الرئيسية / احدث التدوينات / في مديح الثوّار 2

في مديح الثوّار 2

(1)

     كانت القصيدة التي تدعو إلى الثورة متحررة من كل القيود، فقد ثارت القصيدة على قيود الوزن والقافية، والموسيقى الداخلية التي توجد في قصيدة النثر، وقواعد النحو وأسس الصرف والإشتقاق في الكلمات، أصبحت تلك القصيدة نقطة تحول في مجال صناعة الشعر، لأنها حطمت كل القوالب القديمة وشقت لنفسها مساراً مختلفاً. إنها إذن قصيدة الثورة بامتياز، لقد أعلنت القصيدة الثورة على كل شيء، حتى تجمع المهنيين نفسه.

     على حسب الجدول المقترح من التجمع كان ذلك اليوم هو يوم اعتصام في الميادين، فجاء الناس واجتمعوا، وبدأوا يغنون ويرددون قصائد الثورة، وعندما أنشد شاعرنا العظيم قصيدته، لم يتمالك الناس أنفسهم، ورغم أن ذلك اليوم كان يوم اعتصام إلا أنهم لا إراديا وجدوا أنفسهم تحركوا من ميدان الاعتصام مؤلفين مواكباً عظيمة.

    لقد ألهمت ربة الشعر القصيدة للشاعر، فجاءت قصيدته من اللاوعي، وعندما أنشدها أخذته حالة حضور صوفي غريبة، والذين أصغوا إلى القصيدة فقدوا وعيهم وسكروا بخمر الشعر المعتقة. بعد أن انتهى الشاعر من إلقاء القصيدة كان الجميع في حالة سُكر شعري، ورغبة عظيمة في الثورة والتحرر، فإنطلق الموكب العفوي الذي خرق جداول تجمع المهنيين.

    عندما جاء رجال الأمن لفض الموكب أدركوا أن مثل هذا الموكب لا يمكن تشتيته، فالثوار لا ترى أعينهم إلا الحرية التي وصفها الشاعر في قصيدته العظيمة، لم يكن البمبان أو الرصاص يستطيع الوقوف أمامهم، كانوا يتدفقون كالسيل وهم في حالة من اللاوعي. في ذاك اليوم سقط الجنرال وانهارت عصابته.

     لاحقا سُميت قصيدة الثورة تلك بالمعلقة، لأنهم قاموا بتعليقها في جدار القصر الجمهوري.

(2)

    القاتل المأجور الذي كان يُطلق الرصاص على الثوّار، استطاع بمعجزة أن يفلت من العقاب، رغم أنه قد تم القبض على جميع القتلة لكنه نجى بفعل فاعل. وبعد أن هدأت الأحوال أخذ نقوده التي جمعها عن طريق اصطياد الثوار وقتلهم، أخذها وفتح بها متجراً كبيراً وتغيرت مهنته من قناص يقتل الأبرياء بدم بارد إلى صاحب أكبر متجر في سوق أمدرمان.

     كان يظن بأن الأوضاع ستكون على ما يرام، وأن السعادة ستسكن قلبه، بعد أن فتح متجراً واشترى سيارة جميلة. لكن حدثت أشياء غريبة لم يكن يتوقعها، أصبح قلبه يؤلمه كلما ابتسم شخص ابتسامة بريئة. اكتشف هذا الأمر بالصدفة، فبينما كان يعمل في متجره صباحاً، جاء رجل وطلب بعض البضائع، وعندما أخذ الرجل بضائعه ودفع المبلغ وقبل أن يغادر المكان شكر الرجل القاتل المأجور وابتسم ابتسامة جميلة من باب المجاملة وحسن التعامل، شعر صاحبنا بطعنة في القلب، وسقط مغشيا عليه بعد أن رأى تلك الابتسامة البريئة.

    أُخِذ القاتل إلى الطبيب، أجرى له الطبيب الفوحصات اللازمة، فوجد أن قلبه يعمل جيداً، ورغم ذلك ما زال الرجل يشكو من آلام القلب. ابتسم الطبيب ابتسامة بريئة وقال: “سيدي أنت بخير وقلبك يعمل جيدا فقط تحتاج لبعض الراحة.” عندما رأى القاتل ابتسامة الطبيب شعر بذات الطعنة في قلبه وسقط مرة أخرى.

    زار القاتل معظم المستشفيات، وقابل أمهر الأطباء، وجميعهم أكدوا له بأنه على ما يرام، وهكذا ضاعت كل ثروته. أصبح القاتل يكره كل شخص طيب يبتسم ابتسامات بريئة، وأصبح يفر من الطيبين الجميلين.

     كانت كل ابتسامة بريئة تذكره بذلك الثوري، كان الشاب وسيما. وكان يهتف .. حرية .. سلام .. وعدالة. وعندما أطلق القاتل المأجور النار على الشاب من مسافة قريبة، سقط الشاب، ونظر إلى قاتله، وابتسم ابتسامته الأخيرة وغادر الحياة. فصارت كل ابتسامة بريئة تذكر القاتل المأجور بذلك الشاب، وتُحدث طعنة في قلبه أعيت الطبيب المداوي.

    بحث القاتل عن مكان لا يوجد فيه أشخاصاً جميلون يبتسمون عند الحديث ابتسامات بريئة. لكنه لم يجد مكاناً بهذه المواصفات سوى السجن، فذهب واعترف بجريمته واستقر مع القتلة عابسي الوجوه والمغضوب عليهم.

(3)

    الفضول المصحوب بالكثير من النرجسية دفع البعض منا إلى الأكل من شجرة ال “كاتسين” اللعينة، تلك الشجرة التي حذرنا آباؤنا الذين في السموات من الأكل منها.

    الفئة التي أكلت منها من أبناء جلدتنا، أبناء الأب “نقوس” كبرت بطونهم ومؤخراتهم وأصبحوا سمانا أقوياء ولهم عضلات مفتولة. نمت لهم أجنحة كبيرة في أطرافهم، أصابهم الغرور والعزة فأصبحوا لا يتبعون أوامر الرب، وبدأوا يعذبوننا ويستحلون دماءنا وأعراضنا وأموالنا.

    لم نأكل من الشجرة التي نهانا عنها الرب، ول أكلنا لصرنا أقوياء مثلهم بعضلات وأجنحة شيطانية فاسدة، لكننا لا نريد أن نخالف أوامر الآباء، فصبرنا على بطشهم سنين عددا. وقد بلغوا من التجبر الحد الذي دفعهم إلى التفكير في حجب الشمس عنا، فطاروا بأجنحتهم الشيطانية مثل سرب من الصقور العنيدة وحجبوا عنا أشعة الشمس. وكانوا كلما جاعوا نزلوا إلى الأرض أكلوا وتزودوا من الشجرة اللعينة وطاروا محلقين بغرور لا مثيل له.

     وبعد مجهود جبار صنعنا فأسا كبيرة، اجتمع كل سكان القرية، رفعنا الفأس معاً، ضربنا به الشجرة اللعينة ضربة واحدة فسقطت أرضاً، أخذناها ورميناها في زنزانة خمس نجوم في سجن كوبر. ومن حيناها أصبح أبناء الجد “نقوس” العصاة يتساقطون واحداً تلو الآخر.

(4)

     منذ بداية الإعتصام لم يغادر صديقنا الميدان، كان يحمل أغراضه في حقيبة ظهر سوداء ويتجول بها طوال النهار في ميدان الاعتصام، وعندما يأتي الليل ينام في الأسفلت متوسدا حقيبته. أهم شيء بالنسبة له هو هاتفه الجوال، كان يحرص على أن يكون مشحوناً دائما، لذلك جلب معه شاحناً خلوياً. يستخدم صديقنا هاتفه على مدار اليوم، فهو ناشط في وسائل التواصل الاجتماعي ولديه متابعون كُثُر. كان يخاف من لصوص الثورات، والدولة العميقة، وقد نشر عدة مقالات في صفحته محذراً من هاتين الآفتين.

     في ذلك المساء كان مرهقاً، لم يدر متى سيطر عليه النوم، نام دون أن يُدخل هاتفه في حقيبته، فسقط الهاتف بالقرب منه. جاء لص صغير، لم يكن اللص الصغير يعرف لصوص الثورات ولا الدولة العميقة. سرق الطفل الهاتف، ذهب وباعه بثمن بخس دراهم معدودات، اشترى بالدراهم سندوتش بيرقر، وصباع سيلسيون، جلس في أقرب خور صادفه، تناول الساندوتش، استخرج قطعة قماش متسخة، صب عليها كمية مقدرة من السيلسيون، أدخلها في فمه، لم يكن يفكر في الدولة العميقة، ولا لصوص الثورات، لم يكن يفكر في شيء إطلاقا، فهو لا يكترث بهذا العالم المنافق، نام ولم يكن في ذهنه شيء سوى مفعول السيلسيون اللذيذ.

(5)

    لم يكن الرسام يعرف كيف تحولت لوحة الشهيد من لوحة عادية إلى أسطورة عالمية. تفاصيل القصة تعود إلى ثورة ديسمبر المجيدة، فالرسام بعد انطلاق الثورة كرّس جهده في رسم شهداء الحراك الثوري. كان يذهب إلى منازل الشهداء ويقوم برسم شخصياتهم على جدرانها المطلة على الشارع. كان الرسام يؤمن بأن رسم الشهداء هو وظيفة مقدسة. وكانت له طقوس عجيبة يقوم بها أثناء الرسم، فكان ينفصل عن الوجود المادي، ويتخيل أبعاد اللوحة وملامحها في اللاوعي، ثم يقوم برسمها.

    لقد رسم الرسام لوحة شهيد أمدرمان الأول، تلك اللوحة التي تحولت إلى أسطورة عالمية وواحدة من عجائب الدنيا. لقد رُسم الشهيد مبتسماً، لكن الغريب في الأمر أصبحت ملامح الشهيد تتغير بشكل مستمر. فعندما يمر الوطن بحالة عصيبة كانت ملامح الشهيد تتغير في اللوحة وتختفي الابتسامة ويصبح الوجه عابساً. وبعد أن تهدأ الأحوال، تعود اللوحة لحالتها الطبيعية. لم يكن الأمر خدعة بصرية بالتأكيد، بل هو معجزة حقيقية، فكل شخص كان يرى ملامح الشهيد في اللوحة بطريقة مختلفة. الثوار كانوا يرون ملامح اللوحة صارمة وحادة وتدل على القوة والعزيمة. الأمهات الطيبات كانت أعينهن ترى الشهيد في اللوحة مبتسماً ابتسامة بريئة تحمل في طياتها الكثير من الحنان والحب. أما الأمنجية فكانوا لا يستطيعون إطالة النظر إلى اللوحة. فكانوا يرون الشهيد يحدق داخل أعينهم بغضب فيهربون من أمامها. أما الكيزان الأوغاد فكانوا يقولون عن اللوحة: (لماذا يرسم الناس الأسود المخيفة على الجدران؟)

    أصبحت اللوحة أسطورة عالمية، يزورها السواح من كل بقاع الأرض، وأي شخص منهم عندما يُسأل عن ماهية اللوحة يذكر وصفا مختلفا عما يراه الآخرون. أصبح أطباء النفس يأخذون المرضى إلى لوحة الشهيد ويسألونهم ماذا يرون في اللوحة، وبناء على ما يقوله المرضى عن اللوحة كانوا يحددون حالتهم النفسية والمزاجية.

     أطفال الروضة عندما جاؤوا في زيارة إلى اللوحة برفقة معلمتهم. طلبت المعلمة منهم أن يرسم كل واحد منهم ما يراه في اللوحة. بعد أن أكمل الأطفال الرسم، جمعت المعلمة كراساتهم، لاحظت أن كل الأطفال رسموا طائراً أبيضا يحلق في السماء.

عن محمد أحمد محمد إسحق

mm
كاتب سوداني ومترجم عن الانجليزية والتركية .