الرئيسية / احدث التدوينات / ليلة الغدر (الثالث من يونيو-التاسع والعشرون من رمضان)

ليلة الغدر (الثالث من يونيو-التاسع والعشرون من رمضان)

كانت الأيام والليالي الأخيرة من رمضان بميدان القيادة حافلة باستعدادات العيد والبهجة تملأ النفوس. كنا نعلم أن من يمسكون بزمام الأمر في الخرطوم هم ثُلة من الأوغاد المؤتمرين بأمر الخارج. ورغم الإحساس الكبير بأنهم ضاقوا ذرعاً بالاعتصام أمام مباني قيادتهم إلا أنه لم يكن أحدنا يستطيع التنبؤ بموعد انقضاضهم على المعتصمين. فكانت الدعوات لصلاة العيد الجامعة منبئة بحدث عظيم وفرح كبير، الجميع يترقب ليلة العيد. ولسوء تقدير كبير ربما اعتقدنا أن خواتيم شهر رمضان والعيد قد تقي الاعتصام شر الطغمة المستبدة الحاكمة، ولكن كيف ذلك وهم أرباب الظلام، أبى شرهم إلا أن يغتالوا فرحة العيد وبدلاً عن ترقب ليلة القدر كانوا يصنعون للمعتصمين ليلة مختلفة لا حرمة فيها ولا رحمة. كانت ليلة الغدر بتوقيع المجلس العسكري.

المجلس العسكري الانقلابي المجرم اختار أن يكشر عن أنيابه. فغدر بالمعتصمين وفي فجر الثالث من يونيو لعام 2019 أرسلوا جنودهم وتجمعت قواتهم حول الاعتصام. أحس الثوار بالحركة المريبة وبدأت التحذيرات تنتشر من أنه ربما تجري محاولات جادة لفض الاعتصام في ساعته تلك. لم يكن أحد ليتخيل السيناريو الذي تحمله الساعات القليلة التي تلت ذلك، هجمت قواتهم المشتركة على ساحة الاعتصام فاستباحوا فيها دماء الثوار الكرام وأعراضهم لا تفوتهم في ذلك حجتهم الواهية أنهم يقومون بتنظيف منطقة كلومبيا، تلك الكلومبيا التي أُصدِر الحكم بالإعدام في حق أهلها دون محكمة أو قاضي أنى يكون ذلك؟! ورغم أن العديد من الشهود أكدوا أن منطقة كلومبيا تم إخلاءها قبل هجومهم على الاعتصام بيومين إلا أنهم أصروا على الرواية البائسة. لا ليس ذلك وحسب لم يتسنى لهؤلاء القتلة أن يتذكروا أنهم اقتحموا بالتزامن عدد من الإعتصامات القائمة في بعض الولايات غير العاصمة الخرطوم حيث الاعتصام المركزي، يا لطول شارع النيل ويا لسطوة كلومبيا التي يتم نظافتها بعرض السودان في تاريخ واحد. ربما من خطط لمجزرة القيادة يضاهي في الوحشية والغباء قاتلي الصحفي السعودي “خاشقجي” فتلك القوات المشتركة التي هجمت على المعتصمين كانت مهيئة كمن يتهيأ لساحة القتال بالأعداد والعدة لم تكن لتخطئ هدفها كما روج المجلس العسكري لاحقاً في أحد بيناته، هي نفذت ما آتت لأجله فاقتحمت ميدان الاعتصام أمام أعين قيادات الجيش ومنسوبيه الذين وقفوا متفرجين على المجزرة، قتل وإغتصاب وحرق للخيام ومطاردة للمعتصمين مع اقتحام لكل الأماكن في محيط القيادة، دون ذلك حملة الإرهاب التي تمت في شوارع مدينة الخرطوم من قبل منسوبي الجنجويد. كيف لكل لذلك أن يكون كما وصفه الناطق باسم المجلس العسكري “كان هنالك خطأ وانحراف في خطة فض الاعتصام فحدث ما حدث” لم ترجف نبرة صوته ولم نتحسس منه الأسى وهو يسمي مجزرة القيادة استخفافاً وتفادياً للعار الذي يلف أعناقهم فيقول عنها “حدث ما حدث”.

ربما فات على قيادة المجلس العسكري حينها أن هذا الاعتصام الذي كان تشريفاً للجيش لم يكن أهلاً له فضاق مجلسه به ونكثوا عهدهم الذي رددوه مراراً “ألا نية لفض الاعتصام بالقوة” العبارة التي ذكرها البرهان وكررها أعضاء المجلس كثيراً كفيلة بأن تجعل عدد من الأمهات والآباء يطمئنون لذهاب أبنائهم إلى ساحة القيادة التي تحولت إلى ساحة الشهداء. هذا الاعتصام نفسه لم يكن تشريفاً وحسب بل كان يمثل سنداً أخلاقياً لوجود المجلس العسكري فقد أعطاه صفة الشراكة الثورية بخلعهم لرئيس النظام السابق وتعهدهم بحماية المعتصمين ودون الجزء الأخير لأعتبر انقلابا عسكرياً منذ الوهلة الأولى. ورغم أن من قام بحماية المعتصمين هم صغار الضباط بالقيادة العامة، لم يكن البرهان لم يكن حميدتي لم يكن أي من المتربعين حالياً في المجلس الانتقالي من بين الذين حموا الثوار. ولكنهم خرجوا يتندرون بما كان يود أن يفعل المخلوع بالمعتصمين لولا تدخلهم حتى دارت الدائرة ففعلوا فعلة المخلوع التي استنكروها. فيخرج علينا رئيسهم البرهان بكل جبن يحدث الناس عن شكره لقوات الدعم السريع والقوات المشتركة التي نكلت بالمعتصمين تشهد على ذلك كاميرا منسوبيهم ممن أعطوهم التعليمات بعدم التصوير إلا أنهم لتوحشهم إستمرأوا العذاب فأرادوا التوثيق لزيف انتصارهم وهم المدججون بالسلاح أمام الثوار العزل. هذا المشهد المؤلم كشف حقيقة ما تواجهه الثورة السودانية اليوم، امتداد النظام البائد لقد سقط أحد الأقنعة وهاهم “الكيزان” أفرزوا وجوهاً جديدة واصطفوا ولكنهم أكثر عوراً.

لم تقف جرأتهم حد مجزرة القيادة بل أعملوا آلتهم الإعلامية تعتيماً وتضليلاً، وأوقفوا خدمة الإنترنت منذ يوم المجزرة وحتى تاريخ كتابة هذا المقال، كل ذلك خوفاً من الحقائق التي لا يستطيع كذبهم أن يقف أمامها. ربما أوحى لهم خيالهم المتردي أنهم بذلك يهزمون الثورة أولم يسمعوا بعظيم الثوارات في تاريخ العالم لم تفز بقوة الإنترنت بل فازت بقوة الحقيقة وبإرادة الشعوب، لا ننكر دور الإنترنت متمثلاً في وسائل التواصل الاجتماعي ولكن العقل يحكم المشهد متى احتجنا والمعركة السلمية لا تعوزها الوسائل ولا يهزمها الزمن.

مر السودان بأزمات كثيرة جداً وضعت خطوطاً فاصلة ومرجعية في تاريخه. وثورة ديسمبر هي الحدث الأجمل في تاريخنا الحديث. التواريخ في هذه الثورة تتالي محفوظة في ذاكرة الشعب، المواكب واحداً تلو الآخر، الإضرابات، الوقفات الاحتجاجية، الإعتصامات بميادين الأحياء، فعاليات الثورة، اعتصام القيادة بجماله الدفاق ونهايته التي حفرت تاريخها بالدم، العصيان المدني المشهود، والأزرق من أجل السودان. مازال التاريخ يُسطر حتى يتحول الحلم حقيقة “حرية سلام وعدالة سودان ديمقراطي جديد” فنكتبها كما نادى بها الشهداء والناجون والثوار “مدنياااااو”.

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .