الرئيسية / احدث التدوينات / 6 ابريل: لحظة من داخل التاريخ

6 ابريل: لحظة من داخل التاريخ

     عاملين حاسمين كانا سبب نجاح حشد القيادة العامة في يوم 6 ابريل. فعملية تثوير الاحياء تباعا لمدة اربعة اشهر كان قد ساعد في ادخال الكثيرين الى الفعل الثوري واكتساب تكتيكات مواجهة قوات الامن ونزع قناع الخوف وبالتالي كان يبدو ان الإعلان المكثف عن حشد مركزي كان قرارا ناجحا. فالشارع كان قد وصل لحالة نضج وغليان يمكنان من نجاح اي حشد كبير.  انضمت كتلة كبيرة  من الجماهير للمعتصمين حول القيادة العامة بعد ورود صور الاف الثوار الذين وصلوا الى شارع القيادة مبكرا، ولكن الصورة الاولى والتى انتشرت في الفضاء لشباب يرفعون الاعلام امام بوابة القيادة العامة بعد ربع ساعة من فقط من انطلاق المواكب – التى تفرقت في غالبها – شكلت دافعا كبيرا للذين تفرقوا من المواكب الرئيسية ولسكان الاحياء القريبة لتتوالى الحشود المليونية التى صنعت يوما تاريخي شكل انحرافا كبيرا في مسار الحراك الطويل الذي بذلت فيهو الكثير من الارواح .

    مثل كل موكب خرجت بلا توقعات كبيرة، هي فقط محاولة اخرى لارهاق رجال الامن.  في مواجهة آلة الدولة القمعية لم يكن ممكنا وصف اي من الحراكات بالفاشلة فاي خروج من المنزل كان بمثابة نجاح فردي واي تفريق يحدث لتجمعات الثوار في الشارع كان يعني نجاحا – لو لم تكن السلطة بكل هذه الوحشية. كان تحريك الشارع هو محاولة للوصول لذروة الفعل، حين تفوق اعدادنا مقدرة رجال الامن وهرواتهم وغازاتهم المسيلة للدموع. رغم هذا فان اليوم كان يبدو يوما مختلفا ايضا عن ما دون سواه من ايام سبقتز فابنة اختى الصغيرة كانت قد اخبرتني بانها ستخرج اليوم الى الموكب وصديقاتها لأول مرة – اختبرت لاول مرة احساس الخوف الابوي، ولكن لم يكن ممكنا ان امنعها الخروج ولكني حملتها عوضا عن ذلك بعض النصائح التامينية ومسئوليتها الشخصية عن نفسها. كان هذا مؤشرا الى ان كتلة جديدة ستتحرك اليوم نتاج الدعاية المكثفة التى سبقت اليوم.

     حملت الهاتفين الذي املكهم وخرجت مؤقتا ان اصل لموقف شروني في تمام الواحدة، هدؤ حذر كان يلف الشوارع وكان رجال الامن والشرطة يتناثرون بين تقاطعات الشوارع ابتداءا من تقاطع كنار ثم لفة الجريف، لم يكن من شئ غريب في الامر، بعد 4 اشهر من بداية الحراك صار مشهد رجال الامن في الشوارع عاديا جدا. الحقيقة صار وجودهم في اي مكان امر عاديا. لدرجة اني احيانا كنت اتخيل ان احدهم سيخرج من تحت السرير ليعتقلني في اي وقت.

    تأخرت قليلا في الوصول لشروني، عند الواحدة ودقيقتين كانت حافلة النقل تقف عند تقاطع زين فترجل، دقيقتان فقط لا حتى خمس دقائق كانتا كافيتان لأن تفوتني الكثير من المشاهد. تخيلت ان الحذر والخوف كانا يلفان اوجه الثوار حول الموقف وبين حافلات النقل  مثل ما يحدث قبل انطلاق كل موكب  وتخيلت انه عند الواحدة تماما انطلقت زغرودة في منتصف المحطة تم اتباعها بهتاف جهور  “حرية سلام وعدالة”  ثم خرج الثوار من بين مخابئهم بنشاط ليلتفوا حول ملكتهم، تخيلت ان رجال الامن اندهشو من جسارة الفتاة ولكن هذا لم يمنعهم من اطلاق الغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والحي بعشوائية ليتحول الموقف الى جحيم تفرق حوله الثوار افرادا لمحاولة تجمع في مكان آخر. حاولت الانضمام الى تجمع صغير جنوب الموقف ولكن الغازات لحقتنا فتفرقنا، لم اكن احمل كمامة تحميني فاحسست بدوار خفيف وتسربت حبات كبيرة من الدموع من بين اطار نظارتي. قررت الانسحاب، الحقيقة لم يكن الموكب الاول الذي يتم تفريقه قبل ان يبدأ حتى ولن يكون الاخير – كما ظننت حينها- وبعض الظن اثم.

    قفزت الى حافلة نقلة صغيرة خارجة من المحطة، الغضب كان باديا على وجوه مستقليها في الغالب لم يكونوا من الثوار ولكن اربع شهور من حراك سلمي كان قادرا لان يكسب الشارع الى جانبه عدد كبير ممن اتخذوا موقف الحياد من عامة المواطنين، وكانت تصرفات رجال الامن الموثقة بالفيديوهات خلالها كافية ان لان تكتسب عداء المزيد المواطنين.

    مرت العربة بشوارع داخلية في الخرطوم 2 ثم خرجت بشارع افريقيا لتتوجه جنوبا، لاحظت عند مدخل شارع المطار ان اعداد مفرقة من الجمهور تتجه ناحية القيادة فترجلت لاعيد الكرة مرة اخرى. كان يبدو ان الجماهير رويدا قد بدأت في التجاوب مع الثوار فاصوات ابواق السيارات المحاكية للشعارات كانت تسمع هنا وهناك وتلويحات البعض من بين نوافذ السيارات بالاعلام وعلامات النصر شكلت دافعا قويا للتقدم وبث دفعة جديدة للتفاؤل. ولكن الصورة الحية للثوار وهم يرفعون علامات من امام مبنى القيادة العامة بعد ربع الساعة من موعد الموكب كان غير قابلا للتصديق لوهلة ظننت ان الصورة مفبركة ولكني اكتشفت انها حقيقية فتمنيت لو كان لي جناحين تطيران بي الى حيث وفد مقدمة الثوار ناحية مباني الجيش. فاتني ان اكون ضمن اول الواصلين للقيادة وبالتالي لن استطيع ان اتباهى في حكاوي الثورة بعد عدة اعوام اني كنت ضمن اول من وصلوا قيادة الجيش – كما سيفعل غالب السودانيين.

    في شارع افريقيا كان ما يشبه مهرجان النصر قد بدأ، وبدا ان اليوم سيكون مختلفا، امتلأ  جانبي الشارع بجمهور اتخد اتجاها واحد ناحية القيادة وكانت الاعلام ترفرف من نوافذ السيارات وفوقها، كان شابا يستغل الزحام وتوقف الحركة بعد ان تم عكسها يترجل من سيارته ليتجول بين السيارات ويهتف ملوحا بعلمه ، رايت شابا آخرا يتجول بين السيارات والممر الفاصل بين بكل نشاطا معبئا حنجرته بكل هتافات الثورة كانت كل خلاياه تتحرك بثورية يبدو ان 6 ابريل كان يوم فاصلا بين الشارع والخوف.

    اضطررنا ان نتخد طريقا داخليا داخل احياء الخرطوم انا وصديقي محمد المصطفى الازهرى الذي ناداني من بين زحام الطريق وابتعنا عدد من قارورات المياة بعد ان اخبرنا بعض من الاصدقاء الذين وصلوا القيادة بحوجتهم للماء، كانت الشوارع ممتلئة بالجموع المتوجهة ناحية القيادة وكانت كل التقاطعات نقاط حشد يتوقف الشباب ويهتفون لحين احتشاد الجماهير ثم يسيرون موكبا صغيرا تتروح اعداد الجماهير فيه بين المئة والمائتين،  كان النساء يخرجن من امام المنازل ويبادلن الثوار الهتاف. خلال المرور بشوارع الخرطوم 2 لم الحظ وجود اي من القوات الامنية  كان التدافع الجماهيري اكبر من مقدرة اي قوة. عند مدخل شارع القيادة بتقاطع شارع المك نمر وشارع السيد نمر توقفت عربتا شرطة دون اي فعل، كان الثوار يمرون من امامها ويلوحون بعلامات النصر والرايات. مناوشات رجال الامن تم ردها في حينها بفعل العدد الكبير من الجمهور مع توفر كميات كبيرة من الحجارة حول السكة حديد ومقابر الكمونولث وظهر ان حتى رجال الشرطة كانوا ينزعجون من مناوشات رجال الامن للثوار حيث ان الحجار لم تكن تفرق بين الشرطة والامن، بل ان عربة شرطة كبيرة تمت مهاجمتها بوابل من الحجارة ولم تستطيع الانفلات الا بحماية بعض من الثوار ذاتهم. كان يبدو ان كل الخرطوم قد انتقلت الى هناك فلم يكن بالامكان التحرك شمالا من امام بوابة القيادة العامة بعد الثالثة عصرا الحقيقة لم يكن بالامكان تخيل كمية الحشد، انا كنت اظن ان الحشد كبير لدرجة انه يملأ كل شارع القيادة حى نفق بري، ولكني ليلا عندما اتصلت بابنة اختى لأطمئن عليها قالت انها تحركت للعودة للمنزل من شارع بري، وكنت مندهشا من رجعوهم قبل الوصول الى امام القيادة حيث الحشد الا انها فاجأتني ان الحشود بالناحية الشمالية من مباني القيادة كانت كبيرة ايضا ولم يكن يمكنهم التحرك غربا

    التقيت باصدقاء دراسة في كل مراحل اصدقاء اسفيريون لم التقيهم قبلا اصدقاء عمل اقرباء وتعرفت على اصدقاء جدد كان يوما زاخما ومختلفا ومدهشا، كان التفاؤل يطل من اوجه جميع من التقيهم وكنا نتبادل عناقات يوم احتفال كبير.

    لم يكن عاديا ولكن احساس التواجد داخل التاريخ هو شئ لا يمكن وصفه، قبل يومين من الموكب كان احد استاتذتي الاجلاءبجامعة الخرطوم يحكي بزهو كيف انهم رقدوا على الارض في ثورة ابريل  1986 على نميري ليمنعو الدبابات من التحرك من مباني قيادة الجيش الى القصر حيث احتشد الجمهور، امتلاء حديثه باثارة لم يكن فهم معناها او حسها الا بالتواجد في 6 ابريل اخرى.

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان