الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة:البربر ” الأمازيغ”: لمحات من التاريخ القديم لقبائل الرعاة في شمال أفريقيا

ترجمات خاصة:البربر ” الأمازيغ”: لمحات من التاريخ القديم لقبائل الرعاة في شمال أفريقيا

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

▪️البربر… لكم حملت تلك الكلمة من دلالات ومعان على مر التاريخ، فتارة تستخدم للدلالة على لغة بعينها، أو ثقافة، وتارة أخرى تستخدم للإشارة إلى جماعة من البشر أو إلى موقع جغرافي ؛ إلا أن أبرز إستخدام لها إنما يتجسد في ذلك المصطلح الجامع الدال على عدد من قبائل الرعاة من السكان الأصليين الذين عاشوا منذ زمن سحيق في شمال غرب إفريقيا…

فمن هم البربر ” الأمازيغ” حقا؟ ومتى كانت نشأتهم؟ وما هو دورهم في التاريخ، وتحديدا تاريخ الغزوات والفتوحات العربية لشمال إفريقيا وشبه الجزيرة الإيبيرية؟…. هذا ما سوف نحاول التعرف عليه عبر السطور التالية…

 

البربر، من هم؟

يرى الباحثون المعاصرون أن “البربر / الأمازيغ”* هم أحفاد المستوطنين الأصليين لشمال إفريقيا، وأنهم استعمروا تلك المنطقة وأسسوا حياتهم بها منذ مالا يقل عن 10.000 عام، بل إن هناك من الشواهد الثقافية مايرجح أن استيطانهم لتلك المنطقة ربما يمتد لما هو أبعد بكثير من ذلك التاريخ، فقد تم إكتشاف عدد من الدلائل التي تشير إلى أن تلك القبائل قد أدخلت حرفة رعي الأغنام والماعز إلى حياتها – حينما أصبح ذلك متاحا- قبل مايزيد عن ال 10.000 عام، وهو ما يدفع طائفة كبيرة من الباحثين للإعتقاد أن قبائل البربر قد وجدت وعاشت في منطقة شمال غرب إفريقيا قبل ذلك التاريخ بفترات طوال.

أما عن الهيكل الإجتماعي للبربر، فهو هيكل قبلي بإمتياز، حيث يستأثر فيه الذكور بدور الزعامة والقيادة على قبائلهم التي تمتهن حرفة الزراعة بشكل أساسي ؛ كما يعتبر البربر بمثابة تجار ناجحين على درجة عالية من الحنكة والمهارة في أمور التجارة ، فقد كانوا هم أول من فتح الطرق التجارية مابين غرب إفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى في مواقع عدة مثل مدينة { تادمكة } في مالي.

 

لمحة من التاريخ السحيق للبربر :

الحق أن التاريخ القديم للبربر إنما هو أكثر تعقيدا مما قد يبدو عليه للوهلة الأولى، وهو ما يفرض على أي باحث في ماضيهم البعيد أن يبذل عظيم الجهد في البحث والتنقيب بين طيات المراجع والمتون القديمة التي أتت على ذكرهم، كي يخرج بتصور متماسك ومتكامل قدر المستطاع عنهم ؛ فإذا نحن أبحرنا عبر المراجع التاريخية المبكرة بحثا عن تلك الجماعات العريقة المعروفة بإسم البربر، فسوف نجد ذكرها مبثوثا في جنبات طائفة ليست بالقليلة من المصادر اليونانية والرومانية والعربية…. فهاهو أحد البحارة المغامرون يصف لنا في واحد من المراجع اليونانية، التي تعود للقرن الأول الميلادي، منطقة تسمى { برباريا } تقع جنوب مدينة { بركيك} على ساحل البحر الأحمر في غرب افريقيا.

ومن القرن الأول الميلادي أيضا نجد عالم الجغرافيا الروماني بطليموس ( 90- 168 ميلاديا) يتحدث عن “البرابرة” الذين يحيون في منطقة { الخليج البربري } الذي يقود إلى مدينتهم الرئيسة { رابتا }..

وفي المصادر العربية، يصف الشاعر العربي الشهير امرؤ القيس، في إحدى قصائده، جماعة البربر الذين يمتطون الخيول .

كما يذكرهم أيضا عدي بن زيد، والذي ربط بينهم وبين مملكة { أكسيوم } التي كانت تقع في شرق افريقيا ؛ وفي القرن التاسع، يتحدث المؤرخ العربي ابن عبد الحكم عن { سوق البرابرة } في الفسطاط.

 

البربر في شمال غرب إفريقيا :

اليوم، في زمننا المعاصر، يرتبط إسم البربر دوما بالسكان الأصليين لمنطقة شمال غرب إفريقيا فقط ، وليس شرق افريقيا؛ والحقيقة أن هناك طائفة من الباحثين ترجح أن البربر المتواجدين في شمال غرب إفريقيا ليسوا هم نفس البربر الذين استوطنوا شرق القارة السمراء، وإنما هم تلك الجماعة من البشر الذين أطلق عليهم الرومان في الزمن القديم إسم ” الموور” ، ثم مع الوقت ، صار المؤرخين يطلقون عليهم هم أيضا إسم ” البربر” للإشارة إلى الجماعات التي غزاها كل من الفينيقيين والرومان والبيزنطيين والعرب.

وفي العام 2011 إقترح الباحث” رويغي ” فكرة مثيرة للإهتمام وجديرة بالتفكير فيها، تتمثل في أن العرب ربما هم من أطلقوا مصطلح” البربر” على تلك الجماعات في شمال غرب إفريقيا، مستعيرين إياه من برابرة شرق افريقيا، وذلك خلال فترة الغزو العربي لهم والتمدد الواسع للإمبراطورية الإسلامية في شمال إفريقيا وإلى شبه الجزيرة الايبيرية…. يقول رويغي أن الخلافة الأموية التوسعية قد استخدمت مصطلح البربر كوصف جامع يشمل كافة قبائل الرعاة الرحل الذين كانوا يعيشون في شمال غرب إفريقيا، وذلك في نفس التوقيت تقريبا الذي قامت فيه الإمبراطورية الإستعمارية الجديدة – يقصد الدولة الأموية – بتجنيدهم وضمهم إلى جيشها الإستعماري ليحاربوا تحت لوائها ويسهموا بشكل هائل فيما عرف ب ” الفتوحات العربية في شبه الجزيرة الايبيرية”**.

 

الفتوحات العربية :

بعد فترة وجيزة من تأسيس الدولة الإسلامية في مكة والمدينة، في القرن السابع الميلادي، بدأ المسلمون يوسعون من رقعة إمبراطوريتهم الناشئة، فقاموا بالإستيلاء على دمشق منتزعين إياها من يد البيزنطيين في العام 635 ميلادية، وفي 641 سقطت الإسكندرية، عاصمة مصر في ذلك الوقت، في قبضتهم ؛ وبحلول عام 651 كان المسلمين قد تمكنوا من بسط سيطرتهم على الإمبراطورية الفارسية.

وقد بدأت الفتوحات العربية لشمال إفريقيا في الفترة مابين 642 – 645 ميلادية، مباشرة عقب استيلاء العرب على مصر واستقرار حكمها في أيديهم ، حيث اتخذها القائد العربي الشهير ” عمرو بن العاص” كقاعدة إنطلق منها نحو الغرب بجيوشه المتحمسة، والتي سرعان مااستولت على برقة وطرابلس وصبراتة. وهناك ، قام بتأسيس قاعدة عسكرية جديدة للإنطلاق صوب مزيد من الفتوحات والإنتصارات في منطقة الساحل المغاربي لشمال غرب إفريقيا.

وبحلول القرن الثامن الميلادي، تمكن العرب من دحر البيزنطيين وطردهم خارج تونس – كانت تسمى أفريقية في ذلك الزمن – وقاموا ببسط نفوذهم وفرض سطوتهم، بشكل أو بآخر، على المنطقة بأكملها ؛ ولم يمض العقد الأول من القرن الثامن إلا وكانت جحافل جيش الإمبراطورية الأموية قد بلغت شواطئ المحيط الأطلسي، فقاموا بالإستيلاء على طنجة، و جعلوا من المغرب مقاطعة موحدة تضم شمال غرب إفريقيا برمتها.

وفي عام 711، وعلى رأس جيش تكون أغلبه من جنود البربر، قام حاكم طنجة الأموي موسى بن نصير بعبور البحر الأبيض المتوسط إلى حيث إيبيريا، وأخذت الغزوات العربية في التمدد حتى وصلت إلى الأقاليم الشمالية، وهناك قامت حضارة متألقة باتت تعرف في التاريخ بحضارة { الأندلس العربية } أو { إسبانيا الأندلسية }.

 

ثورة البربر العظمى*** :

لم يدم الوفاق بين العرب والبربر طويلا، فقد ضاق جيش البربر في إيبيريا ذرعا بالحكام الأمويين وضجوا من ممارستهم وتعسفهم ، وأخذ الغضب يعتمل في صدورهم، إلى أن أشعل شرارة التمرد في ثلاثينيات القرن الثامن، وهي الشرارة التي استحالت إلى ثورة هائلة ضد حكام قرطبة في أربعينيات نفس القرن.

 

البربر المعاصرون، حياتهم وسكناهم :

يرى رويغي أن الغزوات العربية في شمال غرب إفريقيا قد أدت إلى خلق ” إثنية عرقية” بربرية، تكونت من جماعات البربر المتحالفة، التي لم يكن يجمعها أي ترابط في الماضي البعيد، إلا أنها قد أخذت في الاندماج معا حتى باتت اليوم تمثل إثنية ثقافية واقعية لايمكن إنكار وجودها.

وتتشكل قبائل البربر من شمال غرب إفريقيا في إيبيريا اليوم من عدد من القبائل، أبرزها قبيلة ” صنهاجة” التي تحيا بالمناطق الريفية بجنوب البرتغال، وقبيلة ” ماصمودا” حيث يعيش أفرادها عند مصبات نهري تاجه وسادو ، وتقع عاصمتهم في سانتاريم بالبرتغال.

أما عن سكنى البربر ، فإنهم يعيشون في مساكن تنتمي لأنماط شتى، بدءا من الخيام المتنقلة، مرورا بالمنازل المحفورة في الجبال، فيما يشبه المغارات ، وصولا إلى نوع أكثر حداثة نسبيا، يتميز به البربر بشكل واضح، ألا وهو ” القصر” أو ” القصور” وهو نمط من البناء يقع غالبا في جنوب الصحراء الإفريقية الكبرى؛ والقصور هي عبارة عن قرى مصنوعة مساكنها من القرميد الطيني، تحصنها أسوار عالية يبلغ ارتفاعها 6-15 متر، وفي أركان تلك الأسوار وعلى إمتدادها، تنتصب أبراج مستدقة مرتفعة.

وللقصر بوابة واحدة تقع عادة جهة الغرب ، وعلى مقربة منها تقع الساحة العامة، ومسجد القصر، والحمامات ؛ وكان من المألوف والمتعارف عليه أن يتم تأسيس تلك القصور بالقرب من الواحات، ولكن ، للحفاظ على أكبر قدر ممكن من المساحات القابلة للزراعة ، لجأ البربر لأسلوب التمدد الرأسي وليس الأفقي، حيث كان الواحد من تلك القصور يقع على مساحة ضيقة من الأرض، لكنه يمتد مرتفعا إلى عدة طوابق بما كان يسمح فعليا بإستيعاب كثافة سكانية عالية على تلك المساحة الصغيرة من الأرض.

والحقيقة أن البربر قد تمكنوا عبر ذلك النمط من البناء، من خلق محيط سكني ومعيشي محصن يمكن الدفاع عنه، يتيح إطلالة بانورامية على مناطق الجوار عبر المطلات المرتفعة والتي يصل ارتفاعها إلى 9 أمتار أو أكثر.

ملاحظات المترجمة:

*البربر أو الأمازيغ هم جماعة عرقية أصلها من شمال أفريقيا، يستوطنون بشكل رئيسي كل من الجزائر، شمال مالي، موريتانيا، المغرب، شمال النيجر، تونس، ليبيا والمنطقة الغربية من مصر، حيث ينتشرون على المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي حتى واحة سيوة في مصر ومن البحر المتوسط حتى نهر النيجر في غرب أفريقيا.

ويعيش معظم الشعب الأمازيغي حاليا في شمال أفريقيا، خاصة في ليبيا، الجزائر، تونس والمغرب، كما توجد أعداد قليلة من الأمازيغ في النيجر، مالي، موريتانيا، بوركينا فاسو ومصر بالإضافة لجاليات مهاجرة كبيرة تعيش في عدة دول أوروبية.

تاريخياً، كان الأمازيغ يتحدثون باللغات الأمازيغية، التي تشكل معاً الفرع الأمازيغي من عائلة اللغات الأفرو-آسيوية.

ومن المرجح أن كلمة امازيغ تعني في الأساس “الشعب الحر” أو “الرجل الحر”؛ وقد عرف الأمازيغ قديما في اللغات الأوروبية بأسماء عديدة منها الموور (Moors / Mauri) وهي الكلمة التي اشتقت منها كلمة “موريتانيا”. كما أطلق عليهم اليونان إسم المازيس Mazyes، في حين أشار إليهم المؤرخ اليوناني هيرودوتس بكلمة ماكسيس Maxyes. وأطلق المصريون القدماء على جيرانهم من الأمازيغ اسم “المشوش”. أما الرومان فقد استعملوا ثلاث كلمات لتسمية الشعب الأمازيغي وهي النوميديون Numidians ، الموريتانيون Mauretanians ، والليبيون أو الليبو Libue . أما العرب فكانوا يطلقون عليهم غالبا اسم البربر أو أهل المغرب، وقد انتقلت كلمة البربر إلى اللغة العربية من اللغة اللاتينية عن الجذر اللاتيني الإغريقي “باربار” (Barbar) وهي كلمة استعملها اللاتينون لوصف كل الشعوب التي لا تتكلم اللاتينية؛ كما أطلق الرومان لقب البربر والبرابرة أيضا على القبائل الجرمانية والإنكليزية المتمردة عليهم وليس فقط على القبائل الأمازيغية.

و يعتقد البعض ان سبب التسمية يعود إلى الموروث العربي على إعتبار ان أصول البربر عربية فسموا بالعرب البربر أي الرحل عن طريق البر وفقا للنظرية القائلة أنهم عرب رحلوا من بلاد اليمن إلى شمال افريقيا براً، إلا أن الاكتشافات الاركيولوجية وعلم الجينات قد نسف تلك النظرية من أساسها، مؤكدا أنها محض خرافات.

والحقيقة أن تاريخ الأمازيغ /البربر هو تاريخ شديد الثراء حافل بتفاصيل دقيقة يضيق المقام هنا عن ذكرها، لذا يكتفي المترجم بهذا القدر الضئيل من المعلومات عنهم ويدعو القارئ لمزيد من البحث والقراءة عن هذه الأمة العريقة.

 

** شبه جزيرة إيبيريا : كانت تسمى فيما مضى شبه الجزيرة الأندلسية وذلك أثناء فترة الحكم الإسلامي للأندلس، وتقع عند الجزء الجنوبي الغربي من قارة أوروبا، وتتكون من إسبانيا والبرتغال واندورا وإقليم جبل طارق ، حيث يحدها البحر الأبيض المتوسط من الجنوب والشرق، والمحيط الأطلسي من الشمال والغرب. وتتصل شبه جزيرة ايبيريا مع أوروبا من الشمال الشرقي. وتعود تسميتها بهذا الإسم – ايبيريا – إلى الجغرافيين اليونانيين، حيث إشتق إسمها من كلمة Ιβηρία اليونانية.

 

*** ثورة الأمازيغ/ البربر 739/740-743 ميلادية – 122-125 هجرية تمت في عصر الخلافة الأموية تحت حكم هشام بن عبد الملك، وربما تمثل تلك الثورة أول استقلال ناجح بشكل أو بآخر عن الخلافة الأموية.

تشير المصادر التاريخية إلى أن ثورة البربر/الأمازيغ ضد الخلافة الأموية قد بدأت من مدينة طنجة (المغرب) سنة 740 تحت قيادة {ميسرة المطغري} ؛ وسرعان ماانتشرت الثورة إلى باقي مناطق شمال أفريقيا وعبر المضيق إلى الأندلس. ويرجع السبب الرئيس لاشتعال ثورة الأمازيغ ضد الأمويين إلى التعنت والسياسة غير المكافئة التي كان يمارسها بعض حكام الدولة الأموية ضد الأمازيغ فيما يتعلق بالجزية والخراج والعبيد، إلى غير ذلك من الأسباب ، حيث كان هؤلاء الحكام ينحازون للعرب على حساب الأمازيغ وفقا لما جاء في عديد من المصادر التاريخية .

 

لمزيد من المعلومات حول هذا الجزء الهام من تاريخ الأمازيغ والعرب، يرجى الرجوع إلى المصادر التاريخية والأبحاث ذات الصلة، ومنها :

ابن خلدون / المقدمة

ابن الأثير /الكامل في التاريخ

رابح بونار / المغرب العربي تاريخه وثقافته

عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم / فتوح افريقيا والأندلس

 

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر