الرئيسية / احدث التدوينات / خُبْزُ الغَريبْ

خُبْزُ الغَريبْ

بقلم: أنس مصطفى

 

(1)

هأنَذَا يا أجنبيَّةُ أتفقَّدُ وَجْهَكِ  في السُّلْوانِ،

وأسكُبُ السُّهَادَ على حُطَامِكْ..

هأنَذَا في اللَّيلِ مُثخنٌ بالأصْدَاءِ والمواقيتْ، أتشرَّدُ في الفَلَوَاتِ الَّتي من ذُهُولٍ  مُطبِقْ، مَشدُودٌ بأنداءِ البعيدِ وأسرابهِ الضَّائعةْ، غاربٌ مثلُ  شِرَاعٍ أوهنتهُ الظُّنُونْ..

هأنَذَا مِثلُ  قِفَارٍ سَاهِرَةْ،

مثلُ  شُجُونٍ  أوقدتها المغَارِبْ.

..

..

(2)

هأنتَ  ذَا يا أيِّلَ البِلادِ الضَّرِيرَةْ،

هأنتَ  ذَا يكتُبُكَ  النَّابُ وتتهجَّاكَ  المخالِبْ،

هأنتَ  ذَا في شُرُودِ الطَّرَائدِ لا تَزَالْ.

(3)

أيَّها الغريبُ  في القَفرْ، من سرقَ  نواحيكَ  وألواحَكَ  يا غَرِيبْ، منْ طمسَ  حروفَكَ  ثمَّ دلَّ  عليكَ  النُّحَاةْ، امضِ  هاهيَ حَافِلاتُكَ  في ترقُّبِ التَّفَاتِيشْ، امضِ  هَاهُو زَادُكَ  في بُرودِةِ العَوَامِيدْ، امضِ  هاهيَ العَتَبَاتُ والجُسُورْ، التَّلوِيحاتُ والأسَفْ، امضِ  لكيلا تنتابُكَ  صَرخَةُ الطَّرائدْ، لكيلا الأنقاضُ   تعلوْ عليكْ. 

(4)

هأنَذَا حَامِلٌ محَاَرِيثِي وَسِلالِي مِن الوجَعْ، مُتشبِّثٌ بطفُولةِ الصَّبّاحَاتِ وَغَيمَاتِهِ الملوَّنةْ، في المحطَّاتِ والتَّفَاتِيشْ، أترقَّبُ شَجوَاً يُقلِّنيْ، أُلَملِمُ ما تَحَاتَّ على الطَّريقِ منِّىْ، منذُ تِيهِيْ وغُربَتيْ، أتدثَّرُ والسُّفَّارِ بالصَّمتِ والحَكَايَا، الحَكَايَا التي من شَجَنٍ  وَظَلامْ..

كلُّ شَيءٍ يتقوَّضُ حَولكْ، وكأنَّكَ أجَّلتَ الخَسَاراتِ يَومَاً تِلوَ آخرَ حتَّىْ امتلأتْ وِديَانُكَ  والوِهَادْ، فكيفَ تنجو وأنتَ  مُثقَلٌ  بالضَّياعِ هَكَذَا؟ 

كيفَ تنجو وقد أثخنتكَ  البِلادْ؟

(5)

 

يا أيها الأملَ الشَّريدْ،

يا صَريرَ البِيبَانِ أُصِبْنَا بالرَّوَائِحْ، فالوحشةُ والأجيجُ قَدْ برَّحَا بِنَا، خُذنَا إلى العَسَاليجِ يا أمَلْ، ها نحنُ نُعِدُّ لكَ السُّرُوجَ والرِّحَالْ، خُذنَا عبرَ المرَاتِجِ كُلِّها، وإيَّاكَ  والنَّكْثُ يا أَمَلْ، لا رَمَقَ  ولا مَنَاصْ،

لا منَاصَ   يا أَمَلْ.

 (6)

 

يا أيها الغريبُ تجنَّبتكَ المنَاهِلُ  وَقَسَتْ عليكَ الظُّروفْ، خُذِ المَعَاوِلَ  واستأنِسْ  العَتَماتِ ولا تَئنّ ولا تجنَحْ، واعبرْ بجناحٍ رَحِيمْ وإنْ استبدَّ بكَ القَهرُ وإنْ نادمتكَ المَفَاوِزْ، فالطَّريقُ طريقُكْ، وإيَّاكَ أنْ تتلفَّتَ لا رُجُوعْ، عَلَيْكَ المضِيَّ وإنْ اقتاتتْ عَلَيْكَ ألفُ عَتمَةْ، هِيَ ألواحُ النُّورِ أو المَرَاثيْ، فإيَّاكَ  ينتابُكَ  الفَقْدُ ويوحِشُكَ  الحَنِينْ، إلى أنْ تجدَ الأبوابَ يا غريبْ، فإنْ وجدتها وجدتَ  ثِمَارَكْ.

(7)

وإذَنْ يا غَريبْ، هَاهِيَ ذِيْ  صْبَاحاتُكَ  قَدْ شَهُبَتْ.

هأنتَ  ذَا تَتَقَاسَمُ خُبزَ النِّسيَانِ المرِّ معَ العَابرينْ، جَالِسٌ  على العَتَبَاتِ ذَاتِها، تِلكَ  مَسَاكِنُكَ البعيدَةُ يا غَرِيبْ، تِلكَ  مَسَاكِنُكَ التي حِيكَتْ مِنْ أَسْمَالِ الذَّكريَاتِ  وَأيَّامِهْا، تلكَ  مَسَاكِنُكَ  بأجْرَانِهَا،

بِقَمُوْحِهَا ومَحارِيثِهَا،

بقَمَاريهَا وِنَارِنجِهَا،

بنقشِ  آنِيَتِهَا،

بندَىْ  أُزْيَارِهَا،

بِنَوَافِذِها،

بحبالِ غَسِيلِها،

بالنَّجَّادِينَ ينفِضُونَ قُطْنَ أعيادِهَا،

تِلَكَ  مَسَاكِنُكَ البَعيدةُ يا غَرِيبْ، تلكَ  مَسَاكِنُكَ  مشغولةٌ بالأمَلْ، تلك مَسَاكِنُكَ  عندَ نَحْرِ الظَّهيرَاتِ فهلْ تَرَاهَا؟ تلكَ مَسَاكِنُكَ بِرَواكِيبِها التي مِنْ ذَهَبِ المقيلِ وَلَيمُونِها، تلكَ مَسَاكِنُكَ أيُّها الغريبُ بكِسْرَةِ إفطَارِها وَقَهَوَةِ فجرِهَا تَفتحُ البِيبَانَ لَكْ، تُغدِقُ أَحضَانَها على نَوَاحيكَ  فَخُذْهَا، وانْهَرْ اليأسَ  المقرفِصَ   في عتَبَاتِكَ  يَا غَرِيبُ  وخُذْهَا،

يَنتَظِرونَ دربَكَ  يَا غريبُ فالحقْ  بهمْ..

ينتَظِرونكَ  بالفَوَانِيسِ  أوَّلَ اللَّيلِ فالحَقْ  بهمْ،

يَنتظِرونكَ  بالحكاياتِ  فالحَقْ  بِهمْ،

يَنتظِرونكَ  بالمَشَاويرِ فالحَقْ بِهمْ،

وانسَ  المآتمَ،

انْسَهَا يا غَريبْ.

.

.

ـــــــــــــــــــــ

أنس مصطفى

شاعر سوداني.

صدر له:

نِثَار حولَ أبيضْ، شعر، ٢٠٠٦

سُهْدُ الرُّعَاةْ، شعر، ٢٠١١

صباحاتٌ قَرَويَّةْ، شعر، ٢٠١٦

تقريباً غيرُ مرئي، ترجمة عن مارك ستراند، ٢٠١٨

تَهَدَاب؛ قَمَرٌ يتنهَّدُ في عتمةِ الشَّظَايَا، ٢٠١٩

 

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة