الرئيسية / احدث التدوينات / مشاهدات ومعايشات من يوم 6 إبريل التاريخي

مشاهدات ومعايشات من يوم 6 إبريل التاريخي

بقلم: مهاد محمد

     السادس من ابريل، بالقرب من شروني، الشوارع تعج بتاتشرات الشرطة والأمن، البعض يقف بانتظار المواصلات. أوقفنا السيارة بالقرب من سواكاد بعد حفظ السناريو الذي سنحكيه في حال تم اعتقالنا ترجلنا من السيارة، جبنا أنا وأربعه من صديقاتي شوارع الخرطوم 2 بلا هدى، ينادي أمنجي: “هووي ي بنات تعالو هنا.” لا نلتفت، نستمر في المشي، يكسر صوت الآذان هذا الصمت القاتل، ندخل المسجد لأداء صلاة الظهر، صلاة ربما ستكون الأخيرة. ثم نخرج إلى الشارع، الساعة تشير إلى الثانية عشر ونصف، تمر الدقائق ثقيلة على كل الأشخاص الموجودين في شوارع الخرطوم2.

     نستمر في المشي، نقف أمام دكان، نشتري ماء ومناديل، لسنا بحوجتها الآن، ولكن (تأمين بس) تمر بكاسي الأمنجية بالقرب منا، أكاد أصرخ أمامهم تسقط بس، أنظر إلى الساعة، الثانية عشر وأربعون دقيقة، أفضل الصمت إلتزاما بالوقت، نسأل صاحب الدكان عن أقرب صراف آلي، يقوم بوصف مكانه لنا. لم يحن الوقت بعد، والحماس يملأ الأرواح، ندخل محلات صيانة الهواتف، ومحلات حلويات، ندعي الوقوف لإنتظار المواصلات.

      الآن فقط الساعة الواحدة ظهرا إلا خمس دقائق، يبدا الثوار في الخروج من البيوت والشوارع والمحال التجارية، يخبرنا أحدهم: “أمشوا بالزقاق دا ي بنات.” في منتصف الشارع تحين الساعة الواحدة ظهرا، يهتف شاب بالقرب منا: (حرية سلام وعدالة .. والثورة خيار الشعب) موكبنا الصغير يلتحم مع موكب أكبر، ومن هنا تبدأ المليونية، يستمر الهتاف، وأنا أكاد من فرط الجمال أذوب.

     يطلق الكجر عبوات البمبان، الواحدة تلو الأخرى، أمسك يد رفاء، عبثا نحاول البحث عن الهواء، تمتلئ رئتاي بالبمبان، لا أرى من فرط الدموع، ألهث باحثة عن هواء، حتى استطيع التنفس، ممسكة بيد رفاء، ندخل إحدى العمارات، ولكن لا شيء يتغير، لا زلنا غير قادرين على التنفس، أردد: “أنا مت .. أنا مت.” تسحبني للخارج وهي تصرخ: “أطلعي من هنا .. الناس كتار .. ح يمسكونا.” اسحب نفسا عميقا، ولكن لا أقدر، كأنما تم إزالة رئتاي، لا أقدر على التنفس، أتذكر أمي وحديثها لي صباحا:

     – ماشه وين؟

     – ماشه الشغل يا أمي، أمووت ليك.

    – ما ماشه المظاهرات؟

    – مظاهرات شنو ي أمي، م ماشه أي مظاهرات.

     – لو مشيتي المظاهرات أنا ما عافية منك.

     يظل علقي يردد: “ما عافيه منك .. ما عافيه منك.” لا أستطيع التفكير في شيء سوى أمي، إنه الموت حتما، سأموت اختناقا، أكاد أستسلم للظلام من حولي، ولكن أتذكر فجأة (البيبسي)، أستجمع كل ما تبقى لي من قوة وأصرخ: “فاطمه طلعي البيبسي العندك.” نغسل وجوهنا نحن الثلاثة، نشرب منه، وقليل من الأكسجين يدخل إلى رئتاي، أفتح عينيي، أنا في الشارع الرئيسي، ممسكة بيد رفاء، كيف وصلت، لا أعلم، كيف لم أتخلى عن يدها، وكيف هي لم تترك يدي، لا أعلم، كل الذي أعلمه أننا معا، نحن الثلاثة، لم نمت، ونستطيع التنفس مجددا. نحاول البحث عن إيمان وعلا، حتما إنفصلنا أثناء إطلاق البمبان، نحاول الاتصال بهم، ولكن عبثا لا توجد شبكة.

     يمر موكب بالقرب منا، نهتف: “حرية .. سلام .. وعداله .. والثورة خيار الشعب،” يقوم الشباب بعمل المتاريس، ونحن مستمرين بالهتاف. لا يدوم الهتاف طويلا، يطلق الكجر البمبان، ولكنه بعيد قليلا بفضل المتاريس، أرى أحدهم يجلس على الأرض، لا يقوى على التنفس، أحاول الذهاب إليه، تجذبني صديقتي قائلة:

     – يلا نمشي.

     أصرخ فيها:

     – ما قادر يتنفس .. خلينا نشوفو.

     يجتمع مجموعة من الشباب حوله، تجذبني مرة أخرى: “معاو ناس .. أرح نمشي.” لا أعلم لماذا تذكرت الشهيد عبد العظيم في هذه اللحظة، عندما تُرك وحيدا أمام تاتشرات الأمن، عزائي الوحيد أني لم أتركه وحيدا، لا يجب أن يُترك أحدنا وحيدا أبدا بعد الشهيد عبد العظيم.

     ندخل بأحد الشوارع الفرعية، مقررين الذهاب إلى البيت، لأننا لا نقدر على المواصلة حقا، وفي هذه الأثناء نحاول الاتصال بعلا وإيمان. تقف أمامنا (ركشة) بها فتاة، نستأذنها، ودينا الشارع الرئيسي بس ممكن؟ تتيح لنا مكانا وتتحرك (الركشة)، في الشارع المؤدي إلى أوزون يتراءى لنا موكبان عن اليمين وعن الشمال، يعتذر السائق: “يا جماعة أنا ما بقدر أدخل جوه.” نترجل، ونذهب إلى أحد المواكب هاتفين: “حرية .. حرية.”

     في أحد الشوارع تقف أمجاد، ينزل مجموعة من الشباب، محاولين اللحاق بالموكب، توقفه صديقتي، تنادينا: “أرحكم.” أنظر إلى رفاء وتنظر إليّ ونجيبها بصوت واحد: “أمشي .. نحنا ما ماشين.” تلعننا وتذهب.  أمسك يد رفاء، ونركض للحاق بالموكب. يستمر الهتاف، يترجل البعض من المواصلات العامة ويلتحمون مع الموكب، يوقف البعض سياراتهم ويبدأوا بالهتاف في الشارع المؤدي إلى شارع المطار. يطلق الكجر وابل من البمبان، يصرخ أحد الشباب: “أرفع راسك شوف البمبان جاي من وين وأمشي عكسو.” أفعل ما قاله حرفيا ونحن ممسكين ببعضنا، نركض ونهتف: “رص العساكر رص .. الليله تسقط بس،” بالقرب من إحدى السفارات يقف أمن السفارة متحدثا إلى زميله: “أمش قول ليهم البمبان دا دخل السفارة.” بعد برهه من الزمن يتوقف البمبان، يتجمع الموكب مرة أخرى،  “ثوار أحرار ح نكمل المشوار.” بعد صينية أفريقيا، وفي مدخل الشارع إلى القيادة، يقف ضباط الجيش، نصرخ لهم: “جيش واحد .. شعب واحد.” وتنطلق الزغاريد، نمر بمباني الجهاز: “الطلقه ما بتقتل .. بقتل سكات الزول.” “والجيش ظهر .. وينو الكجر.” ثم يصدح أحدهم بالهتاف المفضل إلى قلبي: “الحكومة الليلة محتارة .. الحكومة الليلة منهارة .. الحكومة التضرب الرصاص .. الحكووومة التكتل الأستاذ .. الحكوومة التوزنك في الراس .. الحكوومة الليلة محتارة .. الحكوومة التمشي لقطر .. الحكوومة الليلة في خطر.”

     أنظر حولي، نحن في شارع القيادة، بالآلاف، إنه نفس الموكب الذي بدأ صغيرا في أحد شوارع الخرطوم 2، مدد، مدد يا الله مدد. أنظر إلى رفاء ونحن حتى الآن ممسكين بأيد بعضنا البعض، أردد: “قبل ما تختار طريقك .. ابقى واثق من رفيقك.”

     تظهر المواكب تباعا، ونحن نبحث عن علا وإيمان، يكاد قلبي يتوقف، في كل مرة يأتي موكب، ولا نجدهم، يرن هاتفي، أختي تتصل، أتجاهل الاتصال، وأخبر رفاء: “شكلو الشبكة جات .. حاولي ليهم تاني.”  تتصل، لكن هواتفهم مغلقه، يدب الرعب في قلبينا، “يا ربي اعتقلوهم؟” تردد رفاء، لا أعرف ماذا أجيب، لأنه من المحتمل أن يكون قد تم اعتقالهم. أدعو في سري: “يا رب جيب العواقب سليمة .. يا رب أحفظهم.” واعلم جيدا أن رفاء كانت تدعو مثلي في تلك اللحظة. ثم فجأة يرن الهتاف، إنها مكالمة من إيمان، أكاد أطير فرحا، ولكن رفاء تخبرني: “ممكن يكونوا اعتقلوهم وبتصلوا من تلفوناتهم.” أجيب بحذر، تصرخ إيمان: “انتو وين؟” ولأجل تلك اللحظات خلق الحمد، اللهم لك الحمد والشكر. تخبرنا أنهم في شارع القيادة أيضا، نوصف لها مكاننا، بعد دقائق أراهم نركض في اتجاه بعضنا البعض، أحتضنهم بفرحة (القالولا ولدك مات ورجع ناداها يا يما). وبعد فرحة اللقاء نستمر في الهتافات لا نشعر بشيء، لا الجوع، لا العطش، لا الحر، ولا بترهبنا العساكر، لا الدقينات المساخر، لا كلاب الأمنجية.

     نتوجه إلى الأمام، نريد أن نعرف أين ينتهي هذا الحشد، وفي كل مرة حشود أكثر، أردد: “فعلا والله مواكب ما بتتراجع تاني.” إنهم رجال صدقوا ما عاهدوا عليه، إنها المليونية، لا بل إنها المليارية، ابتسم وأردد:

لو حتى ما حتقوم

إلا القيامة تقوم

حنظل نغنيلك

تشرق شموس ليلك

حرية يا خرطوم

الثورة وعد الحق

والحق مع المظلوم

يمهل ولا يهمل

وعد الإله محتوم.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة