الرئيسية / احدث التدوينات / قصة قصيرة:النجدة يا خالاتي

قصة قصيرة:النجدة يا خالاتي

*حليم جمال

بالتأكيد لا يروقني الأمر هنا ولكني مغلوبٌ على أمري،الطيور لا تهاجر إلا بعد أن تُدمر أعشاشها أو الشجرة التي بُنيت فوقها أعشاشها أو بالأحرى الغابات التي تحوي الأشجار التي بُنيت فوقها أعشاشها.. نظرتُ خلفي لأجدهم قد اقتربوا كثيرًا وأحدهم يصيح بلهجة عربية رديئة بأن يمسكوا بي؛ فلا يجب أن أوصل رسالة أمي إلى خالاتي… مجموعةٌ من القروش تداعب أنوفها الدماء ولن تستكين حتى تظفر بفريستها.. لقد قصفوا الجميع وأنا الناجي الوحيد من الموت. أنا الناجي الوحيد من القصف, ولكنهم لازالوا يتبعونني وما زلتُ أهرب منهم. أعلم أن الفرار من الموت هو في حد ذاته موت.. إما أن أواجهه وأحيا أو يغلبني فأموت.

بدأت قطرات دموعي تهطل, وأنا أواصل السباحة لتخالط قطرات ذلك البحر الممتد الأنحاء. بحرٌ لا بداية له ولا نهاية, يذكرني ببحور الدماء التي غاصت بها عائلتي، ضاعفْتُ من سرعتي, وأنا أواجه ذلك البحر الهائج بأمواجه المتلاطمة.. أفر وأهرب ولكن إلى أين؟!..لا جدوى من الهروب طالما أنك لا تعرف وجهتك التالية. إنها إضاعة وقت لا أكثر..

“مهما غابت الشمس, لا بد لها أن تشرق من جديد” أغمضت عيني ثم أطلقت زفيرًا باردًا محملاً بالحنين والاشتياق، وأنا أذكر تلك العبارة. أخبرني إياها أبي قبل القصف بيوم واحد قبل أن يصبح جثة دامية برفقة أمي وأخواتي تحت الأنقاض..

وإن كان مقدرًا لها أن تشرق, فلماذا لم تشرق قبل أن يقتلوك يا أبي؟!..لا فائدة, لقد تآمرت الشمس معهم يا أبي. لا فائدة. لم ولن تشرق. قلتها بيأس وبصوت عالٍ تردد صداه حتى تصاعد إلى سابع سماء وهبط إلى سابع أرض حتى انقطعت أحبالي الصوتية.. لم ولن تشرق.. قلتها معلنًا استسلامي التام.. توقفت عن السباحة مهطعًا.. أنتظر قدومهم لينتهوا من أمري سريعًا. هيا أقبلوا واقبضوا روحي قبل الوعد.. ضعوا حدًا لحياة ميت لم تحن لحظة مماته بعد.. بل لم تحن لحظة حياته!.. هيا! أشتاق إلى أبي وأمي, أرسلوني إليهم سريعًا. أرجوكم لا تتهاونوا في عملكم..

استدرت ثم أغمضْت عيني أنتظر الموت. مرت دهور و دهور.. دارت عوالم وتجمد الزمن. توقف تمامًا. مر بألف دهر لا بل كان كل ذلك دقيقة أو نحوها. بل هي ثوانٍ أو أجزاء منها. أين ذهب هؤلاء الأوغاد؟! لقد اختفوا تماماً لتحل بدلاً منهم تلك الأمواج التي احتضنتني لتجرفني في طريقها. لم أعلم إلى أين تجرفني إلى النجاة أم إلى الهلاك؟! لا أعلم..

بالتأكيد لم تتوقف عقارب الساعة من أجلي, ولكني لم أعلم كم من الوقت قد دارت. فتحْتُ عيني ببطء شديد, نفضْتُ رأسي مرارًا بينما أحاول النهوض بصعوبة بالغة. كنت أشعر بدوارٍ شديد. الرؤية باهتة والعالم يدور من حولي. جاهدت لاستعادة توازني ثم بدأت السير بخطوات متباطئة كسلحفاة مبتورة القدمين تستعد لإقامة بياتٍ شتوي.. تهاوى إلى مسامعي أصوات أنثوية تحمل في طياتها الحماس, بدأت أقتفي أثره وبعد قليل اكتشفت أخيرًا مصدره..

كائنات تجمع بين صفات البشر والأسماك. من أعلى الرأس وصولاً إلى منطقة الخصر فهي صفات بشرية, أما النصف السفلي بدءًا من أسفل الخصر ووصولاً إلى نهاية الذيل فقد كانت صفاتٍ سمكية. إنهن حوريات بحر في منتهى الحسن والجمال!

