الرئيسية / احدث التدوينات / مشاهدات ومعايشات من يوم 6 إبريل التاريخي

مشاهدات ومعايشات من يوم 6 إبريل التاريخي

بقلم: سعيد موسى

    تُشرق شمس هذا اليوم بسرعة تدهش العالم في صناعة التاريخ لهذا الجيل العظيم. يتغزل الصباح في الوطن بأغنيات الماضي المعتقة بروائح الحرية، تلك الأصوات التي ترتبك برائحة الأرض، بصوت الأطفال حينما يضحكون دون قيد، كالفراشات التي كانت في ذلك الصباح تحاول أن تتشكل في السوان الكلي، أما الندى فكان يتشكل كالنيل في وسط الفراشات لتكتمل لوحة جيران مياه النيل، لتغني العصافير بصوت جديد، بدايت يوم سيظل في ذاكرة الأجيال طويلاً.

    حتى الأرض كانت تعلم بحدوث شيء اليوم، الطرقات في انتظار العابرين، تقرأ ما يجول في عقولنا من حُلم طال مطاردته، مليونية الفرح الكبير، والأرض تزينت بهذا التاريخ المفرح المرعب، مفرح لكل الأجيال، فهو بداية فرح سابق، وبداية فرح جديد قد يجعل القادمين يتوقفون طويلاً.

    في انتظار المواصلات ستتعرف على الثائر من تلك الأنقة التي يتوشحها، فهو ذاهباً للقاء وطن وصنع وطن جديد، يأتي صوت (الكمساري) بإيقاع مغاير هذا اليوم، فهو يهتف بفرح موسيقي “عربي عربي عربي” ليكتشف امتلاء قلب الحافلة التي لم تستوعب العابرين إلى هنا، حيث إنفجار التاريخ، وكنت ممن حملته الرياح في أول العابرين سريعاً للسوق العربي.

    تبدأ السماء صافية والشمس توزع أشعتها بحنان الأمومة في هذا التوقيت، الجميع في انتظار ساعة الصفر، حيث توقيت الثورة الذي رُسم على وجوه العابرين وهم يتفحصون ساعاتهم. وكانت الكافتيريات، القهاوي، تتولى مهمة الإنتظار ما قبل الإنفجار العظيم حيث ينطلق صوت من باطن الأرض، وكأن الأرض هي الثائر الأول.

     وقبل توقيت الثورة المتعارف عليه، فجأة ثمة أصوات تنطلق، وهرج ومرج من قبل الأجهزة الأمنية التي تعرف توقيتنا، وتشتم رائحة الانفجار تخافنا أن نتجمع، لذلك تلعب معنا في توقيتها وكان لنا توقيت الثورة، الذي ينتظره الجميع.

     تأتي الواحدة بتوقيت الثورة، ينتطلق أول هتاف حقيقي يحمل هم وطن كامل لتجد نفسك وسط حشد من الناس، تبدأ الآن المطاردة من تلك الكائنات التي قبحت وجه الوطن، نهتف عالياً، نستنشق البخور الذي عطر الهواء، نتفرق بكل الطرقات، وحدها القيادة هدف الجميع، نلتقي مرة أخرى كر وفر لمدة طويلة، وحدها الطرقات كان تكشف لنا قلبها وتضع لنا طرق أخرى.

    أجد بالقرب مني أستاذي أحمد محجوب، نهتف معًا، نلقي التحية سريعًا، لنرسم خريطة الوصول للهدف، هناك حيث نتخيل حضور البراري وباقي المناطق الأخرى، فجأة نجد أنفسنا أمام عربات القوات المسلحة، وتحتضن دموعنا موكب ضخم كان يهتف بكل ما أوتي من طاقات الصوت.

    إلتقاء موكبين بعد كل هذا العراك مع الطرقات، لتبدأ بداية دخول حرم القيادة، وإنسحاب قوات الأمن والكجر، في لحظة رؤيتها هذا الحشد وكأنها أمواج قد تبتلع من يقف أمامها.

    وصلنا أمام بوابة القيادة العامة، كانت الأصوات التي وجدناها هناك أبعد مما تصورت مخيلتنا البشرية، كان الهتاف يوحي بروح وطن جديد يلوح لنا في الأفق، وأبتعلت الأرض كل عربات الأمن، لنرسم بهتافنا لوحة سودان جديد.

     الأصوات كانت بإيقاع منتظم، ستكتشف بالقرب منك يهتف هيثم مصطفي رمز المستديرة السودانية، ستجد أصدقاء ابتعلهم الزمن قديما، أحمد حجي الذي لم ألتقيه لفترة طويلة، أهدتنا الثورة لقاء في اليوم العظيم 6أبريل، تحدثنا، هتفنا كثيراً، حتى أصواتنا كانت تختفي بفعل الضغط على الحبال الصوتية التي أعلنت موتها التام في لحظة لن تتكر كثيراً، كنا نشاهد حب الوطن في عيون الجميع، في ضحكاتهم، في تعابير تحركاتهم، في رقصهم أمام إيقاعات الأصوات المتداخلة، وكأننا في مسرح مفتوح، نرسم، نلون، نلحن، نكتشف روح الوطن التي ماتت بفعل قبح الأنظمة الظالمة. تأتي الشمس ملوحة بغيابها في يوم طويل في ذاكرتنا، وعظيم في تلاحمنا كشعب يرسم وطن جديد، بملامح شبابه.

     الليل وعاء المتعبين، حاضن أرواح الوطن الجديد التي هتفت كثيرا أمام قبحهم، أباذر يأتي بدعم خارجي لنروي جوعنا بعد أن نسينا كل شيء، وحدها الدهشة بميلاد اللحظة كان يروي كل شيء، يأتي مع رفاق الرحلة الليلية، نفتح حواراً جديدا في الليل، كل العالم يهتف، وحدها الأرض في لحظة إدهاش، في ترقب، في حيرة من هذا الجيل الذي لوح للمستحيل، وقارع وحيدا بوابات الفساد.

     تسلل النوم ليربح أرواحنا التي غيبها الفرح، في أحلامنا القريبة كنا نرى سودان يتوشح بروح جديدة، بألوان كان تعني الكثير، كنا نحتضن بعضنا دون وعي، وكأننا أبناء العمر غيبنا الظلم، في انتظار الشمس لتوزع الحقوق على الجميع أمام قلبها، ننتظر أشعة الصباح التي لن تبخل على أحد، سنوزع الحرية متساوية للجميع.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة