الرئيسية / احدث التدوينات / أنشودة إلى عندليب*

أنشودة إلى عندليب*

 

ها أنا أحكي لكم من موقع الأبدية، حيث تتضح لنا الأمور خارج الزمن. أخبركم عن سر حلم يوقظ الآخرين كل صباح و لا يوقظني؛ فأنا هنا دائمة الاستيقاظ. بدأ الأمر في مكان آخر بعيدًا عن هنا. حيث ولدت و من على شاكلتي بدمعة صفراء موشومة أعلى الكتف غالبًا، نخفيها بملابسنا، و حين السباحة أفرد شعري أو نسبح فرادى. ندرك منذ صغرنا أنها تحمل سرًا مقدسًا فلا ننطق. تختلف خصلات شعري عن زميلاتي بالمدرسة فنهاياتها تحوي مادة صمغية فما كنت أستغني عن تسريحة الكعكة إخفاء لها، و رغم أنني كنت أتوق لقص شعري في صالون التجميل مثل أمي إلا أن ذلك لم يكن خيارًا متاحًا لي. و كنا حين تجيش بنا المشاعر تتقد أجسادنا بحرارة دافئة يلحظها من حولنا في استغراب، أما غير ذلك فلم نكن نختلف في شيء عن غيرنا.

في تلك البقعة الجغرافية التي أنتمي لها و بفصل الشتاء، امتزج و لا يزال الواقع اليومي بخيال ثوري في ما يشبه الوجود اللحظي، تتبدل الوجوه و تتجدد الهتافات لكن الجسد واحد.يخال الناس أن التض

حية تكفير لذنب ما، لكن أن تحيا لا يبدو لي من هنا كإثم نقترفه، بل التضحية حياة كذلك و إن كانت أكثر غنى، و بمعنى آخر اكتساب.

في يومي الأخير و أنا في حشد مليوني كان عرقي ينز كما هو الأمر عادة لكني انتبهت لرائحة تخرج من جسدي بينما كانت تغلفني هالة نورانية.و في منتصف المسافة بين الغفوة الدنيوية و الانبعاث هنا، أخذتنا هتافات الثورة نحو عالم أوسع. كان الأمر شبيه بما فعله غناء طائر العندليب في أخذه للشاعر كيتس إلى الخلاص في سكينة، ثم كان الصعود.

..

رأيت من عليائي الناس ملتفين حول والدتي، يحاولون تهدئتها و تبشيرها، يتحلقون ليلًا لإنهاء ختمة و يتناوبون المبيت عندها. لكن الصلة بيننا لا تزال؛ برؤيتي لها من هنا و بدعائها الذي لا ينقطع.

يلمحنا الناس بغتة في مشاويرهم أو حين الانهماك في نشاط يومي و أحيانًا في المنام، كأثر طيفي. فلا حضور لنا في المكان حين لم يعد يسعنا. وجودنا ومضة انزياح يحيل لما هو أبعد منا، و حين أشير إلى البعد أقصده مجازيًا فليس للمحو مكان حين انتمائه للأثر.

و نحن من فردوسنا نرى التضحية بعين المنح. لا نعرف معنى للشح و الفقد. نترك المادة، الجسد ليغذي تربة الأجداد، ينعشها، و نسبح في ما وراءه. نجوب الطرقات متفقدين الحس الثائر في الأحياء، نستريح في الرواكيب آخر الليل، نترك ما تبقى من حكاوينا حول ركوة البن ثم نعود للأعلى مع تراتيل الصباح الخارجة من حيشان البيوت. ينزل المطر على الوهاد ، يتخلل الأزقة و القلوب يبللها، و أدرك أن ليس في المنح سوى الغنى.

 

هكذا ننشر النور في المواكب ليلا كالرتاين، و حين النهار نرسل لهم من نسيم الفردوس. لم تكن الأرض سوى منفى لنا، يسعنا بأحلامنا المتدلية من النوافذ، خيباتنا المتسللة إلى أوكارها و أسئلتنا المتكاثرة في الليل دون تذمر منا. و إن كان النيل في ما مضى يفيض مرهقًا بدم العذارى؛ قرابين الخصب التي تضيق بها الحياة، فما طرأ من اختلاف هو أننا بتنا ندرك بأن مكانا أسمى في انتظارنا، يتسنى لنا فيه نشر الأمل قداسا للحرية. ذات الحرية التي كان الفداء لنا فيها خيارًا!

..

في حقيقة الأمر، ابتدأ الأمر من لحظة أبعد قليلا من عمق الذاكرة المنكوبة بالنظام السابق، من تلك الرابطة التي تشكلت بالحبل السري و أنا جنين في جنتي الأولى سابحة في ماء الرحم، رابطة جعلت والدتي تدرك موعد راحتي الأبدية. أنا ابنتها ذات الثلاثة عشر ربيعا، الثلاث و عشرون ربيعا، قل ثلاثون ربيعا و فيم يهم؟ على أية حال، أحرس من جنتي الزرقاء، منذ ما يزيد على أسبوع حلمها كل مساء.

و إن كانت تبدو لكم حكايتي بأثر رجعي، فالأصل أن روحي لطالما انتمت لهذا الفضاء. في هذه الأثناء، نستقبل الزوار الجدد و نواصل مهامنا من هنا في حبور. نواصل رقصتنا المقدسة حتى يحين موعد الربيع في البلاد.

ــــــــــ

* قصيدة للشاعر البريطاني الرومانسي جون كيتس Ode to a Nightingale

 

عن دعاء خليفة

mm
كاتبة و مترجمة من السودان