إنهن خالاتي!! بالتأكيد هن, لقد أخبرتني أمي أني سأجدهن على الشاطئ الآخر. لا بد من إيصال الرسالة, هرولْتُ نحوهن سريعًا وقد تناسيت إنهاكي ودواري.. يا خالاتي, تخبركن أمي أنها تحترق..أرجوكن أغثنها. اتجهت نحو أربعٍ انتحين جانبًا وحدهن لأخبرهن الرسالة؛ فنظرْن إلي شذرًا ولم ينبسن ببنت شفة. شعرت ببعض الريبة؛ فقصدت ثلاثًا أخريات كن مستلقياتٍ على الرمال وجراحهن تفيض شلالات دماء… يا خالاتي أهلاً بكن.. أخبرتني أمي أن أوصل إليكن أنها تحترق.. أرجوكن أغثنها. أغمضت واحدة عينيها بينما تحتضر وتلفظ أنفاسها الأخيرة وهكذا فعلت الاثنتان الأخريان.. ثم قلن في دفعة واحدة بصوت مبحوح: ساعدنا أرجوك!

حدثت نفسي وأنا أبتعد عنهن ساخطًا. ميت يطلب من ميت أن ينقذه من الموت! يا لسخرية القدر!!

هرولت نحو أخرى لأستغيث بها؛ فإذا بها تصرخ بوجهي بطريقة هيستيرية قبل أن أنطق. فلترحل من هنا سريعًا؛ دقيقتان وسوف ينفجر ذلك الحزام الناسف الملتف حول خصري, فلتنج بنفسك أيها الصغير..

أسرعت الخطى تجاه أخرى, كانت سمراء اللون, ولكن ما لفت انتباهي أيضًا أن نصفها العلوي قد انفصل عن نصفها السفلي.

زفرت ضيقاً وأنا أبتعد عنها. لمحْتُ خمسًا أخريات من خالاتي ولكن كن في أبهى حلتهن تبدو عليهن القوة الشديدة وبعضهن تتدلى كروشهن حتى أعلى ركبتهن. كدت أتجه إليهن بعد أن شعرت بالأمل, ولكن جذب انتباهي خالة أخرى تنزف هناك ولكنها مازالت تقاوم. ارتسمت على وجهها ابتسامة مكسورة استطاعت أن تجذب فضولي أكثر من الأخريات القويات, أشارت لي بسبابتها تدعوني للقدوم فهرعت إليها سريعًا دون الالتفات للأخريات حتى جلست بجانبها لأسندها, ولكنها ظلت على وضعها لم تتحرك, طلبْتُ منها بصوتٍ حنون أن تنهض, التفتت لي بنفس الابتسامة. لقد اعتدت تلك الوضعية منذ زمن يا صغيري ثم أنه لم يحن بعد وقت النهوض. أنا أعرفك حق المعرفة. لقد جئت لتطلب العون..

سألتها عن كيفية معرفتها بذلك, فأجابتني بأني لست أول من يأتي لطلب المساعدة وأني لست الأخير أيضًا. أخبرتني أنها تجلس بالمكان الأقصى ولكن جراحها مقارنة بباقي خالاتي أقسى..

ولماذا لا تساعدني خالاتي ولماذا لا تساعدنكِ أنتِ أيضاً يا خالة؟!

-لقد أصابهن الصمم والعمى منذ أمد طويل. ليس بمقدورهن حتى مساعدة أنفسهن. مدت يدها تستحثني على اتخاذ نفس وضعيتها ثم استطردت…سوف ترى الآن لم لا تستطعن المساعدة, ولكن عدْني ألا تكبر بعد مشاهدة ذلك الحديث.. أومأت برأسي موافقاً ومن ثم بدأ الحديث بينهن. كانت أكبرهن حمراء الرأس بيضاء الخصر سوداء الذيل.. شرعت تخطب بهن في حماسة شديدة وهي تقول. يجب علينا أن نتكاتف جميعًا؛ أختنا تحترق. لا يجب علينا أن نقف مكتوفات الأيدي.. فلتطرحْ كل منكن اقتراحها ثم نقوم بالتصويت. هيا فلتنطلقن..

لسوف نجمع كل الأسماك الفنانين ليغنوا تحيا أمتنا,. ما رأيكن ببعض الصراخ والأنين؟! إن أصواتنا عالية بإمكانها أن تصل إلى الحوريات في المحيطات والبحر الجنوبي للصين. لا شيء بأيدينا سوى الدعاء, من المؤكد أن الله سوف يجيب دعاء مظلوم وحزين. لا شيء نخسره. يجب أن ننقض على أعداء الدين هؤلاء و نقتلهم. لسنا إلا كأسد يخشى حتى أن يزأر في العرين. إلى متى سنظل صامتين!!..

(تصويت)!!..أعتقد أن جميعنا متفقات على الاقتراح الثالث, أليس كذلك؟!..حسناً فلنتوجه بالدعاء جميعاً بنية خالصة إلى الله تعالى. اللهم أزل القصف عن أختنا يا رب العالمين.. اللهم أزل الكرب و البلاء عنها. آميييين!!

التفتت لي بابتسامة جانبية مكسورة. هل عرفت لم أخبرتك يا صغيري أنهن لا يستطعن حتى مساعدة أنفسهن؟! لا تفعلن شيئاً سوى الدعاء وهن ماكثات في موضعهن..

-نعم, لقد علمت يا خالتي..

نظرت إلي نظرة لم تختلف كثيراً عن نظرات أمي الحنونة في الساعات التي سبقت القصف ثم ربتت على كتفي قائلة: أخبرني يا أمي, لا تنادني خالتي مرة أخرى..

ابتسمت رغماً عني وأنا أقول: حسنًا يا أمي..

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة