الرئيسية / احدث التدوينات / ما بنصحك: 500 كيلومتر

ما بنصحك: 500 كيلومتر

    كقطرات مطر مباركة ومتتابعة كانت أيام الثورة، وكالقطرة التي اجتُبِيت بتهشيم السقف المتداعي كان يوم 6 إبريل.

    شاركت بمواكب الخميس على فترات متفرقة، نظرا لظروف عملي خارج الخرطوم، كنت أتماهى مع هدوء مدينة عملي ظاهريا فقط، لاعنا قيود الوظيفة داخليا، بينما أغلي وأنا أترقب أخبار الثورة والثوار كأبي سفيان الواقف على أبواب مكة مستطلعا بشرى نجاة القافلة.

    صوت إطلاق العبوة، الدخان، اختناق اللحظات الأولى، احمرار الأعين بالدموع، الركض وسط الجموع، والنفس الأول النقي الذي يمزق الصدر، مواكب السوق العربي المبهجة التي تجعلك تعود بنفس راضية وأقدام متربة.

    ثم كان الإعلان عن مليونية 6 إبريل، المساءات تضج بالأغاني الثورية، والنقاشات الحامية مع أصدقاء الهم والأمل، ثم اتخذناه قرارا بدا بديهيا، عقلانيا وأهون من مشقة النهوض من سرير نوم، سنترك أعمالنا ونلتحق بالخرطوم، فمن للمليونية إن تقاعست أنا، وتقاعس هو، وتقاعست أنت؟

    الرابعة صباحا انطلقنا بسيارة أحدنا، كنا أربعة، ولمسافة طويلة عم الصمت، الصمت الضاج بالحياة، بالإثارة، بالترقب الحذر، الصمت الذي يمنح حناجرنا راحة قبل تسلق قمم الهتاف. أدر يا فلان أغاني الثورة، أفسحنا مساحة فيما بيننا لمصطفى سيد أحمد الذي ظل يغني بينما يتلاعب هواء النافذة بشاربه الكث، ولابد أنني ناولته منديل نظارتي ليمسح ذرات الغبار الناعم عن عويناته، ولابد أن مهندا قد منحه سيجارا.

    وعلى مشارف الخرطوم تفاكرنا، نعلم أن العديدين سيأتون من الأقاليم، لكن لن يعلم بهم أحد، سنعلن عن أنفسنا بشجاعة، أو ربما بحماقة، علنا نلقي بحماستنا على أكتاف الناس. فارتجلنا فيديو قصيرا جدا. 500 كيلومتر من أجل غمازات 6 إبريل.

    الخرطوم بدت لنا ونحن نلجها نهار 5 إبريل أنثى مصابة بخمول غدتها الدرقية، زحام الجمعة الخفيف، الباعة الجائلون، الرجال، النساء، هجست لنفسي وشيئا ما يترقرق في عيني: هل أتيت للمدينة الخطأ؟!

    انفصلت عن جماعتي لأزور أهل بيتي، ولحظتها أطلق أحدنا الفيديو على صفحة فيسبوكه الشخصية. عدت إلى بيتي، قابلوني بالترحاب، الأخبار، لماذا أتيت دون اخطار سابق، فأجبت: لحضور زواج. لم أكن كاذبا ساعتها، فقد أتيت للمشاركة في عرس الوطن.

    هيأت فراشي الذي فارقته منذ مدة طويلة، وغفوت لتنهال عليّ المكالمات الهاتفية والرسائل، الفيديو وجد انتشارا كبيرا لم نتوقعه، ولم نتحسب له، مكالمات قلقة وأخرى تطالبني بمغادرة منزلي حتى لا أعتقل، وكما تعلمون فقد أصبحت الاعتقالات أمرا روتينيا في الدولة البوليسية التي تحسب كل صيحة تهديد يمس عرشها، واتصل عليّ أصدقائي، فقد توجسوا من المهاتفات التي وصلتهم، فقررنا التجمع في مكان آمن، غير الذي كنا فيه. ونحن ندور في شوارع أمدرمان والخرطوم ونتنقل بين المنازل، فكرت في معاناة المناضلين الحقيقيين كأعضاء تجمع المهنيين، والشباب الناشط. لن تكون حياة يسعد المرء بعيشها.

    لابد أنه كان صباحا مختلفا كلية، لكننا قاصروا نظر، ربما ضحكت الشمس فأشرقت، ربما غازل النيل الضفة فاتشحت بالأخضر خجلا، للأسف لم ألحظ كل هذا وأنا أمشي الفرشاة على أسناني.

   خرجت مع أصدقائي الأربعة، كنا واثقين أننا أربعة، وعلى ال 999996 أن يخرجوا لنكمل المليون، تفرقنا بالقرب من موقف “شروني” ولأنني لم أكن عرافا غجريا أخبرتهم أن نلتقي بعد ساعتين عند نقطة محددة (فالمغفل كان يعتقد أن موكب اليوم كسائر المواكب سيفض سريعا).

    شربت القهوة، لا لشيء، إلا لإزالة التوتر ولاستكشاف المكان، كنت ألعب مع نفسي لعبة المراهنة، فكلما شاهدت شابا أو شابة كنت أراهن بعمري أن هذا مناضل وذاك عابر سبيل وهكذا.

    خمس عشرة دقيقة قبل الواحدة، تسكعت في الأرجاء، وأنا أحاول أن أبدو عاديا، عشر دقائق، سلكت شارعا جانبيا ضيقا يؤدي إلى موقف “شروني” نقطة انطلاق الموكب، وصلت لوسط الشارع عندما برز شابا ثلاثينيا من نهاية الشارع متجها نحوي، أنظر إليه بحذر ويطالعني بحذر أكبر، هزئت من نفسي: “هل عبرت كل هذه الكليومترات لأعتقل في شارع جانبي قذر.” وقبل أن أشارك فعليا في الموكب؟! عندما جاورني الشاب همس لي: “ما بنصحك” وواصل طريقه. عدت أدراجي خلفه ليخبرني أن رجال الأمن منتشرون عند نهاية الشارع الذي كنت أقصد ويعتقلون الكل.

    خمس دقائق وبدأ موكبنا مبكرا، شرق “شروني” تماما، وكأنهم نجوم تتساقط من السماء، بذور تنبت من الأرض، ملائكة تبرز من العدم، كنا مجموعة كبيرة، شباب من الجنسين، حرية سلام  وعدالة، حلقي ينفجر، روحي تطالعني من الأعالي، جسدي خفيف لا يكاد يطأ الأرض إلا ليعلو. أفراد الجهاز البؤساء على الضفة الأخرى، يقذفوننا بالمبان فنبادلهم بالهتاف، ركض، فتجمع، فركض، بدا لي موكب اليوم مختلفا عن بقية المواكب، الإصرار معجون بالهواء الذي نستنشق، والعزيمة عصاة يتوكأ الجميع عليها، ثم متاريس عبقرية، شباب يبدو أنهم أعدوا مسبقا يوقفون سياراتهم الفارهة لتصد عربات الأمن.

    ولجنا شارع المطار، كثيرون تركوا مشاويرهم والتحقوا بالموكب، ثم اقتربنا من المباني الرئيسية لجهاز الأمن، مقاومة بدت لي كأنها أداء للواجب لا غير، عبرنا أمامهم وهم يسبحون في ذهولهم، سلمية سلمية، ولم يكسر زجاجهم المعتم، ولم يصبهم حجر طائش، لكنهم صرعى برصاص الحناجر، تراهم يتململون، يجرون مكالمات يبدو أنها لا تجد من يرد عليها، بدوا صغارا ببؤس الدنيا كلها.

    كنا أول موكب يصل القيادة، شعور لا يمكن وصفه بالكلمات، قشعريرة تسلطت على كل جسدي، لقد انتصرنا ووصلنا لمبتغانا، الجميع يتصافح ويتعانق: (سقطت .. سقطت) تملكنا شعور بأن هذه اللحظة هي نهاية عهد الظلم والظلام، أفراد الجيش بدوا سعيدين، ويكادون يتقافزون من الفرحة، لولا وقار الكاكي، وعلمت أنني وسط جيل غير التاريخ، وسيقدم الكثير مستقبلا، عندما شاهدت الكثيرين، ودون معرفة سابقة، وبعفوية، يحاوطون البالوعات العميقة، التي لا غطاء لها حتى لا يسقط فيها أحد.

   ثم تقاطرت المواكب، العدد كان مهولا، الكل مذهول، الهتاف جميل، ثم محاولات رخيصة لفض الاعتصام، وتحركات قوية من الجيش لردعهم. هنالك بعد صلاة المغرب قابلت الكاتب المريخي ناصر بابكر. كان مهذبا خجولا وراكزا كما عهدته في مقالاته اليومية، ثم صافحت الكاتب محمد عبد الماجد، ودخان البمبان يغطينا، وداعبته قائلا:

    – مشكلتك الوحيدة إنك هلالابي.

    فضحك وهو يبعد صفق النيم عن أنفه:

   – أهو الميدان دا لمانا كلنا رغم اختلافنا.

    عندما تملكنا العطش وجدت على أسوار القيادة نقيبا وسط عساكره يناولونا الماء وعلى شفاههم المتسعة وجدت ابتساماتنا منعكسة عليها.

عن محمد حسن النحات

mm
قاص من السودان