الرئيسية / احدث التدوينات / مشاهدات ومعايشات من يوم 6 إبريل التاريخي

مشاهدات ومعايشات من يوم 6 إبريل التاريخي

يجب أن يحكى: محمود الصغير والبمبان

بقلم: عبد الغني كرم الله

(١)

     في ٦ أبريل، دون كل الأيام، أصر أن يمشي، عناد غير عادي، حاولنا بكل السبل، الرهبة والرغبة، والحكمة، صرفه عن هذه الرغبة الملحة، فأبى.

     بل بغت ثورته، وهاج، وماج، (لن تتصورا حيرتي وفرحتي وحزني)، كلها في آن، تمور في قلبي، وهددنا بانه سيمشي وحده، (ليت، خيالكم، يسعفكم بتخيل مدى عناده، ليته)، بل بكى، وتبلل وجهه بعناقيد من الدموع، لمعت  كلؤلؤ مع شمس الظهيرة، على محياه الأسمر، حتى لمحت فيه عناد الأكابر والاصاغر،  في تاريخ بلادي،  ثم جلس في ركن على رجليه المشدودة إلى صدره، وأجهش بالبكاء، المر، (يا بلادي كم فيك حاذق .. يرتاد المشارق)، دنقر على رجليه وبكى، (بماذا يحس؟ الان؟ أي حدس يمور بقلبه؟)، لا حرف يصف حالي، جرى خيالي للدبابات في قلب الطرقات والتاتشرات المحملة بعناقيد غضب ضد الثوار، وأرى محمود يجري وسطها، مرعوبا، أو يحمل علم البلاد مبتهجا، كل حلم باك وسعيد جرى في بالي (الأبوة لا تشرح)، بغتة اتخذت القرار، ستمضي معي.

     نهض كعسكري، لأول مرة يكون جاهزا، واتفقنا على كل الاحتمالات، بعد أن شرح لي كيف سيعود للبيت لو اعتقلت أو مت، أو ضللنا الزحام، شرح لي كيف سيتصرف، وماذا يقول للناس، وأين يسكن، وسمع لي رقم تلفون أمه وجدته، ثم وضعنا في جيبة قروش الرجوع، لو حدث طارئ، ولبس كدارة كرة القدم، ومضينا كداري نحو شارع السلمة، كانت الظهيرة غايظة.

    عند أول مزيزة، شرب كثيرا، وانا أراقبه، “وكل شفيق بسوء ظن مولع”، بدا لي كبيرا، كأنه شاب ناضج، وحين نفث الماء من فمه، رجع صغير، كشأنه.

    كان يمشي جنبي وخلفي بصمت مهيب (أيحس بكل شي)، رأى ما رأى من الهول، والضرب، والقتل، شاشات هواتف الأسرة أصبحت حرب عالمية. بين شعب وجامعات وطرقات ونظام طاغ، رأى كل شيء، ما جرى في الرازي، أو بري، أو الدمازين، لا شغل للناس سوى الثورة. كما أن بيتنا والحوش، ظل موطن هتافات من أقرانه، يحفظونها بحب أكثر من أناشيد منهجهم الفقهي الباهت، الجاف، الممل.

    كان ثرثارا حين نمشي معا، ويتصيد أي دكان كي يحرجني وأشتري له ما يريد، (يعرف جيدا من أين تؤكل الكتف)، لأول مرة في حياته يرفض شراء عصير، هز راْسه بالرفض فقط، أين الكلمات؟ أي لغة أدرك؟ فقط لسان حالة يعبر عن هم وحلم وتحدي تعتري هذا الكبير، الصغير.

    تأخر، خطواتي أكبر، إنتظرته، كأنه يمشي وحده، لست معه، بروفة استقلال؟ لما سيجري لنا بعد حين؟ قلوب الأطفال تعرف الغيب، عبرنا الشارع، غاضب ونظره لا يفارق الأرض، ماذا يرى في الأرض؟ هو أقصر مني (وأطول روحا)، وأقرب منها وقفنا، واستدرنا، في انتظار الحافلة.

    نظره فقط، جهة اليسار، كأن عنقه نسى التلفت، فقط ينظر جهة الحافلات وهي مقبلة من جهة محطة (البقالة)، نظرة عناد وغضب، وتحدي، تجل عن الوصف، في وجه طفل.

وللحكي بقية، يتبع.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة