القادمة؟ وكيف تخططون للتنسيق معه فيما يتعلق بتوسيع وإصلاح المجالين الاقتصادي والسياسي؟ هل تطمئنون إلى وجود نخب مدنية مُلمة إلماما كافيا بمشكلات وإشكاليات السياسة والاقتصاد، أم فقط تركزون على مسألة استبعاد الجيش مخافة عدم تمهيده لسبل وصول الشباب -صانعي الثورات- إلى المؤسسات؟ وفي حالة غياب الكوادر اللازمة، هل تتركون البلاد للسقوط في الفوضى على أثر حالة الفراغ السياسي التي تخلقها الثورات مخافة أي طموح سياسي للجيش، أم تتعاملون مع السلطة الانتقالية بوصفها سلطة تنظيم وليتموها مهمة حفظ النظام وتحقيق أهداف الثورة؟

١٠- على غرار جرائم كازدراء الأديان وإهانة رموز الدولة وزعزعة الاستقرار وترويج شائعات مُضرة بالأمن القومي؛ هل تستحدثون جريمة مداهنة السلطة حفاظا على نقاء الحالة الثورية؟

عن إسلام علواني

mm
مترجم من مصر