الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: ”جِرَامَافُونْ“ عندما تسكنك رواية

قراءات: ”جِرَامَافُونْ“ عندما تسكنك رواية

متى؟

ربما.. عندما يتناسى الكاتب ذاتيته، يمنح أبطال روايته الحياة، ويترك لهم حق الاختيار، يخلع عنه رداء أنانيته الشخصية ويصبح شريكًا لأبطال روايته، يرسم ملامحهم وينغمس في حيواتهم، يطلق سراحهم من داخله، ويحررهم من أسر عقله الذي ابتكرهم، خلقهم، يتحدث بلسانهم ليحكي عنهم،  فيردون له صنيعه ويكشفون لنا عن أسرارهم ويخبروننا عنه من خلالهم.

أو ربما.. عندما ينسكب الحزن قطراتِ من جنبات الرواية، فيلامسك، تنساب دموعك دون أن تدري لأن هناك بطلة من أبطال الرواية أنت أحببتها، تعلقت بها، وافتقدتها حينما غادرت الحياة، أو يصيبك الغضب لأن هذا الخائن، سرق من أحد الأبطال حلمه، وها أنت ذا تتذكر حلمك الذي يومًا قد سُرِق. 

ربما.. عندما تنساب سطور الرواية بنعومة السرد، ويتبدّى الشغف بين جمل الحوار، فتشعر بالمتعة تتوغل بداخلك، تتسرب إليك البهجة، تكتشف أنك وقعت في حب أبطال الرواية، لقد أصبحوا عائلتك، أنت معهم الآن تشاركهم الحياة والحب، وتستمع إلى أصوات ضحكاتهم، تنصت لهمساتهم، تحتار معهم وتأسى لهمومهم، تتوقف أمام ما يحدث لهم, تحياه، وتتذكر أن لديك في حياتك ما يشبهه، تستغرب كيف لم تكتشف يومًا تلك الحقائق البسيطة الواضحة عن أمر ما، رغم أنك عشته من قبل مرات، لكنك لم تره أبدًا بهذا الوضوح إلا وأنت تقرأ هذه الرواية..

لقد سكنتك الرواية، أو سكنت أنت بين صفحاتها. ربما ترى نفسك في أحد أبطالها، أو ربما تعتقد أنك صدى لهذه الأصوات المنبعثة من داخلها.. أو نغمة من نغمات الألحان التي استمعت لها وأنت تقرؤها.

هنا ربما تستطيع أن تؤكد، أن كاتب الرواية مبدع وعبقري وفنان، أو ما شئت من الصفات، ولكنك يقينًا ستكون واثقًا من أنك أحببت القراءة له، وأنك تتمنى لو قرأت له مرات ومرات.

 

– “كبرت امتى يا علي؟”

سؤالي الحائر الذي سأظل أردده على “علي الزناتي”، مؤلف جرامافون، ولن يخبرني هو أبدًا متى! ربما لأنه لا يعلم ولن يعلم، وربما لأنه كما قال لي ذات حديث بيننا:

– “لا أحب أن يقرأني أحدهم، قدر ما يكتفي بقراءة ما كتبت”. وأحتفظ أنا بابتسامتي وأجيبه

– ولكنني قرأتك يا عليّ، ربما لا زال هناك أسرارك التي تخفيها، لكنها تتبدى واضحة كلما قرأت لك..

هكذا تخلق الكتابة والقراءة جسري عبور وتواصل بين إنسان وآخر، وبقدر ما تكون الكتابة صادقة وصريحة دون زيف أو مخاتلة، قدر ما تكون القراءة واضحة وشفيفة واعية. فلا إسهاب بغير معنى، ولا إطناب في غير موضع، ولا تفاخر بلغة متحذلقة وصنعة مزخرفة زينتها الوهم.. وهم الكاتب الذي لا يفكر إلا بذاته حين يكتب، فيفشل! يفشل في أن يُدخلنا عالم روايته الذي خلق، إنه فقط يكتفي بأن يصفه لنا، يمتدحه ويثني عليه ويطنب في الثناء، وربما ينسى في سبيل هذا، لماذا كتب روايته بالمقام الأول.. وقتها ربما يتساءل القارئ بعد أن يُنهي القراءة؛ ماذا كان يريد أن يقول هذا الكاتب، ولماذا كتب روايته؟

أحسب أن هذا ما يفْضُل كاتب عن آخر، ويميز عملاً دون سواه.

أتدرون شيئًا! أخشى أن أكتب كل ما قرأته في جرامافون، أخشى أن أكشف عن أسرارِ أخبرت بها عليًّا، فأصابته الدهشة، وطلب مني أن أترك له بعض الأسرار.. وقتها لم أخبره أنني لم أكن لأعلم عن أسراره تلك شيئًا، ما لم يكن هو قد أجاد رسم شخصيات روايته، فاستحالت أمامي كياناتٍ حقيقية، من لحم ودم، لا مجرد أبطال بين حبر وورق.

ورغم هذا الذي يؤرقني، كي لا أشارككم الأسرار، ربما بشيء من أنانية القارئ حيث اعتبرت نفسي جزءًا من عملٍ سكن بداخلي، عشت مع لحظاته، وأحداثه وشاركت في مشاهده، كما لو كنت أحد الأبطال، أو ربما أصبحت هذا الجرامافون العتيق، شاهد على تاريخ زاخر بالكثير الذي قد يحدث بين ثورتين… إلا أنني سأشي لكم بالقليل مما روته السطور، وأنا أستمع لموسيقى شاركتني قراءة أولى في الرواية، أثناء إعدادها وتجهيزها.. ولِمَ لا؟ وهي رواية عن الحياة والحب والموسيقى والإنسان.. بظلال من أحداث تاريخ استكمل المائة عام، فها نحن أولاء عام 1919.. أقصد عام 2019 بعد مرور مائة عام على ثورة مصرية لها طابع خاص، ربما لا تشاركه به إلا ثورة يناير 2011 التاريخ الثاني الذي توقفت عنده أحداث الرواية، فلم يصبح تاريخًا بعد، وقد يصعب علينا أن نؤرخ له بصدق، فلنكتفِ بذكره والتوقف عنده، فلا زال تاريخًا موصولاً بما نحياه من حاضر.

وأعود لثورة 1919 تلك الثورة التي وجدت من يدافع عنها ويصفها بثورة شعبية مصرية، ومن يدّعي أنها لم تكن أكثر من انتفاضة لأجل سعد زغلول والوفد المصري المنفيّ، فهل هي كما يدّعون؟ أم هي كما يراها من أدرك عمق ما عنته تلك الثورة، التي سقطت فيها أولى شهيدتين مصريتين، لتنتفض هدى شعراوي، وتنتفض النساء وتبدأ أولى الحركات النسوية في الشرق، لأجل النصف الآخر، لأجل ذاك الكائن الذي اسمه المرأة، تلك التي ربما لم يعرفها أحد بعد، وربما لم تعرف هي نفسها الكثير عن نفسها، رغم أنها النصف الذي يُنشئ الكُلّ، رغم أنها تلك التي لا يستطيع أحدهم إجبارها على فعل شيء تأبى أن تفعله، ولو يعلمون، رغم أنها برمزية مستترة هي الوطن، وهي الحياة، وهنا في الرواية لنون النسوة الكثير من أدوار البطولة، التي رسمها عليّ بقلب وروح فتى في الثامنة عشر من عمره –وهذا هو عمره عندما بدأ كتابة الرواية منذ خمس سنوات- ونضوج عقل رجل بلغ عامه الستين، في الشهر الثالث من عام 1919 وهذا هو محمد الهلالي كبير الهلالية بالرواية، أو رجل غادر الحياة وقد قاربت سنوات عمره الثانية والتسعون وذلك عام 2011 يوم حاولوا فضّ معتصمي الميدان، وهذا هو علي الهلالي ولده الذي حمل لقب كبير الهلالية كأبيه.

– “ كبرت امتى يا علي؟”

هذا السؤال تردد على ذهني وأنا أقرأ ما وصف به علي النساء على لسان رزق الهلالي، وهو يفكر في زوجته دليلة، أنها واحدة من هاتيك النسوة التي لن يستطيع أحد إرغامهن على شيء لا يرغبن في القيام به، لكنها دليلة، التي كانت دليل رزق في حياته التي أصابها الكثير من الحيرة حتى اهتدى لطريقه، وجد نفسه بوجودها، ليصبح رزق الهلالي مصدرًا لجلب رزق عائلة الهلالية، تلك العائلة التي يرصد علي من خلاله تتبعه لحيوات ثلاثة أجيال منها تاريخ مصر في العصر الحديث، وربما بنظرة بعيدة على تراثها ما قبل ذلك التاريخ المقترن بثورة 19.

ولم تكن دليلة وحدها هي النموذج النسائي الذي يلقي كاتب جرامافون الضوء عليه، فبطلاته كثيرات، وكلهن سواء برمزية الأسماء اللواتي يحملنها، أو مواقفهن اللواتي عبرّن بها عن المرأة كما يراها علي الزناتي، وكما يفهمها، ليجعلني أتوقف متسائلة، “كبرت امتى يا علي؟”، فها هي هنيّة زوجة محمد الهلالي وأم ولده الوحيد علي الهلالي، وبرمزية اسمها أيضًا، لتكون مصدر سعادة محمد التي كان يتمناها بوريث يحمل اسمه واسم الهلالية، ليبقى فالهلالية لا تموت.. وبقوة رمزية تلك العلاقة بين عديلتين، “هنية, ودليلة” نكتشف كم هن قويات تلك النساء، اللواتي يحملن من الأمومة والحب والحنان والغيرة والعناد وغير هذا من الصفات قدرًا كبيرًا، لا يجعل من السهل على ساذج لا يدرك حقيقة الحياة أن يفهمهن، ففي الوقت الذي قد يعتقد الرجل أنه سبر أغوار تلك الأنثى، إذ بها تكشف له عن جانب خفي لم يدرك بوجوده يومًا.. ويستكمل علي الزناتي عرض شخصيات روايته من صاحبات نون النسوة، بذكاء فها هي سمية زوجة خالد ابن رزق الهلالي، بدلالة اسم يعني سمو امرأة، تدرك بحسها الفطري مشاعر رجل أحبها في صمت، وترفض بكرامة امرأة، تلك من كانت دخيلة على حياة عديلتها زينب زوجة علي الهلالي ابن عم زوجها، وكانت تلك هي جميلة التي لم تجد لنفسها يومًا مكانًا بين جنبات أركان بيت الهلالية، رغم حب عليّ الهلالي لها وزواجه بها على زوجته وأم أبنائه زينب، لكنها وكما رسم الكاتب ملامح شخصيتها، أصابتها الحيرة وعصفت بها بين جمالها الذي لم ينصفها يومًا، أو حبها الذي لم يشفع لها يومًا ويمنحها السعادة، لتغادر حياة زوجها وابنها الوحيد، وهي حية ترزق، وتكرر دون أن تتعمد ما حدث لها، حين تركتها والدتها بنفس الطريقة، وهنا يضع عليّ قارئ جرامافون محل واحد من التساؤلات الكبرى التي تجتاح عقله وهو يقرأ، متى نغادر أحباءنا؟ أبمغادرتنا الحياة أم بمغادرتنا لهم ونحن أحياء؟

أما زينب، فكانت نموذجًا آخر من النماذج النسائية الجميلة في جرامافون، إنها تلك المرأة التي تحب حد الوجع، تحب من لا يحبها يومًا إلا عندما يدرك أنها قد أوشكت على الرحيل، يدرك في لحظة الوداع أنه أحبها، وأنه كان يحبها، وأنه سيبقى على حبها، يبكيها ونبكيها معه حين يتسرب إلينا حزنًا ناعمًا عميقًا على تلك الجميلة التي لم يعرف قلبها يومًا غلاً أو حقدًا، لأنه قلب يسكنه الحب.

ولم تكن تلك المرة الوحيدة التي يتسرب إلينا هذا الحزن الناعم العميق ونحن نقرأ الرواية، فلقد تسلل إلينا، مرات ومرات، حينما مات محمد، بعد أن قتله الإنجليز، وبكته هنية وبقيت تبكيه طويلاً، بذاك الرحيل الخفي الذي عاشته بين أركان منزل الهلالية، في حين بقي قلبها معلقًا بالسماء، أو بالبعيد الذي تثق أن زوجها ينتظرها فيه هناك. ومرة عندما مات إسماعيل خادم عائلة الهلالي، أو لنقل ذلك العم الذي لا يحمل دماء العائلة، إنه وكما رسمه الكاتب، شخصية طالما تواجدت في بيوت عائلاتنا منذ عهود مضت، تكون تلك الشخصية لخادم أو لخادمة، لا يحملان من الاسم إلا دلالة ما يعنيه في اللغة، لكنهما بالحقيقة أحد أفراد العائلة الكبيرة، فهما بمثابة أخ أو أخت لكنهما ليس بشقيق أو بشقيقة. إنها علاقة إنسانية خالصة، تشبه تلك العلاقة الأخرى التي ألقى كاتبنا الضوء عليها، علاقة ابن العم بابن عمه، الذي ليس بشقيقه ولكنه أخوه، كما أوصى رزقًا ولده خالد، ليحمي عليًّا، ويزود عنه فهو من سيحمل اسم الهلالية، ويحمي العائلة، هو بذكاء عمه وقوة أبيه، لقد ورث من عمه رزق، لقاء ما ورث خالد من عمه محمد..

كثيرة هي علاقات التقابل والتلاقي التي نجدها هنا، بين شخصيات وأحداث الرواية، تلك العلاقات جعلتني أفكر في قدرة عليّ على رسم أبعاد متعددة ووجوه مركبة لأبطال روايته، بل وأيضًا ما يتعرضون له من مفارقات في حيواتهم، فهناك عمرو ابن الطبال، الذي لم ينس الناس مهنة أبيه لتلتصق به بينما ينسون اسم أبيه فيصبح عمرو ابن الطبال، الفتى الذكي الذي يستطيع اكتساب صداقة عليّ ويصبح حاميه وذراعه الأيمن، يقتل من أجله ولأجله، لكنه ليس بمن يُوثق به، فكما قتل لأجله، قد يقتله لأجل غيره، وعلى المقابل نجد شخصية عمار ذلك الفتى الذي لا نعرف له أبًا والذي يتبناه رزق ويعلمه كل شيء، فيكون رجل المهام القذرة كما أسماه خالد، ولكنه بقي مخلصًا لمن رباه حتى اللحظة التي أخذ فيها بثأره من قاتله، من عمرو، لم يكن عمار خائنًا ولن يكون… ولقاء وفائه نال حريته، حريته تلك التي أخبره رزق عنها يومًا أنه سينالها بالوقت الذي يكسر فيها هو قيده بيده قبل أن يخضعه، وهو قد كسر قيده يوم انتقم من قاتل رزق.

ولا يغادرنا الحزن الناعم هذا حين يتسلل إلى قلوبنا ونحن نقرأ جرامافون، أو ربما ونحن نستمع لصوته، يشدو بين حين وآخر، بأغنية تدل على الزمن الذي نعاصره فترة بعد أخرى، فلم يكن التأريخ فقط من خلال الأحداث التي اختارها علي ليشاركنا إياها بروايته ويسقطها حدثًا تلو الآخر على حياة بيت الهلالية، يستلهم من التاريخ أحداثًا بعينها، ويتساءل معنا “خطأ الذكي من يصلحه!” في مشهدين من أمتع مشاهد الرواية التي يحمل كل مشهد منها اسم بطل من أبطالها، ربما يتكرر بمشهدين نفس الحدث، ولكن بعين صاحبه، وعين أخرى، وفي انفرادة لم تتكرر خلال مشاهد الرواية، توالى مشهدان يحملان اسم عمرو، وكلاهما كانا من وجهة نظره هو، ولكن وكأنه وبما تحمله كلمة التناقض من معنى، كان بالمشهد الأول واثقًا من نفسه حد الغرور، فهو من أبرّ بقسمه لنفسه حين أقسم بلجوء علي الهلالي إليه طلبًا للمساعدة، وقد فعل! أما المشهد الثاني، فبدا وكأنه لوم لنفسه في لحظاته الأخيرة، يوم أدرك الحقيقة وتساءل وتساءلنا معه “خطأ الذكيّ من يصلحه!” في استنكار أو في دهشة مشوبة بمرارة من لم يتعلم يومًا من أخطاء من سبقوه أو خطأه هو نفسه، وفي إشارة مبطنة تنعكس بالقطع على دروس التاريخ التي لا نتعلم منها يومًا، وإن كنا لا نكف عن ذكرها، فخطأ الذكي من يصلحه! وذاكرته أيضًا التي تكتفي بتكديس الحكايا، ولا تكتشف ما وراءها من مغزى.

لا يغادرنا الحزن على الوطن، على من عاثوا فسادًا فيه لأنهم لم يجدوا من يردعهم يومًا، يتسرب إلينا يوم يلقى بعليّ في المعتقل لأنه انتمى لجماعة اعتقد أنه سيجد فيها أو من خلالها ما يمنحه ما يريد وما يمكنه من النجاة، ولكنه سرعان ما لفظهم فلم يستطع أن يكون تابعًا وهو لن يكون إلا قائدًا، وهو يحب حياته، فلم يكن لديه القدرة على الإيفاء بما يريدون، لن يكون حُسينًا آخر يموت فداء من لا يدركون قيمة ما يفعل لأجلهم، لن يكون يومًا كشهيد كربلاء يموت ليتسنى ليزيد الابتسام وإن اختلفت الأزمان.. كان غبيًا ذات يوم ولن يبقى بغبيّ.

وغادر عليّ المعتقل في رحلة أخرى للبحث عن نفسه، رحلة إلى أرض فلسطين وقت حرب 48، وهنا يصبح الحزن كلدغة حية قاتلة بكل نعومتها التي تتسلل بها إلى جسد ضحيتها، أو كمرور سكين حاد بسطح ناعم بسرعة تصيب في مقتل من تتجه إليه طعنتها، يعود عليّ محملاً بكل أسى الصدمة لما كان، يعود بعد أن تركت الحرب أثرها على قلبه وعقله بعد أن رأى الروح تفرّ من الأجساد كما كتب في رسائله، التي لم يقرأها سواه، لقد كانت صدمة 48 التي عاشها عليّ لا تختلف كثيرًا عن صدمة 67 التي كابدها سالم ابن خالد الهلالي يوم أن تحطمت طائرته في صحراء سيناء.

ومزيج آخر من لقاء الأفكار وتقابلها، بتضاد يتناسب مع طبيعة ما يرغب الكاتب في الإشارة إليه، كان رفض خالد الرجل العسكري، الذي يرى مكانه بين الثكنات، لا على كرسي السلطة، لانقلاب يوليو 52، لأنه انقلاب على السلطة، وعلى شرعية البلاد، ورغم رفضه لمن يمثلونه من المؤسسة العسكرية التي ينتمي إليها، إلا أنه رفض تنحي ناصر عام 67 لأنه وقتها كان رمزًا للأمة، والوطن..

حين يكون معنى الشرف أعمق من أن يختزل في القيام بفعل سريع للذود عنه وحمايته، ففي أحيان كثيرة علينا أن نحمي الشرف بمهادنة من نخشى منهم على الشرف، لبعض الوقت، انتظار المكاسب على الأجل الطويل، أهم كثيرًا من تحقيق مكسب انفعالي حاسم، تكون نتائجه مدمرة أكثر مما لو لجأنا لتحقيق كسب بعيد على المدى الطويل، قدم محمد الهلالي يومًا مصلحة بعيدة طويلة الأجل، على مصلحة تحقيقها سريع ومكسبها سرعان ما سيتلاشى بلا تأثير، لم يقبل الإنجليز لكنه هادنهم، قبل بخسارة بسيطة، قبل بعار يُلصق بمن دافع عن شرف فتاة من قريتهم فمات جرّاء مروءته، لقاء أن تترك الفتاة سالمة.. بقينا لسنوات ننتظر الأخذ بثأرنا من إسرائيل في حربنا معها، بقينا نحمل وصمة عار الهزيمة، ونحن نسعى لتحقيق النصر دون أن نصرح بهذا، لا ضير من أن تتصنع القبول بعار قصير الأجل، لتمحو عارًا طويل الأجل، لا ضير من أن تتحمل بعض هزيمة واضحة، لتحقق أسباب نصر مفاجئ يمحو للهزيمة كل أثر… ربما هذا صواب لا يخلو من شبهة الخطأ!  فهل نكون حُسينًا أم نحارب يزيدًا كما يحاربنا!! هل نصبح مثلما يدفع بنا زماننا مجرد صور مشوهة ممسوخة لا تتضح معالمها ولا نستبين ملامحها، فقط لأنها تشبه ملامح العصر الذي نحياه، أم نتمسك بما نحن عليه وما نستطيع أن نبقى عليه، وما نستحق أن نكون عليه!!

لم يكشف علي الزناتي تلك الأفكار صراحة أو غيرها من أفكار قد يستنبطها كل قارئ  وفق ما هو عليه، وما يحمل من مخزون ثقافي إنساني اجتماعي، وما يقابل به مواقف الحياة وكيفما يتفاعل معها.. لم يفرض علينا ككاتب رؤية محددة في روايته، ولم يترك تصورًا ثابتًا يؤطر الأحداث وتفاعل الشخصيات بعضها البعض، بل ترك لقارئه حرية التصور والتخيل وفق الاستنباط والاستنتاج الذي يناسبه ويتناسب معه، كما ترك من قبل الحرية لشخصياته لتكون أبطالا بحق في جرامافون، بما فيها ذلك الجرامافون الذي اشتراه رزق الهلالي بنهار أحد الأيام وأفرد له ركنًا في غرفة بمنزل الهلالية، ليكون شريكًا لهم، وشاهدًا عليهم، وربما بطلاً يباري كل بطل فيهم وينافسه.

ترددت نغمات الجرامافون بين قصائد قديمة غنتها أم كلثوم، وأغان شدتا بها أسمهان وليلى مراد، وألحان تغنت عليها بصوتها الملائكي القادم من السماء فيروز الرائعة.. حقبة جديدة وعصر جديد، بصوت عبد الحليم، الذي بقي حتى وفاته أحد رموز جيل 52 أحد أدلة تأثيرهم على المجتمع المصري. ورغم أن الجرامافون لم يبق المصدر الوحيد للموسيقى في الرواية، لقد نافسه الراديو، وكاسيت السيارة، وصوت محمد منير الذي أصبح بظهوره على الساحة الفنية رمزًا جديدًا لعصر جديد، ليشاركه بعد قليل صوت عمرو دياب وهكذا تتضح معالم مرحلة جديدة بأبناء الجيل الثالث من أبناء الهلالية، وحيواتهم التي تختلف كثيرًا عن حيوات من سبقوهم.

ومع هذا يبقى الجرامافون، إرثًا تنتقل ملكيته حتى وإن أصبح صامتًا، اعتراه الصدأ وأصابته الحياة السريعة بنغماتها الصاخبة المتلاحقة. فسيبقى الحب هو الحب، وستبقى الموسيقى هي الموسيقى دليلا على إيمان يحيا بين الصدور، نور مصباح تحمله بقلبك وتمضي وأنت لا تدري أن النور معك بداخلك، وأنك أنت النور.. تلك حكمة علي الهلالي التي أورثها لأبنائه وكتب بها وصية لحفيده.. أخبره أن يحافظ على اسم الهلالية الذي لا يموت.. وأخبره أن الخوف يهزم الإيمان وعليه ألا يخاف فالهلالية لا تموت..

إن ما يلفت انتباه القارئ المتمرس، حيرته التي تصيبه حيال تلك الشخصيات المركبة خاصة من عائلة الهلالية، يتضح هذا بالمشهد الأول والذي يحمل اسم محمد الهلالي، فالقارئ لا يدري بعد حواره مع الكولونيل الإنجليزي، والذي كان بمثابة افتتاحية مناسبة للقاء القارئ بكبير عائلة الهلالية، بين كرّ وفرّ حواري مع الكولونيل، ندرك تمامًا ذكاء محمد الذي اعتبره الكولونيل أحد أسباب فوزه بالجولة الأخيرة، فلقد خرج محمد بأقل الخسائر، وإن كانت تلك الخسارة القليلة موضع شك وشبهة، فهي ليست مكسبًا، ولكنها تأجيل لخسارة أكبر، لكنها تجعلك تتوقف أمام محمدًا لا تدري، هل تحبه أو تكرهه! وفي مشهد آخر بعد توالي الأحداث تستغرب ردة فعل محمد الذي كان سيترك هذا الفتى الضخم يفقأ عين ولده رغبة منه في أن يلقنه درسًا، عن العدل، ولكن أي عدل هذا! وأي عدالة عمياء تلك التي كان يبحث عنها محمد الهلالي؟

إن العدالة كانت فيما فعل رزق أخيه عندما ضرب يد الفتى التي كانت ستمتد بسوء لعين عليّ.. كان رزق من الذكاء والقوة ليحسم الأمر، وإن لم تكن قوته قوة جسده، بل قوة عقله، والتي ورثها منه ابن أخيه وإن لم يدركها، إلا عندما أشار لها عمرو صديقه الذي أخبره كيف يهزم خالدًا ابن عمه رغم أنه الأضخم والأقوى في مصارعة الذراعين ففعل عليّ وهما يلعبان بحديقة منزلهما.

وقتها أدرك عليّ سر قوته، كما أدرك والده وهو يرى المشهد من غرفته أن قوة خالد ستحمي ذكاء عليّ، وإن أدرك أيضًا أن عليًّا يحتاج الكثير من الوقت قبل أن يجد نفسه ويدرك سر قوته. يومها أدرك كبير الهلالية أن قواعد اللعبة ستتغير يومًا، وربما إدراكه هذا كان تمهيدًا لاستسلامه، لخسارة اللعبة مع الانجليز، لقد مات كبير الهلالية قبل أن يموت مختنقًا في القطار مع من ماتوا إثر مؤامرة الإنجليز ضده.

الذكي هو من يكسب اللعبة، ولكن من يحمي الذكي إذا ما أخطأ؟ إنه القوي! ولهذا كليهما صنو الآخر ورفيقه عليه أن يلازمه، تتبدى تلك الحقيقة في حماية خالد لعلي، وفي العلاقات التي جمعت بين أبنائهما، ليتبادل أبناء العم أدوارهم في حماية بعضهم البعض ولتبدو العائلة دومًا وحدة واحدة متماسكة، رغم كل ما تتعرض له العائلة، عندما تختلف مع عائلة الخطاب، أو مع همجية هؤلاء الوافدين إلى قريتهم وشرورهم. يموت القوي على يد الهمج، وينتقم له الذكي ولا تموت الهلالية، مع أن أحد أحفادهم عز العرب قد تربى بين الهمج، إلا أنه بالوقت المناسب تصرف كهلالي، وكان عز العرب برمزية اسمه أحد أدلة بقاء الهلالية، وقدرتهم على الصمود، وبرمزية دوره كعاشق لبهية محبٍ لها، يزود عن شرفها الذي تتربص به لئام الهمج ومن يتحالفون معهم.. برمزية ما يعنيه اسم يزيد هذا الزمان، وآل توفيق الذي يحمل اسمهم إسقاطًا آخر ربما يدركه بعض القراء، وينتهي المشهد بغموض، ودلالة رمزية بإشراقة الشمس. نحن لا نعلم ماذا حدث لعز العرب والشباب الذين رافقوه في المعركة، أو ربما نعلم، حين يأتي المشهد التالي..

الكثير من الإشارات والرموز، والدلالات التي تترك للقارئ المجال للتفكير والتدبر فيما قرأ، ربما تصيبه الحيرة، لكنه رغم هذا يجد نفسه مشدودًا لعائلة الهلالية، يرتبط بهم رغم أن مع مرور الزمن، واختلاف الأجيال، لا يجد في داخله مشاعر خاصة حيال الأحفاد، إنه يحمل مزيج من مشاعر متراكمة حيال تلك العائلة، عائلة بين رزق الهلالي الذي دائمًا ما ينال ما يريد، ومحسن الذي يربح دائمًا مع الفتيات، بين جيل وجيل وبينهما جيل… يجد  القارئ نفسه مُحبًا لهذا وذاك، بين عليّ كبير الهلالية والحفيد عليّ… نتعلق بهم اتفقنا أو اختلفنا معهم، فهم يشبهوننا، سنجد لأنفسنا مكانًا بينهم؛ تقارب أحداث الرواية على النهاية بإشارات تتبدى عن أحداث هامة في تاريخ مصر في السنوات الأخيرة، حادث العبارة، وفوز مصر بكأس الأمم الأفريقية، والشاب الذي هشم الأمن رأسه وملامح وجهه، لتنطلق شرارة ثورة جديدة نتوقف عند واحد من أيامها الأولى، يوم أن مات علي الهلالي.

هناك الكثير من الرموز والتقنيات التي استخدمها علي الزناتي في كتابة روايته، بين مشهد وآخر تتضح طريقته في السرد، ولغته السهلة والعميقة بغير تكلّف أو تصنّع، رغم أن الرواية بأكملها بالفصحى، إلا أن القارئ لا يشعر ولو للحظة بصعوبة ما يقرأ أو ابتعاد اللغة عن مضمون العمل وروحه، هناك شيء جميل في أسلوب علي يتبدى في حواره الناعم العذب، لتبدو نغمات الأصوات جميعها متناسقة بهارمونية يعلمها جيدًا عاشق الموسيقى الذي يستشعرها، بين فقرات السرد أو الحوار، تتصاعد النغمات أو تنخفض، لتتناسب مع المشهد وملامحه الذي تصف. 

أخبرتكم أنني عكفت على مراجعة إعداد الرواية تشاركني موسيقى تحمل الطابع الملحمي، بما يناسب بشكل ما، طبيعة الرواية، وقد يكون هذا من وجهة نظري أنا ووفق قراءتي وتفاعلي مع الموسيقى، ولكنني علمت من عليّ أن هناك مشاهد معينة كتبها بإيحاء من موسيقى شاركته رسم ملامح المشهد وتصاعد وتيرة أحداثه، ربما فاجأني أننا تشاركنا في اختيار موسيقى تنتمي إلى عمل واحد رغم اختلاف طبيعة ما ترسمه الموسيقى من ملامح للمشاهد تلتقي والكلمات المكتوبة.

اعتمد أيضًا عليّ على رمزية اختيار الأسماء، فلم يكن اختياره نمطي أو عشوائي، بل كان مدروسًا بما يتناسب مع طبيعة الشخصية ودورها في العمل، لم تكن دلالات الأسماء واضحة المعنى بل كانت رمزية بشدة، أحسب أنها لن تكون سهلة الاكتشاف على كل قارئ، ولم يكن واضحًا بها إلا أحد الأسماء الذي يسهل اكتشاف ما يعنيه تمامًا على أي قارئ. كما أن بعض ملامح الشخصيات تشبه إما شخصيات عرفها عليّ وصادفها في حياته، أو تشبه بعضًا من طبيعته هو، وإن لم يعلنها صريحة واضحة، فكما قلت سابقًا، هو ليس بكاتب يكتب عن نفسه أو بذاتيته التي يرغب أن يعرفها من يقرأ ويتعرف عليها، فهو فقط له هدف وحيد؛ أن يتعرف القارئ على ما يكتب عليّ، وليس عليًّا نفسه, هو في هذا مخلص لشخصيات عمله، الذي أخبرني أنه عاشهم قبل أن يكتبهم، سهر معهم، ورافقهم لأيام قبل أن يضع التصورات النهائية لما سيكونون عليه، ليس هذا فحسب بل أنه أعد الكثير من التمهيدات قبل الكتابة، وحذف الكثير من الأحداث في النهاية لو تركها كانت ستكشف الكثير من أسرار الشخصيات لتبدو مسطحة واضحة سهلة الكشف والقراءة.

نعم! أنا منحازة كثيرًا لرواية جرامافون، ولكنه انحياز منطقي تستحقه الرواية ويستحقه صاحبها، وأثق  أن من سيقرؤها سيجد فيها أكثر من دليل على ما أقول، وربما أقوى الأدلة على هذا هو تلك العلاقة التي تنشأ بين القارئ وبين شخصيات الرواية، إن إنسانية الرواية التي تعرض لنماذج من الحياة تتضح بين الأحداث الاجتماعية الحياتية، والأحداث السياسية التأريخية التي لا يجد القارئ إشارات واضحة عليها تحمل التفسير أو التحليل قدر ما يجد الحدث مضفورًا في سياق العمل مرتبطًا به دون أن يستشعر مللًا أو توترًا مصاحبًا لعددها أو أهميتها، لتبدو الرواية حياة حقيقية مصغرة وهي على هذا فليست حياة نستعرضها من خلال مشاهد يتم تصنيفها على أنها سيناريو أو معدة على هيئة تقارب السيناريو، فبين المونولوج والديالوج تتكرر المشاهد، وبسرد يتخلله الحوار ووصف يتقاطع معهما بنسب أراها في أغلب الأحيان متكافئة، أو لأقول أن عليّ كان من الذكاء ليربط بينهما بلغته العذبة التي تأخذك متنقلاً بين هذا وذاك فلا تستشعر تفاوتًا زمنيًا أو مكانيًا بينهما، لتبدو الصورة متناغمة مع الأصوات التي تكشف عنها، وتصفها، ويبدو المشهد خلال إطاره لا يغادره لأنه لا يحتويه، أو ينكمش في مساحة منه مخلفا وراءه الخواء أو الفراغ، الذي يجعل القارئ يشعر بأن هناك شيئًا ما مفقود، أو أن هناك شيء من عدم الارتباط تتبدى ملامحه بين مشهد وآخر، أو في سياق المشهد بأكمله.

أستطيع بكل صدق أن أقول أننا أمام كاتب موهبته قوية وعميقة، ومع هذا ناعمة وسلسة بالحد الذي يسمح لها الولوج لقلب وعقل القارئ من خلال العمل، وأحسبه سيبقى هكذا في أعماله القادمة إن لم يزدّ على تلك الموهبة ويضيف مزيجًا من خبراته ونضوجه الذي ينمو كلما تقدّم بالعمر وأصقلته التجارب.

ها أنا ذا بعد سنوات من تعلقي برواية وضعتها في قائمتي القصيرة جدًا لرواياتي المفضلة، أضم إليها بمنتهى الفخر رواية جرامافون وأنتظر عملا جديدا لعلي الزناتي يؤسس لموهبته ويرسي دعائمها، وإلى ذلك الحين، سأترك لجرامافون، صدارة المشهد، وخاتمة اللحن. وبعض فقرات اخترتها من الرواية.

 

 “رأى أنه لابد من اللعب الهادئ الآن فقد عقمت الأمهات عن ولادة رجل يسيطر على امرأة طوال الوقت، نعم هو رزق الهلالي لكنها امرأة في النهاية”.

 

“ألذلك إذًا خلقنا الله، يختبر بصيرتنا وليس إيماننا، تنظر في النهاية إلى تلك النفوس التي عرفتها لتعلم ما إذا عرفتها حقًا أم لا، أأسعفك عقلك لتوقن الحقيقة؟ أفهمت حقا ما الغاية”؟ أفهمها أحدهم من الأساس؟

 

 “ظنت أنها فقدت القدرة على الفرح. يوم أتاها خبر رزق ظنت أن كُلّ شيء قد انتهى، ستجلس تناجي السماء كما فعلت هنيّة، ستفهم دنياهم الزائفة تلك كما فهمتها هنيّة أو على الأقل كما ادعت أنها فهمتها، حاولت حقًا أن تنظر إلى السماء تلتمس الذين رحلوا دون وداع، لكنها أيقنت أنها مختلفة، ليست هنيّة ولن تكون يومًا، رأت رزق حقًا لكنها رأته يعنفها رأته يأمرها أن تنتبه لبيتها، لا زال هناك ما يستحق العيش لأجله، هي وجدت ذلك السبب الذي سيدفعها للاستيقاظ كُلّ صباح، ستعيش بعينيه، ستستغل لحظاتها كما استغلها هو، لن تموت كما ماتت هنيّة، حينما يأتيها ستبتسم في وجهه لأنها لم تفوت شيئًا لتندم عليه، مات رزق لكنها بقيت وستستغل بقائها ذاك بأفضل طريقة ممكنة”.

 

“لا تسخري مني، حقًا كان ملاكي، من الصعب الحفاظ على روحك وسط أخطاءك، أن تظل قادراً على الحب رغم أن كُلّ ما يتوقعه الجميع منك هو الكره، رزق أخطأ لكنه ظلّ رزق الذي رأيته لأول مرة، لم تُفقده الأخطاء ما أحببت فيه”.

 

“رأيت من يهرع إلى تمرات ليسد جوعه بعد أن فرغ من صلاته التي دعا فيها ربه أن تأتيه الرصاصة على باب الأقصى ليموت شهيدًا على عتبة أولى القبلتين، رأيت من يهلل لانفجار رأس إنسان لمجرد أنه على الجانب الخطأ، على الأقل من وجهة نظره، أي خدعة تلك، أي رب ذاك الذي يُدَّون في خانات بطاقات التعريف ويهجر القلوب، سمعنا يومًا أحد الأخوة ينادي بيننا وهو يبكي………”

“لِمَ خلق الله تلك المياه للكُلّ، لِمَ لم يعفِنا من معاناة الاختيار، لِمَ لم يستمع لملائكته، ماذا رأى بالبشر، ولِمَ لم يعطنا القدرة على رؤية ما رأى، أمن العدل أن تحفر النفق فتلقيني فيه دون أن تخترع المصباح، هل تسعده رؤيتي اتخبط في طريقي، أيراني من الأساس أم أنه يأس كالأب الذي يأس من استقامة من ولده عاقًا”.

 

“سألها بنبرة من يختنق ويبحث عن منفذ هواء، لم يرد أن تراه بهذا السوء، ليته يفهم أنها لم تراه سيئًا قط، هو فقط تائه، تمنت لو مد يده إليها ولو لمرة، أن يثق بها فتحتضنه، حينها سيجد نفسه بقلبها”.

 

– هم ليسوا بالملوك.

– بل هم أسوأ، هم ذوو السلاح، دول العالم أجمع تسير بنظمها نحو الديمقراطية وأحرارك يلغون الأحزاب ويقصون المعارضين ويحاكمون الضباط ويجردونهم من رتبهم وكأنهم يعودون بنا إلى تلك العصور حين عُبِدَ فرعون من رعيته، صدقني سيأكلون في أطباق الفضة وأمثالك سيتجرعون الطين ويمسحون الخراء، الغريب أنهم سيجدون من يبرر أفعالهم فقط لأنهم يدّعون بأنهم السبيل الوحيد لبقائك حُرًا، كُلّ فضيلة تراها منهم اليوم سترتد إلى نحورنا جميعًا في القريب العاجل”.

 

“أسوأ مزحة في التاريخ.

لم يستطع أن يستوعب كيف تحول الأمر بتلك الطريقة، كيف صرنا منسحبين مهزومين بعد أن كنا على مشارف تل أبيب، كيف أسقطنا عشرات الطائرات المعادية، طائرات انفردت بجنود لتنفتح عليهم أبواب جحيم السماء، جنود تعرّوا أمام العدو ليلهو بهم لهوْ القط بفريسته، لم يفهم كيف ادّعينا أننا حماة الحرية بالعالم في الوقت الذي لم نقدر فيه على حماية أراضينا، منتصري 56 مشوا أذلاء بطوابير الأسرى، محرري اليمن ضُرِبت طائراتهم على الأرض قبل أن تَطِّر“.

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .