الرئيسية / احدث التدوينات / مشاهدات ومعايشات من يوم 6 إبريل التاريخي

مشاهدات ومعايشات من يوم 6 إبريل التاريخي

بقلم: محمد المسلمي عبدالقادر

    الساعة الآن الثانية عشر منتصف الليل، التقويم أصبح السادس من أبريل بدلا عن الخامس، أنا لا أشعر بالنعاس، ولا أظن أنى سأشعر به، أنتظر شروق الشمس كطفل احتضن ملابس العيد الجديدة وينتظر شروق شمس العيد (أنا الطفل وغدا عيد البلاد)، أو كلاعب كرة قدم في ليلة الديربي (غدا سنخوض الديربي ضد قوات النظام)، أو كعريس ينتظر شروق شمس يوم زواجه (غدا عرس الوطن).

    الكثير من الأفكار تدور في رأسي الآن:

    ماذا لو لم نصل إلى المليون شخص للتظاهر السلمي في شوارع الخرطوم كما أعلن تجمع المهنيين؟؟؟

    ماذا لو لم نصل إلى القيادة العامة للقوات المسلحة والتي تقع بالقرب من حي بري؟؟؟

    ماذا لو أعلن تجمع المهنيين عن نقطة واحدة لبداية الموكب بدلا عن ثلاثة نقاط موزعة في منطقة السوق العربي؟؟؟

    الكثير من الأسئلة مرت على راسي الآن دون إجابة، لا أدري كيف مرت كما لا أدري كيف مر الليل، فها هي شمس السادس من أبريل تخرج مبتسمة اتحسس فيها علامات النصر، ولا أرى فيها غير الانتصار واسترجاع كرامة وعزة البلاد المسلوبة منذ 30 يونيو 1989 حينما قام الأخوان المسلمين بإنقلاب عسكري على الديمقراطية في السودان. اليوم سنحاول أن ننهي هذه المسرحية سيئة الإخراج، سننهيها بإرادة الشعب، فهو الأقوى وهو المنتصر.

     الساعة الآن التاسعة صباحا، سينطلق الموكب عند الساعة الواحدة ظهرا. ما زالت أمامي أربع ساعات والكثير من القلق. تلقيت عدة اتصالات من بعض الرفاق تفاكرنا فيها حول مكان تجمعنا البدائي قبل بداية الموكب، والنقطة التي سننطلق منها. من تلك النقاط اخترنا نقطة تجمع موقف شرونى، وهو موقف باصات يقع في الجنوب الشرقي للسواق العربي، سوف نتجمع في صالون النيل للحلاقة، كما أخبرني الرفيق الفاتح كسلا.

    التقيت بالرفيق حبري بالقرب من لفة جوبا، آه كم نحزن عند سماع هذا الاسم، جوبا عاصمة جنوب السودان، التي فقدناها على أيدي هؤلاء الاخوان. وعودت الوطن واحد هي أهم اهدافنا بعد نجاح الثورة. الرفيق حبري كان متفائل لأبعد الحدود قال لي دا اليوم الكان راجيهو محمد الحسن سالم حميد عندما قال (واصلين الما بتأجل اليوم الشمسو قوية) فحميد هو أحد الشعراء الثوريين الذين قدموا الكثير للوطن.

   كان هنالك ازدحام غير عادى في محطة لفة جوبا، معظم الباصات المتوجهة إلى العربي تأتى وليس بها مقعد خالي، بعض الركاب يشيرون لنا بعلامة النصر (السبابة والوسطى)، أخيرا وجدنا طريقة للركوب، كانت شوارع العاصمة جميعها تشعرك بالنصر، وصلنا موقف شروني ووجدنا حملات اعتقال واسعة من قبل قوات النظام، لم يتبقى سوا أقل من ساعة على بداية الموكب، الأشخاص الذين تراهم عيني لا يتعدون المئتي شخص، كيف سنصل المليون شخص لنحقق المليونية؟ كيف الحال الآن في نقطتي التجمع الأخريات؟ رغم تلك الأسئلة المحبطة لم أشعر بالإحباط ولو لوهلة واحدة، كنت على يقين أن الكلمة اليوم ستكون للشعب. اتصلت بالرفيق كسلا ليصف لي مكان صالون النيل للحلاقة لكي نصل لهم قبل أن نقع في فخ الاعتقلات العشوائية التي تسبق كل موكب، وصلنا إلى الصالون، وجدنا به قرابة العشرة أشخاص (كسلا، عمر عباس، صالح دقنة، مسعودية…) وجدناهم والنصر يملأ أعينهم.

    أن تحمل رأس من البنقو أو أي نوع من أنواع المخدرات كان ذلك أهون عند القوات النظامية من أن تحمل علم السودان في تلك الأيام، حيث تحولت الممنوعات إلى (علم السودان؛ خل؛ خميرة؛ كمامة) أو أي شيء يستخدم في المظاهرات السلمية، أنا كنت أخبئ علم السودان في مكان لا أستطيع أن أذكره لكم، أما عمر عباس فكان يخبئ العلم داخل حذائه. أخرجنا اعلامنا وظللنا ننتظر الساعة الواحدة حيث بداية الموكب بزغاريد النساء (الكنداكات) وهتاف الرجال (الشفوت)، لم يتبقى سوا أقل من ثلث ساعة.

    كغير العادة بدأ الموكب قبل الزمن المحدد بثلاثة عشر دقيقة، ما أن بدأنا الهتاف إلا وتوافد نحونا الآلاف من الثوار، وعشرات العربات من عربات الكجر (هذا الاسم أطلقناه على قوات النظام منذ زمن ليس بالقريب)، أطلقوا علينا الغاز المسيل للدموع، الرصاص، القنابل الصوتية والدخانية، كل ذلك لم يكسر إرادتنا كنا مصرين على الوصول، فالمشهد الآن فاق توقعاتنا، الألاف الآن تهدر في الشوارع كالسيول، الهتاف الآن يعلو عنان السماء (حرية .. سلام .. وعدالة .. والثورة خيار الشعب) فهذا شعار الثورة السودانية الرئيسي، هذه هي نقطة تجمعنا في موقف شروني، فكيف سيكون الحال في النقطتين الأخريات، ماذا لو التقينا مع بعض ثلاثتنا، حينها سنزلزل عرش الطاغية أو سنهدمه.

    بالقرب من صينية البزيانوس التقينا بموكب آخر من إحدى تلك النقاط، اتجهنا نحو القيادة العامة، وبالقرب منها التحمنا بالجيش، حيث كان الهتاف (جيش واحد شعب واحد) تبادل الثوار الأحضان والدموع مع ضباط الجيش، الالاف الآن في شارع القيادة، تذكرت مقولة الأستاذ محمود محمد طه وأنا أنظر إلى ذلك الجمع الغفير، عندما قال في إحدى منشوراته التي هدد بها السلطة (هذا أو الطوفان) قلت في سرى هذا هو الطوفان.

    وصلنا إلى شارع القيادة، وكان ينقصنا القائد الميداني، والهدف المعلن بعد تحقيق الهدف الأول (الوصول للقيادة العامة)، همست في أذن رفيقي حبري، يجب أن يعلن التجمع لاعتصام، وقد كان. قوات الأمن حاولت فضنا بكل السبل (الرصاص، الغاز المسيل للدموع، القنابل الصوتية، الضرب، محاولة الحصار) ولم تنجح، لقد كانت إرادة الشعب أكبر من توقعاتهم وتصرفاتهم الكيزانية، الثوار كانوا يتبادلون الأحضان والدموع تحت أصوات الرصاص. كنا نهنى بعضنا بالوصول، ومن هنا بدأ اعتصام القيادة العامة المستمر حتى هذه اللحظة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة