الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة:الكتابة المسمارية:ستة أمور ربما لم تكن تعرفها عن أقدم نظام للكتابة في العالم

ترجمات خاصة:الكتابة المسمارية:ستة أمور ربما لم تكن تعرفها عن أقدم نظام للكتابة في العالم

 

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

◾المسمارية، أقدم أشكال الكتابة في العالم القديم، وربما من أكثرها غموضا واستغلاقا حتى وقت قريب، برموزها الحادة التي تتخذ شكل الأوتاد والتي كان يتم نقشها على ألواح طينية… ظهرت الكتابة المسمارية في بلاد مابين النهرين منذ آلاف السنين، بل إنها ربما قد ظهرت قبل الكتابة الهيروغليفية في مصر، ولاتزال حتى الآن تمثل مادة علمية خصبة ومتجددة، تثير شغف العلماء والمتخصصين وتدفعهم دفعا نحو التنقيب في جوانبها ومحاولة سبر أغوارها وكشف غوامضها…

وهانحن سوف نحاول معا، عبر السطور التاليات، التعرف على بعض من الأمور التي ربما لايعرفها الكثيرون عن ذلك الشكل من أشكال الكتابة القديمة الذي سطرت عبره أقدم الملاحم والأساطير والأحداث التاريخية الكبرى في حضارة بلاد مابين النهرين…

 

{1} المسمارية ليست لغة:

في الواقع، لم تكن الكتابة المسمارية بمثابة لغة بأي شكل من الأشكال، بمعنى أنها لم تكن أبجدية ذات حروف قائمة بذاتها يمكن نطقها، وإنما كانت عبارة عن طائفة من الأشكال أو الرموز، يتراوح عددها مابين 600-1000 رمز، يتم نقشها على ألواح طينية بنسق معين وتراتبية محددة لصياغة الكلمات والمقاطع.   وقد تم إستخدام الكتابة المسمارية لتدوين العديد من اللغات القديمة التي سادت بلاد مابين النهرين، من أبرز تلك اللغات وأهمها اللغتين السومرية والأكادية. 

  والحقيقة أن تلك السمة التي تمتعت بها الكتابة المسمارية بكونها ليست لغة منطوقة، قد منحتها ميزة كبرى تجعلها صالحة في أي زمن لتدوين أي لغة منطوقة.

 

{2} أقدم أشكال الكتابة المعروفة حتى الآن:

يرجح العلماء أن الكتابة المسمارية قد بدأ إستخدامها لأول مرة في حوالي عام 3400 قبل الميلاد، و أنها ربما تكون قد سبقت الكتابة الهيروغليفية المصرية في الظهور ؛  وقد عثر الباحثون بالفعل على بعض الدلائل التي ترجح كفة هذا الرأي، حيث اكتشف المتخصصون بعض النصوص المسمارية التي تمثل مراحل مختلفة لتطور ذلك الشكل من أشكال الكتابة ، بما في ذلك بدايات صياغة العلامات والأرقام ،  في حين أن نظام الكتابة الهيروغليفية قد ظهر منذ بدايته في نسق مكتمل شبه مثالي، مما حدا بطائفة من الباحثين للإعتقاد بأن الكتابة الهيروغليفية ربما تكون قد تطورت أصلا عن الكتابة المسمارية وأنها لايمكن بأية حال أن تكون قد ولدت بهذا النسق المتكامل من تلقاء ذاتها!

ومما يدعو للدهشة، أن الكتابة المسمارية قد ظلت قائمة يجري إستخدامها على مدار قرون عدة، وصولا إلى القرن الأول الميلادي، وهو مايعني أن المسافة الزمنية الفاصلة بيننا الآن وبين آخر النصوص المسمارية الباقية تكاد لاتزيد عن نصف المسافة الزمنية التي تفصل ذلك النص الأخير عن أولى النصوص المسمارية المبكرة.

 

{3} قلم من قصب ولوح من طين:

لتدوين أي نص مسماري، لم يكن الكاتب في حاجة لإعدادات أو ترتيبات خاصة، أو أدوات معقدة- كما قد يبدو عليه الأمر لأول وهلة –  وإنما كان كل ما يحتاجه الكاتب هو قلم مصنوع من القصب ولوح طيني، وهي مواد كانت متوفرة بكثرة على جانبي الأنهار في مدن مابين النهرين.

أما عن “طريقة” الكتابة نفسها فهي بسيطة -بشرط إجادة الرموز المسمارية بالطبع – حيث لم يكن يتعين على الكاتب  سوى الضغط بقلمه المصنوع من القصب على اللوح الطيني الرطب، صانعا بذلك رموز ” الوتد” بنظام معين للتعبير عن الكلمات والعبارات المراد نقشها..

ومن المعروف أن كلمة ” مسمارية”  باللغة الإنجليزية تعني :  Cuneiform، وهو مصطلح معبر بحق عن طبيعة ذلك النظام الكتابي، حيث إشتقت الكلمة الإنجليزية من الأصل اللاتيني Cuneuc والذي يعني ” وتد” أو ” شكل الوتد” الذي يرسمه القلم على اللوح الطيني.

أما بالنسبة للألواح الطينية نفسها فقد كانت وسيلة ملائمة ومريحة يسهل على الكاتب حملها – تماما كما نحمل هواتفنا المحمولة والحواسيب اللوحية في زمننا المعاصر – واستخدامها في الكتابة؛ ولطالما كانت تلك الألواح صالحة للاستخدام في كل وقت ولأي فترة زمنية،  قصيرة كانت، لاتتجاوز بضع ساعات، أو طويلة، تمتد لأيام عدة لأغراض التعليم بالمدارس، كما كان يمكن إستخدامها والإحتفاظ بها لسنوات طوال،  مثل تلك الألواح التي كانت تدون عليها الخطابات أو المراسلات الرسمية، أو المعاملات المالية…. إلخ، فلا عجب إذن أن نجا عدد من تلك الألواح القوية حتى وصلت إلينا.

 

{4} نصوص مستحيلة:

بصفة عامة، لايمكن إعتبار النظام الكتابي المسماري نظاما بسيطا يسهل التعامل معه، بل على العكس، لم يكن سبر أغوارها بالمهمة اليسيرة، وإنما تكبد المتخصصون في سبيل ذلك مشاق قد تصل في نظر البعض إلى حدود الإستحالة…. فلكي يستطيع المرء كشف غوامض النصوص المسمارية، عليه أولا أن يمضي سنوات طوال، بلا كلل ولاهوادة، في تعلم اللغات المندثرة التي سجلت على الألواح الطينية عبر الكتابة المسمارية، وبعد ذلك سوف يتعين عليه إتقان آلاف العلامات والرموز بتراكيبها المتنوعة، مع العلم أن العديد منها كان يشتمل على أكثر من معنى وصوت.

ومع ذلك، فقد كان لأطفال بلاد مابين النهرين شأن آخر مع تلك الرموز….!

 

{5} استخدام الكتابة المسمارية للأغراض التعليمية:

لم تكن الكتابة المسمارية في بلاد مابين النهرين تستخدم حصرا للتدوين الرسمي والوثائق والمراسلات عالية المستوى فقط ، سواء الرسمية أو غير الرسمية، وكذلك لم تكن مقتصرة على التسجيل الأدبي للملاحم والقصص القديم، وإنما كانت أكثر شيوعاً واستخداما مما نحسب ؛ والحق أن زيارة واحدة للمتحف البريطاني كفيلة بأن تقدم  الدليل الدامغ على عمومية وشيوع إستخدام الكتابة المسمارية في ربوع العراق القديم، ففي هذا المتحف العريق سوف يجد الزائر عدد من الألواح الطينية ” المدرسية” التي اكتشفتها البعثات الأثرية بالعراق … نعم، فقد كان أطفال المدارس في بلاد مابين النهرين يجيدون إستخدام القلم المصنوع من القصب واللوح الطيني الرطب لأداء تدريباتهم وواجباتهم المدرسية، وتدوين دروسهم العلمية باستخدام الكتابة المسمارية ورموزها ، حيث تصور تلك الألواح تمارين الإملاء، و تدريبات الكتابة وما تتضمنه من تكرار للرموز والكلمات والعبارات لأغراض الحفظ والتعلم.

 

{6} أصداء الماضي يرددها الحاضر:

على مر العصور، وعبر آلاف السنين، وبرغم كل التغيرات العارمة والتقلبات الهائلة التي شهدتها الحياة الإنسانية عبر الحقب المتعاقبة، يبقى الإنسان في جوهره كما كان دوما…. إنسانا! تطرب نفسه لذات المبهجات، ويبكي قلبه لنفس الأحزان… باختصار، لقد تشارك الإنسان عبر آلاف السنين نفس الأفراح والأحزان والهموم، وإن اتخذت أشكال وأنماط تبدو مختلفة في ظاهرها كل الإختلاف، لكن جوهرها واحد لايتغير.

قد يقول قائل أن تلك الديباجة السابقة ليست سوى محض كلمات، أو رأي عاطفي لايرتكز إلى أرض صلبة، ولهذا القائل أقول أن تلك العبارات لم تكن يوما كلاما مرسلا ، بل هي حقيقة جلية، مشفوعة بدليل راسخ، وصل إلينا عبر حوالي أربعة آلاف من الأعوام، قدمته لنا على صفحتها تلك الألواح الطينية القديمة، وما تحمله لنا عبر الزمن من رسائل ومخاطبات، ومعاملات مالية، ونصوص دينية، ووصفات طبية و……. إنها كتابات جاءت من الماضي السحيق، يتردد عبرها أصوات الملوك والكهنة، والتجار والمصرفيين، والحكماء، … رجال ونساء، أطفال وشيوخ، دونوا أفكارهم ومشاكلهم، كبيرها وصغيرها، وسجلوا عاطفتهم الدينية ومشاعرهم الوجدانية، كلها على ألواح من الطين؛ فلما أتتنا من زمنها السحيق، كانت انعكاس لعالم قديم، ومرآة لحاضر معاش.

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر