الرئيسية / احدث التدوينات / جدل العَولَمة ومابعدها

جدل العَولَمة ومابعدها

يكتنزُ مفهوم العَولَمة مفاهيم عدة، في إطار النَظرية، والذي يعتمد على التَحرر من الحدود، في السياسة والاقتصاد والثقافة، كان قد شاعَ مصطلحُ «العولمة»  (Globalization) في السنوات التي تلت سقوط الإتحاد السوفياتي، بتحقُق تصوّر هيلين كارير دنكوص، الذي لا يُصدّق في كتابِها: “الإمبراطورية المُتشظية” بتأسيس النظام العالمي الجديد، وتحطم جدار برلين 1989، ومع هذا فإن الظاهرة التي يُشير إليها العنوان ليست حديثة بالدرجة التي قد توحي بها حداثة المسألة. العناصر الأساسية في فكرةِ العَولَمة: ازدياد العلاقات المُتبادلة بين الأمم، سواء المتمثلة في تبادل السلع والخدمات، أو في انتقال رؤوس الأموال، أو في انتشار المعلومات والأفكار، أو في تأثر أمة بقيم وعادات غيرها، معروفة منذ عدة قرون، ولن تنته بهذا المفهوم، لكن، ركيزةُ العَولمة هنا، أن الاقتصاد تَحرَر من الايديولوجيا، وهذا ما حقّقته الجيوبولتيك

بوضع قوى الاقتصاد أولًا، وأعلنت التقانةُ نَفسَها كبديلٍ للايديولوجيا و«تراجعت أمام الجيواكونوميكا» كما يلحظُ كلًا من كريم بقرادوني وقيس العزاوي، وبعَولمَة نظام الحُكم بالديمقراطية الليبراليّة كما يركزُ فوكوياما. لكن إذا ما أهمَلنا الايديولوجيا إلى الواقع التاريخاني؛ سنجدُ أن العَولَمة ما هي إلا مرحلة من مراحل تطور النظام الرأسمالي، تشكّلت وفقًا لمقتضياته وفي إطار قوانينه الأساسية، والأمر يحتاج إلى بعض التفصيل؛ فمنذ بداية الرأسمالية والتناقض الأساسي الذي حكمها هو التناقض بين عالمية الاقتصاد وإقليمية السياسة فقد سعت الرأسمالية منذ البداية إلى عالمية السوق، بينما كانت السياسة بالضرورة إقليمية تحدها حدود الدولة القومية، وحدود السيادة، لكارل ماركس، شرح مهم هنا، وهو أننا لا نستطيع معرفة أي عصر من خلال وعي هذا العصر بذاته، وإنما يتم ذلك من خلال فهم حقيقته الموضوعية الاجتماعية وآليات عمل هذه البُنية، كما أشار حسام عيسى، أن العَولمَة لن تُعلن تجاوز سيادة الدولة لتُفضي بنا نحو الحرية، بل إلى سيادةٍ أخرى، مُتعددة الجنسيات تُهيمن فيها عالمية السوق والتجارة القارية بقوانينها وقواعدها، كما تعني العَولَمة، الرأسمالية العَالمية ما بعد الإمبريالية أو «أيديولوجية السوق» أو تحوّل علاقات العرض والطلب والثمن من مجرد آلية اقتصادية إلى عقيدة تعود بنا إلى بدايات القرن التاسع عشر من ظهور لمبدأ «دعه يعمل ودعه يمر» إلى الإيمان بأن «حرية السوق» ستنشر التقدم وتنهي التخلف وتقضي على الفقر، وباسم هذه العقيدة تصبحُ الدولة شرًا دائمًا، وإذا كان من العسير الاستغناء الكامل عنها، فلا بد من تدني دورها باستمرار وتعليم «بيروقراطيتها» أساليب إدارة الأعمال.

عرّف لينين الرأسمالية، بأنها رأسمالية احتكارية منفصلة الآليات عن رأسمالية المنافسة الحرة التي سادت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وسماها باسم «الإمبريالية» محتسبًا إياها أعلى مراحل الرأسمالية، لكن في وسعنا، اليوم، أن نعرّف العولمة بأنها أعلى مراحل الإمبريالية، كما يذهب عبد الإله بلقزيز، وليس هذا من باب استعارة التوصيف اللينيني للإمبريالية، بل هو الوعي بالوشيجة التي تشدُ هذه (العَولَمة) إلى تلك (الامبريالية)، فيجعلها لحظة نوعية في مسار تطور النظام الرأسمالي الاحتكاري، ولذا، يُحذرُ الغَرب من كولونيالية الصين، تبعًا لما تُقدمه من عَولمتِها الخاصّة: “الحزام والطريق” الذي يسيرُ جنبًا إلى جنب مع تنمية الأقاليم المجاورة وتحسين بُناها التحتية وحياة سُكانها، امتدادًا إلى طريق الحرير إلى عُمق القارةِ العَجوز، فهل ثمةَ فرق بين عَولمة التنمية وقَومنتِها لدى الصين آلت تحاول أن تصعد لتصبحَ قطبًا. 

أما عند صادق العظم فتعني: «وصولُ نمط الإنتاج عند منتصف القرن الماضي تقريبًا، إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتوزيع والتجارة والتداول، إلى عالمية الإنتاج وإعادة الإنتاج ذاتها، أي أن ظاهرة العولمة التي نشهدُها هي بداية عولمة الإنتاج والرأسمال الإنتاجي وقوى الإنتاج الرأسمالية، وبالتالي علاقات الإنتاج الرأسمالية أيضًا، ونشرها في كل مكان مناسب وملائم خارج مجتمعات المركز الأصلي ودوله، والعولمة بهذا المعني هي رسملة العالم على مستوى العمق بعد أن كانت رسملته على مستوى سطح النمط ومظاهره». وينتهي العظم إلى صياغة تعريف عام للعولمة بكونها «هی حقبة التحوّل الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها، وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافي».

إن الدينامية المُسيطرة والسريعة في حركة الصادرات في مقابل رکود الأسواق القومية هي التي أوجدت حاجة  لمفهوم الكونّنَة (أو العَولَمة) الذي كان أول من أطلقهُ معرفيًا، عالِمُ السوسيولوجيا الكندي مارشال ماك لوهان، أستاذُ الإعلاميات السوسيولوجية في جامعة تورنتو، عندما صاغَ نهاية عقد الستينيات مفهوم «القرية الكونية». 

وتنبأ بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستخسرُ الحرب الفيتنامية، حتى وإن لم تُهزم عسكريًا، وذلك لأنها تحوّلت إلى حربٍ تلفزيونية سوف لن تسمح للأمريكان بأن يستمروا في قصفهم فيتنام، وتبنى هذه الفكرة زبيغنيو بريجنسكي الذي أصبح فيما بعد مستشارًا للرئيس الأمریکی کارتر (1977 – 1980)، وعمل على أن تقدم أمريكا، التي تمتلك % 65  من المادة الإعلامية الميدية العالمية، نموذجا كونيًا للحداثة» كما يشير سيار الجميل في كتابه «العَولَمة الجديدة والمجال الحيوي للشرق الأوسط» انتشرت الحداثة الأمريكية على مستوى العالم بسرعة في الأوساط العُليا والشعبية معًا، على عكس الايديولوجيا السوفياتية التي اعتمدت منطق الدبلوماسية والشعارات الثقيلة، فأخذت بالاحتقان وبقيت تلوح بصراع الطبقات ورسالة البروليتاريا، وعندما بدأ غورباتشوف بالبيريسترویکا والغلاسنوست كانت مياه التحديث الرأسمالية الأمريكية قد جرفت كل الايديولوجيات، وأفل مفهوم الطبقة العمالية والاشتراكية والبروليتارية، إثر تبدل ثورة التقانة وانسياقها عن موقعها في نهايات القرن العشرين لتحل محلها ثورة

المعلومات، وتطور عملقة جديدة تمثلها الاقتصادات اليابانية التي تضاعفت توظيفاتها الخارجية أكثر من 12 مرة في عقد الثمانينيات، أي أكثر بكثير مما حصلت عليه الولايات المتحدة نفسها، وارتفاع صادرات الصين من 11 مليار دولار عام 1980 إلى 18 مليار دولار عام 1990، وإلى 149 مليار دولار عام 1995. 

اليوم، وفي خضم سياسات ترَمب الحمائية وتقدم الصين نحو الاقتصاد الأول في العالم، والبدء بعكس العولمة وظهور القومية الاقتصادية، وكما قال مارتن وولف في الفايننشال تايمز في مقالة حول ذكرى بريتون وودز: «إن اللبرّلة العالمية Global Liberalisation توقفت. الولايات المتحدة لم تتجه فقط بشكلٍ حثيث في اتجاهٍ حمائي، بل إنها بدأت تعارض قانون وروحية منظمة التجارة العالمية». 

والذي يتذكر كيف، كانت منظمة التجارة العالمية مهمةً في كل نادٍ ومحفلٍ دولي  وتشكل هرم الاقتصاد، والتي انضمت إليها الصين الشيوعية عام 2001، وكيف أن مديرها العام «باسكال لامي» كان بمثابة الحاكم الفعلي للعالم، يعرفُ كم تغيرت الأمور في هذه السنوات القليلة.  ينبغي أن نضع عقولنا في العالم الناشئ متعدد الأقطاب، ولأنه من المفيد التفكير في المستقبل، الذي سيهيمن عليه، كما نقدر، ثلاث مناطق على الأقل: أمريكا والاتحاد الأوروبي وآسيا المتمركزة في الصين.  سوف تتخذ بشكلٍ واضح نهجًا مختلفًا في السياسة الاقتصادية والحرية والحرب والتكنولوجيا والمجتمع.  تكافح البلدان متوسطة الحجم، مثل روسيا وبريطانيا وأستراليا واليابان،  لإيجاد مكانها في العالم، في حين ستظهرُ تحالفات جديدة مثل “الرابطة الهانزية 2.0” للدول الصغيرة المتقدمة مثل دول اسكندنافيا ودول البلطيق.  والآن، تبدو مؤسسات عَولمة القرن العشرين – البنك الدولي وصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية – فاقدة للقيمة. هناك عاملان أساسيان -على الأقل- دفعا العولمة نحو الهاوية.  أولاً، تباطأ النمو الاقتصادي العالمي، ونتيجة لذلك، أصبح النمو أكثر “تمويلاً” زاد الدين وكان ثمة حاجة لمزيد من “النشاط النقدي” – أي أن البنوك المركزية تضخُ الأموال في الاقتصاد عن طريق شراء الأصول، مثل  السندات والأسهم – للحفاظ على التوسع الدولي.  

ثانياً، الآثار الجانبية، أو المصاحبة والمدركة للعولمة، هي أكثر وضوحًا: عدم المساواة في الثروة، وهيمنة الشركات متعددة الجنسيات، وتشتّت سلاسل الإمداد العالمية، التي أصبحت جميعًا، قضايا سياسية ساخنة. 

أحد العوامل المثيرة للإشكال  هنا، أنه ليس ثمةَ هيئة أو سلطة مركزية لتشكّل العَولَمة، باستثناء المنتدى الاقتصادي العالمي أو منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.  من مناحٍ عدة، تتسم «نهاية العولمة» بالاستجابة الضعيفة وغير الحاسمة للأزمة المالية العالمية.  

بشكل عمومي، كانت الاستجابة لخفض تكلفة رأس المال، وليس لمعالجة الأسباب الجذرية للأزمة؛ على نحوٍ كهذا، فإن الاقتصاد العالمي سوف يعثر عليه، مُثقل بالديون، ويخفق في الحصول على المال السائل من البنوك المركزية. كان ثمة الكثير  من التنافس أبان الحرب الباردة بين روسيا الشيوعية وأمريكا ، يتخيل الكثيرون الآن رؤية صدام للحضارات بين أمريكا والصين.  لكن كتاب مايكل سوليفان  «التسوية: ماذا بعد العَولَمة» يصفُ مستقبلًا حيث يوجد عالم متعدد الأقطاب يُنهي أزمات المؤسسات الدولية وعالم الديون والفوائد المرتفعة والنمو المنخفض، مع تطور العالم وفقًا لمجتمعات مختلفة،  فمن الممكن، في دولٍ مثل روسيا، أن يكون نهج الحفاظ على النظام في مقابل تخفيض الديمقراطية والحقوق – هو  طريقة الحياة المقبولة.  في أوتوقراطية مثل الصين،  الأكثر إثارة للصَخب، حيث يأخذ اقتصادها الزخم ويتطور، قد يكون هناك توتر متزايد بين المجموعات التي تتفق مع نظام الحكم، والمجموعات  (الذين يفضلون تكافؤ الفرص ونظام التعددية الحزبية)  سيكون دور المرأة ووجهات نظرها ، خاصة في الصين، ومجموعات الأقليات مثل مجتمع الأقليات والمثليّين أمرًا محوريًا.

إن بروز نظام عالمي جديد، قائمٌ على مناطقٍ واسعة وملونة بأسلوبيّ الحكم، يعكسُ أصداء عدة فترات في التاريخ.  

إن التحدي في السنوات القليلة القادمة، سيكون على الدول ذات التوجه المعاكس للعَولمة ، مثل الصين، أن تحافظ على الاستقرار الاقتصادي حتى لا يؤدي ارتفاع البطالة، مثلًا، إلى  تدمير “عقد الحكم” وأيضًا، سيترتب التحدي مثيلًا على دول المركزِ المعولَم،  بالحفاظ على المجتمعات المنفتحة والأخوية في مواجهة التقلبات السياسية والاقتصادية المحتملة.

إن العَولَمة، على الأقل، بالشكل الذي أصبح الناس يفهمونه، غير منتهية.  

من هنا، يمكنُ أن يأخذ الانتقال، بعدًا مختلفًا عن العَولَمة، شكلين جديدين.  يتمثلُ أحد السيناريوهات، أن نشهد النهاية الكاملة للعَولمة بنفسِ الطريقة التي انهارت بها فترةُ «العولمة الأولى في عام 1913». هذا السيناريو هو المفضل لدى المعلقين لأنه يتيحُ لهم الكتابة عن مصائر نهاية العالم الدامية، لكنهُ لحسن الحظ، منخفض الاحتمال.

إن تطور نظام عالمي جديد – عالم متعدد الأقطاب يتكون من ثلاثة (ربما أربعة، الهند) – دول كبيرة متميزة في عمل اقتصاداتها وقوانينها وثقافاتها وشبكاتها الأمنية – جارية بشكلٍ واضح . 

رغم أن التعددية القطبية قد تبدو مفهومًا نظريًا – شيءٌ للكتابة عنه أكثر من كونه أمرًا قد نشهده، لكنه  يتغير بسرعة: التوترُ السياسي والحمائية التجارية، القومية الاقتصادية وحركة الشعبويات، تفككُ منظومة الاقتصاد الدولي، والتقدم التقاني (مثل الحوسبة الكمومية)، وتنظيم التكنولوجيا ليست سوى بعض من الأمور التي ينقسمُ العالم حولها إلى مناطق متميزة.  

تعددُ الأقطاب يكتسبُ قوةَ الجرّ، وسيكون له محورين عريضين.  

أولاً ، ينبغي أن تكون الأقطاب في “العالم  المتعدّد” نافذة من حيث القوة الاقتصادية والمالية والجيوسياسية.  

ثانيًا، ليس جوهرُ التعددية القطبية، أن تكونَ مؤثرة وقوية فحسب، بل أيضًا أنها تطورُ طرقًا متميزة ومتسقة ثقافيًا لعمل الأعمال.  

الصينُ، مهمة  في سياق التحوّل من العَولَمة إلى التعدّدية القطبية، ليس لأن دافوس  -المنتدى الاقتصادي العالمي – لعام 2017، شهدَ ارتداء الرئيس الصيني لـ«عباءة العَولَمة»، بل أيضًا، لأنها استفادت استفادةً كبيرة من العَولَمة والتجهيزات الخاصة بها (مثلًا، عضوية منظمة التجارة العالمية)، ولعبت دورًا حيويًا في ديناميكية سلسلة التوريد التي قادت العولمة.  

ومع ذلك، فإن التدفقات التجارية إلى الصين تشيرُ بشكلٍ متفاقم للابتعاد عن عالمٍ معولم، نحو عالمٍ أكثر تركزًا في المنطقة.  ومثلًا، تشيرُ بيانات «صندوق النقد الدولي» إلى أنهُ في 2018، مقارنةً بعام 2011، تمت تداولاتٌ صينية كبيرة مع كمبوديا وفيتنام ولاوس وماليزيا،  وأقل نسبياً مع الولايات المتحدة.   

سمحت  مغرياتُ الصين، مع بنغلاديش وباكستان، لأن تتيح العلاقات التجارية والاستثمارية معها، أما الآن فهذه الدول تقع كليًا في مدارها. ومع ذلك ، فإن الصين ليست مُعولَمة ذاتيًا: من الصعب على الشركات الغربية- متعددة الجنسيات، القيام بأعمال تجارية في الداخل الصيني، على قدم المساواة مع الشركات الصينية، وتدفق الأموال والأفكار – من الصين وإليها، على التوالي – يقعُ تحت الرحى، مراقب ويضيق الخناق عليه ويتم تقليصه بشدة.  

تدفق الأفراد هو مؤشر آخر: فدينامية تدفق الأجانب داخل الصين  ضئيلة مقارنةً بالبلدان الأخرى؛ لذا ، بما أن الصين، في طريقها لأن تصبحَ قطبًا رئيسيًا، فقد أصبحت أقل عولمةً، ويمكنّنا القول إنها تسهمُ بشكلٍ واسع في «تجريف العَولَمة».

على نطاقٍ أكثر حدة، يمكننا قياس مدى تحوّل عالم عَولَمة الرأسمالية  إلى أقطاب متعددة من خلال دراسة الاتجاهات الإجمالية في التجارة، والناتج المحلي الإجمالي لدوله، والاستثمار الأجنبي المباشر، وحجم الميزانية الحكومية، والسكان.  

كل هذه العناصر أقل تركزًا ، أو أكثر تشتتًا، مما كانت عليه في فترة صعود العَولَمة، ومثلًا، في السنوات 2012-2017، ارتفع إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر لأستراليا من الصين بمعدل 21% سنويًا، مقارنةً بـ 6% من الولايات المتحدة لأستراليا ، مما يشير إلى أن الاستثمار الآسيوي يبتلع السوق الجديدة في أستراليا، ناهيك عن أفريقيا، ثمةَ أرقام أكثر إدهاشا.

حتى إذا كانت التعددية القطبية قائمة على القومية الاقتصادية وإضفاء الطابع الإقليمي على القوة، فقد تم التعبير عنها أيضًا بطرق أخرى، لاسيما القوة العسكرية والحريات السياسية والسيبرانية، والتطور التقاني ، ونمو القطاع المالي، والشعور الأكبر بالتمايز الثقافي.  

 لمحاولة تجميع ما يستتبعه القطب، يمكننا أن نشير إلى عدة عوامل أولية: حجم الناتج المحلي الإجمالي لبلد ما، وحجم سكانه، ووجود إرث إمبراطوري، ومدى دوره الاقتصادي الإقليمي، وحجمه العسكري وتطوره (مثلًا، نسب الإنفاق، عدد الطائرات والسفن المقاتلة) وموقعها في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة نسبة إلى منطقتها، ومشاركتها (أو لا) في تجمع إقليمي (حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي، منظمة التعاون).

وفقًا لهذا المخطط، فإن الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين والهند من المحتمل أن يكونا أعمدة، لكن اليابان وروسيا لن يتمكنا من الصعود، فمثلًا، تحرز روسيا نتائج جيدة في جوانب معينة من التعددية القطبية (عسكريًا) ، لكن في وضعها الاقتصادي قد لا تصبح قطبًا حقيقيًا بالمعنى المراد هنا. السبيل نحو التعددية لن يكون معبدًا.  

أحد أوجهُ التوتر هو أنه منذ قيام الثورة الصناعية، كان للعالم مركزًا من حيث موضع وانتشار العَولَمة (بريطانيا في القرن التاسع عشر، والولايات المتحدة في القرن العشرين).  

حقيقةُ أن ثمةَ الآن، ثلاثُ نقطٍ مرجعية على الأقل، تقدمُ ديناميةً جديدة للشؤون العالمية. الاتجاه المُحتمل كبيرٌ بالنسبة للاحتكاك وسوءُ الفهم والصراع بين الطُرق المختلفة بشكلٍ يتفاقم للقيام بالأعمال عبر الأعمدة الرئيسية. أساسًا، يشيرُ «تعددُ الأقطاب» أنهُ بدلًا عن التحدث بلغةٍ مشتركة، يمكنُ أن تتحدثَ الأعمدة الرئيسية بلغاتٍ مختلفة سياسيًا.  

التوترُ الحاصل على التجارة هو احتمالٌ واضح هنا.  شكلٌ آخر من أشكال التوتر هو «أزمة الهُويَة» التي طرأت بالنسبة للدول التي لا تقع كليًا داخل أحد الأقطاب – مرةً أخرى، اليابان وأستراليا والمملكة المتحدة، هي الأمثلة الرئيسية – وأزمةُ الطموح والتركة الثقيلة بالنسبة لروسيا، والتي تريدُ أن تكون أحدى الأعمدة، ولكنها تفتقرُ إلى الموارد اللازمة للقيام بذلك بشكلٍ مقنع.  

على مستوً أكثر شعبية، تصبحُ تداعيات «نهاية العَولَمة» كما نعرفها، والطريق إلى التعددية القطبية جزءًا أكبر من النقاش السياسي.  على الهامش، قد يكونُ تدفق الأفراد والأفكار ورؤوس الأموال، أقل عولمة يعززه شعور متعاظم بالإقليمية عبر الأعمدة الرئيسية.   بطريقةٍ سلبية، قد يكون العالمُ الأكثر تعددًا في مراكزه، نقطةَ تحوّلٍ تشيرُ إلى ذروة الديمقراطية ومؤشر الهبوط، وربما بداية ماراثون داخل الجغرافيات المتباينة من أجل وجهاتِ نظرٍ متنافسة حول الديمقراطية والقوة المؤسسية وطريقة الحكم والاقتصاد وطبيعة السلطة.

 

 

 

عن محمد سالم

mm
كاتب من العراق