الرئيسية / احدث التدوينات / مشاهدات ومعايشات من يوم 6 إبريل التاريخي

مشاهدات ومعايشات من يوم 6 إبريل التاريخي

بقلم: زينب محمد بخيت

     تقف حائرا حين ينهال عليك صهيد الذكريات، مازجا إياك برائحة الاشتياق، ليفتح بداخلك باب الترقي الروحي، حيث تسمو نحو السماوات العلى، تصبح درويشا في حلقة ذكر الوطن، تدور حول نفسك بخطوات رقصة سما مرددا أحرفه كما التسبيح، تعانقك ذراته بل حتى أنها تتسابق لتلثم حبيبات العرق المطرودة من مسامات جسدك الهزيل.

    مثلما تتوقف عقارب الساعة في وقت معين نتيجة عطب ما ذاكرتي الخراب توقفت عند السادس من أبريل ألفين وتسعة عشر، لن أنسي مطلقا تفاصيل ذلك اليوم، خرجت من البيت بأكذوبة إعتبرتها معجزة، إلتقيت الرفاق منذ العاشرة صباحا بموقف (جاكسون) وكأننا على موعد مع القدر ولا نريد اخلافه، تسامرنا، شحذنا الحماس بقلوبنا وذلك كان درعنا الوحيد، الجو العام بالسوق متوتر جدا بين الأعين المترقبة والأخرى المتحفزة للإنقضاض على فريستها، نحن الصيادين والفرائس معا، حيث أننا نريد اصطياد حقنا، أو كما قال أبونا حميد (حقك تقاوي وتقلعو .. حقك تحرسو ولا بجيك) كنا نريد إقتلاع ذلك الحق من أفكاك الذئاب، وإن كان المقابل أرواحنا.

    بحلول الساعة الثانية عشر وستة وخمسون دقيقة بالضبط أطلقنا زغاريد البداية، كنا عدد لا بأس به من النساء، أصواتنا كسمفونية موسيقية يقودها اندري ريو أو ياني، دون إتفاق أو تخطيط، فقط هكذا زغردنا، أربكنا بأصواتنا العسكر، حيث أنهم لم يعلموا يمسكوا من أو من، قنابل الغاز التي اطلقوها نحونا جعلتنا ننقسم إلى موكبين، جزء إتجه نحو كبري الحرية، وآخرين إتجهوا صوب القيادة العامة، لحسن حظي مطلقاً هو ليس سوء كنت من الذين تجهوا نحو كبري الحرية، تشتتننا وتجمعنا بصوت أنثي تهتف بحرقة، هتفنا معا، أقمنا الترسانات في الشوارع بحيث يصعب على عربات العسكر المرور، وأنطلقنا نردد الشعارات، ونصفق أولاد وبنات، يجمعنا هم واحد، ورغبة في الوصول إلى القيادة العامة، لم أكن أشعر بشيء، سوا الغضب يملأ حنايا روحي، حين رفعت بكل قوتي عجلة سيارة ومددتها لأحد الشباب كي يغلق بها الشارع.

    الموكب الذي اتجه نحو القيادة منذ البداية لم يستغرق أقل من نصف ساعة، وصل إليها، وذلك جعل العسكر يعودون بكل عداتهم من البمبان نحونا، ليمنعونا من الذهاب، أطلقوا علينا الغاز المسيل للدموع من كل الإتجاهات وبلا توقف، لم يتركوا لنا منفذ للهرب إلا نحو المنازل، سماحة قلوبنا كشعب طيب جعلت واحد من أصحاب البيوت تلك تحتوينا بالداخل للراحة وأسعاف من تأذى بالرائحة، كجنود خارجين من ملحمة استرحنا، ومن جديد تجمعنا، وبدأنا الهتاف والزغاريد، غيرنا المسار باتجاه شارع المطار، عند وصولنا لمنتصف الطريق أصبحنا موكبين بدل واحد، جمع غفير لم أعلم من أين أتو، كل فرد منا يعلم ماذا عليه أن يفعل، كنا آمنين حتى وصلنا مبني جهاز الأمن والمخابرات، وجدنا أعدائنا متجمهرين بعرباتهم وبمبانهم، بيد أننا كنا أكثر عددا منهم، أطلقوا علينا البمبان، ونتيجة لتدافع الناس سقطت أنا وحقيبة يدي، لن أنسي مطلقا العسكريين اللذان أسرعا كي يعتقلاني، لكن يد صديقتي وآخر ثائر كانتا أسرع منهم، وبذلك أكون قد نفدت من بين براثينهم مرتين، أصبحت ورطتي في أن حقيبة يدي بداخلها هاتفي وكل أشيائي واقعه أمامهم، ولا أستطيع الذهاب لإحضارها كدت أن أنهار، لكن الرب كان رحيما بي، فأرسل لي جندي أحضرها وأعطاني زيت زيتون ليخفف رائحة البمبان.

    أمام عربات العسكر تجمهرنا، حشد ضخم جعلهم يقفوا حائرين، لا يدروا ماذا عليهم أن يفعلوا، فقالوا لنا بيأس: “اذهبوا فأنتم الطلقاء.” فتحوا الشارع، ركضنا كالفائزين، أو كأننا في سباق ماراثون نسابق الريح، وشيء بداخل كل منا متوجس من الكجر، أن يغدروا بنا ويمطرونا بمبان من جديد، رأيت أحدهم خر راكعا لحظة وصولنا القيادة العامة، غير مصدق نفسه، كنا جمهور كبير، قالوا مليونية ولكننا جعلناها ملياريه، شباب وشيب وأطفال، إرتكزنا منتظرين ما سيحدث، وكالعادة العسكر الملاعين لم يخيبوا ظنوننا، بيد أن الجيش حمانا، وقف معنا، قدم لنا الماء ودرء عنا شرهم.

   في حوالي الرابعة عصرا جاءنا بيان تجمع المهنيين، معلنا عن اعتصام، واعتصمنا بحبل الله منتظرين على أمل كبير سقوط النظام وقد كان.

   كل ويلات المواكب السابقة لم تكن أبدا بحجم يوم السبت السادس من أبريل، الكره الذي زرع بداخلنا ضد النظام البائد لن يتغير، سيظل راسخا بقلوبنا ما دمنا أحياء، وسنظل نقاومهم إلى أن يرث الله الأرض بمن عليها.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة