الرئيسية / احدث التدوينات / هل أنت مستعدٌ لفقد عالمك؟[1]

هل أنت مستعدٌ لفقد عالمك؟[1]

 

“ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، ولكن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم.” كارل ماركس.

 “الوجد الحاصل عن التواجد لا يُعول عليه.والوجود الذي يكون عن مثل هذا الوجد لا يُعوَّل عليه.”ابن عربي.

احتفى العالم بابن عربي لترسيخه الحب أساسا للحياة ترتد إليه الغايات وتنطلق إليه البدايات، فيُسألُ القلبَ عنه إن كان في القلبِ منه. وما بين الغاية والبداية تبدأ الرحلة ويتجلى المُراد فيبدأ الجهاد. وبما طُبعنا بآلية اليوم فتطبَّعْنا، سرعان ما يُخفق التصور في الصمود أمام تدفق الحب وتفجُّرِه. في الطريق إلى الحقيقة/الحب تنهارُ أبنية المُخيلة. نخوض حروب التوقع؛ نحزن ونثور ونُزمجر. إلى أن تخلو بنا الدروب، وما ثم حينها إلا الحب/الحق. الحب الخالص: الوجه الأوحد للحقيقة، دون توقع بعد قصف الحب لصروح التوقع. وما ثم بعدها إلا الحب والمحبوب وعطاء غير مجذوذ وألم وفقد وافتقاد دون تحطم وبقاءٌ به وله. كيف ستتلو آياتِ ألمك على الأصدقاءِ إن لم يثبُت صدقهم، أو حتى على الأحباب إن لم يثبُت حبهم؟! فالنفس العليمةقوامها الحب؛تشعرُ بك دون أن تُضطَر لتلاوة حيرتك وألمك؛ تتلو عليك أفكارك وأحوالك بكلامٍ لينٍ وتعبيرٍ أوضح. وماذا حقًا يؤلمُك؟! تؤلمك صدوع انهيار توقعاتك لعالمٍ حسبته مثالي وتبينَ لك كم أنه أناني؛ بنيته لك وحدك من أشلاء أحوالك العاجزة وتقلباتك الجامحة تقنينًا لها إرادةً لعكسها طمعًا في القوة استغناء بالعقل والنفس؛ لقد رفضت إنسانيتك.لماذا عندما خوى الحاضر بات الماضي يُؤلمك؟ ولماذا عندما خبا الماضي صار الحاضرُ يُفزعك؟ فحصَّنت بالتصورِ قلبكَ من أي ألمٍ يوهنك!

ما كان ظنك بالحقيقة؟! سهلة ومسلية ومرغوبة؟!إن كانذلك فهي إيديولوجية صنعها خوفُك وليدُ نهمِكَ في الاستزادة من اللذة. ولكن رفضك للرغبة والخيال لخداعهما والسراب، والمادة لجفافها والجفاء لم يُبقِ أمامك من طريق تُسلَك إلا طريق الحقيقة/الحب؛ مرآتُه عاكسة وتوقعاته معدومة، ولكن اختباراته صعبة وصفعاته قاسية قد تقتلك إحداها.الحقيقة أولى بك من الخيال. قبل كل كلمة أكتبها أو أقولها أفكرُ مليًا مخافة الامتثال لرغبةٍ في مسايرةِ تيار هوىً لدي ودَّ لو سايرته، أو الانبراء للتحدث بلسان إيديولوجيا ما تفتنني وأخشى السقوط فيها فأكن بذلك أنا الذي لا أريد.

تُؤلمُك الحقيقةَ لأنك لا ترتضيها. تبحثُ عنها لتتسلح بها في تحصين نفسك وقلبك منها. تدركها روحك ولكن قلبك غير معلق بها. ترومها لتستخدمها فتقوَ بغفلتك عنها،لا لتستيقن أنها أقوى منك وأنك قويٌ بصبرك على نفاذها فيك.يودُ قلبك لو كانت الحياة مسلية وكانت النظريات منطبقة وكان البحث مُفضيا بك إليها، فتجد اليقين، وتستريح، فتستقيم لك الدنيا على غفلة قلبك واعوجاج عملك، فتستجب للتمنيات نفسك فتضمحلُ أناك فتزهو بترفعك وتكن لك سلطة على القلوب ويُشار إليك بالبنان! هو ذا ما يرنو إليه قلبك المُتلهف على ملكوت الدنيا المٌتغافل عن حقائق السماء.

لابد أن هناك زمرة نبذت كل النسخ المرغوبة عن الحقيقة فلم تنتمِ لإيديولوجيا ولم تتحدث بلسان رغبة ولم تنتهِ ليقين فاستحالت لهم الحقيقةُ حقائقَ صغيرة غير مريحةٍ كالصبر والصدق والحب. نعم، الحب .. لماذا تودُ لو أفضت كل الطرق بك إليه؟ وكثيرًا ما تُفضي. ولماذا تُجهد نفسك في تعريفه وقد عرفه ابن عربي في ما لا يُعوَّل عليه في الحب؟! عندما تعرَّي كل حب لك من الرغبة تبدَّى لا يُعوَّل عليه فنبذته، وكم آلمك النبذُ حين استبان لك كم كان الدور الذي لعباه الرغبة والتمني في إيهامك بالسكينة! كم أسلماك لخيال سرمدي لم يعرف حدودًا يقفُ عندها ولا جَهدٍ يُبذَل؛ ما من جهادٍ مع الخيال، بل استسلام مرغوب لتياره. كيف يمكن أن يكون أي شئٍ مرغوب حقيقي؟! كيف لم أنتبه أني كنت أهربُ في الخيال وأتهربُ في التمني! الحقُ أن حاجة الناس للطعام والشراب والحب والعلم، أي حفظ بقائهم وقلوبهم، حقيقية أكثر من النظريات التي يُعدُ معظمها نتيجة لطعامٍ لم يُؤمَّن أو حبٍ لم يُبذَل أو علمٍ لم ينفع فاستحال الحرمان رغبة مستوحشة في الإعلان عن النفس. حقًا، وكم غاب عني ذلك الحق، يقودنا عدم الاهتداء إلى الحب إلى تقديس ذواتنا، وكم يُدمرنا حب النفس فلا نرى موقعها ولا نعترف بقدرتها.

كلما رأيتُ مجذوبًا يجوبُ الشوارعِ تساءلتُ ماذا جذبه؟ سرعان ما أتذكر مقولة نجيب محفوظ: ” إن لم تستطع أن تستلفت أنظار الناس بالتفكير العميق الطويل فقد تستطيعه بأن تجري عاريا في ميدان الأوبرا.” قد يكون هذا المجذوب نسخة متأخرةً مني قد أصيرها إن لم أستطع استبدال الإيديولوجيا بالحب، والحقيقةَ بالصبر. نعم، قد يحررني تفكير ابن عربي وفلسفة مارتن هيدجر فأقفز خارج معطيات الزمان مُستكشفًا كينونتي. عندما أنصتُ لأم كلثوم وهي تشدو في أملٍ ما ورائي “زرعت في ظل ودادي غصن الأمل وأنت رويته” أشعرُ بها تحلق خارج إطار الزمان وتتحرر.. فأتحرر. إذ كيف بي أُترجم تماوج تنهيداتها مع الموسيقى، بل فوق الموسيقى!

ولكن أنى لي التغريد خارج السربِ في عالمٍ مُسيَّج بالإيديولوجيات المتنافرة؟! إذا سمحت لفكري أن يكون مرادفًأ للشعر كما عند هيدجر، أو سمحت لذوقي وكشفي بقيادي كما عند ابن عربي لنبذني عالم اليوم لهدمي بنيان أوهامه.عالم بقدر تنظيمه باتت قابليته للسقوط في الفوضى. فكل تلك الثقافات التي تدعي التعددية وقبول الآخر هي في الحقيقة أنوية تدعي تقبُل الآخر كي تضمن لنفسها البقاء على اعوجاجها، وبقدر انغماسها في بلورة وتقديس ذاتها بقدر نبذها لكل ما هو مختلف عنها. كيف نفسر إذن شتات الشعوب وزوال الأعراف وانتفاخ البشر بذواتهم ولهاثهم خلف أحلام علوِّهم؟! لا عجب إذن أن كل شيء أصابته لوثة التأويل فبتنا في حيرة من كل شيء وبات لكل مؤوِّل نسخته المرغوبة من الحقيقة! لا يروقني اليقين المُفرط الذي يتحدث به البيروقراطيون أو الرأسماليون في واقع ديموجرافي مُقسم بين الشركة والدولة. إنهم يوثقون وجودهم بإتقان أدوارهم في عالم يزخر بالكثير من الممثلين والأشباه!

بين الإيديولوجيا والحقيقة:

لا يعجبني الحديث عن بشريتي. يمنعني رسوفي في قيودها من اعترافي بها. أمارس الحياة بمنطق وقوانين مثالية صارمة. أتغاضى عن أخطاء الآخرين لأنهم ليسوا ضمن عالمي ولكني لا أعامل نفسي بالمثل. ولكن حين يأخذنا الحديث إلى، أو يأخذني التفكير في الصنو/النصف/الخضر، فلا أجدني قادرًا على التزحزح قيد أنملة عن قلب مثالي وعقل يحترم صوت القلب وإن لم يطعه.

يقول شمس تبريز ” إذا كنت تبحث عن الكمال فأنت لا تبحث عن الحب لأن معجزة الحب تكمن في عشق العيوب.” يُشبه شمس تبريز في القول المنسوب إليه سابقا الحب بالمعجزة نظرًا لصعوبة التخلص من التوقعات، وبالتالي من الأنا، فيه. فالتوقع هو امتدادنا الفكري، وبالتالي تقييم الآخر وفقا لذلك الامتداد. التوقع هو مثالية صارمة وتفكيرات مُخزنة ذهنًا تحكم على ما هو كائن بما تقول الحسابات بوجوب كينونته. تَدينُ تلك الحسابات الصارمة ببنوتها للرأسمالية المتوحشة؛ عندما يفكر الإنسان مثل الآلة فيعلو ويهبط ويتكلم ويصمت ويحب يكره وفق قيم معرفية موضوعة سلفًأ!

تُبذلُ الأنا طوعًأ أو كرهًا للمحبوب. وتبذلُ عندي طوعًا وكرهًا حبًا في الحب. حبي مشروطٌ بمبحة المحبوب لذاته الأفضل، فيطلقها ويحبسها ويبذلها تقيُدًا بها ونشدانًا وابتغاءًا لها. أنا ليست هنا. يُخطئُ المحبون ولأنفسهم يقمعون حين يظنون أن الحب يمكن أن يُبذل على غير محراب الحب. يُجسِّد ُالآخرَ قيمًا أخلاقية وثقافية ومعرفية، وصفات شخصية وسمات نفسية، بنا، أو نشعرُ بها وهو يجسدها،أو نتمنى أن نكون عليها ولا نستطيع، أو نستطيع وهو متمرسٌ بها، أو امتنانًا وتقديرًا لتقبل وحب الآخر لنا، أو نحنُ له رغم انتفاء السابق كله إلا حبه لنا وحبنا له اللذانِ يرتدانِ بالضرورة إلى تذوقِ سمة نفسية وليدة صفةٍ شخصية وليدة قيمةٍ أخلاقية تُلهمُ معرفيًا من علِ. ماذا تأسرُ فينا نظرة العين أو بهاء الهيئة، أو رصانة الحديثِ وهوينا المشية؟ يمثلُ السابقُ تجسيدًا فريدًا، لا ترديدًا، لتصورٍ مُدرَكٌ بالقلبِ أبصرته العين فأحالت الرؤية مخزون الرؤى والخبرات والأمنيات حياةً تُحيا بعد أن كانت طموحًا يُراد..كلُ حبٍ لا يتعلق بنفسه وهو المُسمى حُب الحُب لا يُعوَّل عليه.[2]

يقولُ ابن عربي في موضعٍ من الفتوحات:

” في كل ِ عصرٍ واحدٌ يسمو به              وأنا لباقي العصر ذاك الواحدُ

ذلك أني ما أعرفُ اليومَ في علمي من تحققَ بمقام العبوديةِ أكثرَ مني، وإن كان ثمَ فهو مثلي، فإني بلغتُ من العبودية غايتها؛ فأنا العبدُ المحضُ الخالص، لا أعرفُ للربوبيةِ طعمًا.”

ويقولُ في موضعٍ آخر:

” كان أشياخنا يحاسبون أنفسهم على ما يتكلمون به وما يفعلونه ويقيدونه في دفتر، فإذا كان بعد صلاة العشاء دخلوا بيوتهم وحاسبوا أنفسهم وأحضروا دفترهم، ونظروا فيما صدر منهم في يومهم من قول وعمل، وقابلوا كل عمل بما يستحقه إن استحق استغفارًا استغفروا وإن استحق توبة تابوا وإن استحق شكرا شكروا إلى أن يفرغ ما كان منهم في ذلك اليوم، وبعد ذلك ينامون. فزدنا عليهم في هذا الباب بتقييد الخواطر، فكنا نقيد ما تُحدثنا به نفوسنا وما تهمُ به زائدُا على كلامنا وأفعالنا.”

لم يكن شيخي إذن مثالي، بل كان يُجاهدُ كيلا يكونَ كذلك، إذ كان يُنكرُ ذاته ويُجرد نفسه من أي فخار بها إلا فيما يتعلق بكونه عبدا خالصا لله لا إرادة له إلا ألا يريد؛كالحجارة التي تسقط في المكان الذي نقذفها نحوه. يوجهنا ما زاد به على أشياخه في باب محاسبة النفس من تقييده لخواطره وما تحدثه به نفسه، أو نفوسه إن صح القول، بتنقيحه لتفكيره من كل تصور قد يُشكل توقع.إنه يُخلي نفسه من أناه ويُهيمن تفكيره على فلسفة هيدجر في هذه النقطة حيث يُجيب نهج تفكيره عن تساؤلات هيدجر حول معنى الكينونة. بل يُجسد نهج تفكير ابن عربي الإنسان الكامل التي تُبلور فلسفة هيدجر كينونته. يقول هيدجر “فإن التساؤل يملك بما هو تساؤل عن .. المسؤول عنه (الكينونة) الذي من شأنه. وإن كل تساؤل عن .. هو بوجهٍ ما استخبار لدى.[3]هنا يشير هيدجر إلى أن المتسائِل إنما يستخبرُ نفسه ومن ثم فإن خواطره حول تساؤلاته إنما هي تخريج لكينونته، وهو التخريج الذي نقحه ابن عربي بتقييده لخواطره في باب محاسبة النفس. كما أن هذا “الاستخبار لدىالذي وجهنا إليه هيدجر هو نفسه “رائحة القلب” التي قال بها ابن عربي:” كل كلام يخرج وعليه رائحة القلب الذي خرج منه.”وبينما يتوقف هيدجر عند “لماذا نسأل؟” أو “المسؤول لأجله”الذي به يبلغ التساؤل غرضه يُكمل بنا ابن عربي في طريق “إصلاح الكينونة/القلب/النهج”عبر توظيف معالم الكينونة التي تم استكشافها والتعرف عليها سلفًا. فالنفس العارفة التي تظن في نفسها الكمال تبحث عن الصنو، والصنو هو جوهرها دون مظاهرها التي ركمها الفكر والبحث. لذا فإن الحب عند ابن عربي هو الصخرة التي تتحطم عليها الأنا ويستقيمُ بها النهج وينصلحُ بها القلب.

إذا كان هناك من يتحدث هكذا عن الحب الذي هو عكس الكمال وعكس المثالية بوصفها مجموعة من التوقعات المركومة ذهنًا ويُفرق بينه وبين أشباهه كما فعلَ في ما لا يُعوَّل عليه في الحب فإنه بلا شك يتحدث عن قدرته هو على الحب، كمُحِب، لا كمحبوب، فيستنهضُ للحب نفسه، ويحثُ على التخلي قلبه. ليس المثاليون من قلةٍ إذن كما يظنون -وإلا لما تضاعفت الحُجُب بين الناس وتعقدت الحياة وقل التفاهم والتسامح- ولكنهم أبناء الدولة الحديثة والحق الضائع في أروقة البيروقراطيات.

وُلد ابن عربي فيسنة 560ه/1165م، في مُرسية، جنوب الأندلس، في مُستهَل حكم المُوحدين. وعاش مُتنقلا بين المدن الأندلسية كقرطبة وإشبيلية وغيرهما بحكم عمل أبيه في بلاط الموحدين حيث شهد الحداثة والانفتاح. أمَّن له والده لقاء بقاضِ قُرطبة أبو الوليد بن رشد، ربما ليُلحقه بخدمة الموحدين ويؤمن له وظيفة ومنصب يطمح لهما الكثيرين. ولكنه بتتلمذه على شيوخ المُتصوفة الذين كانوا، دون قصد، يهددون قبضة الحكام لما لهم من سلطة روحية تنازع سلطة الأمر والنهي التي تنفرد بها الدول، اختار طريقًا مُغايرًا. أعقب تنقله بين شيوخه الأندلسيون والمغاربة -الذي دام قرابة العقد(597:589ه)[4]-هجرته عن الأندلس إلى بلاد الإسلام الأول كسوريا ومصر واستقراره أخيرًا بمكة حيث كتب “الفتوحات”.وباكتمال التتلمذ، وبنبذ التوقع، وتحقق المعنى، وتحطم الأنا كان الحب؛ التقى ابن عربي النظام بنت رستم الكيلاني وأحبها، وفي بعض الروايات تزوجها. اكتمل جزء من تحقق ابن عربي بلقاءه النظام. كانت النظام فيما يبدو متحققة مثله، عبرت عينها قبل لسانها عن ذلك؛ ينبئنا استيقافها لتدفقه ونقدها لما قرض من شعر عن عدم انجرافها وراء جميل الكلام، وبالتالي عدم انجرافه وراء توقعاته، التي هي هيماناته وتصوراته. ينبئنا كل ذلك، أو على الأقل يوجه قراءاتنا، إلى أنها حققت مفهومه عن الحب الذي جوهره نبذ التوقع وبذل الأنا كما نجده في ما لا يُعوَّل عليه في الحب.إن الملاميُ هو عبدٌ محض؛ فرغبته الوحيدة إن بقيت له رغبة هي أن يتوافق تمامًا مع الإرادة الإلهية، أن يُخلي نفسه من أناه وأن يتخلى عن كل اختيار.[5]

في حياة ما بعد الثورات وما يعقبها من آمالٍ مشبوبة فنزاعات محمومة فصراعات فخيباتِ أملٍ عديدات ألف شعورٍ بين الحب واللاحب يحلو لنا أن نتوهم أنها الحب، خاصة بعدما تنكفأُ الذات وتخبو الآمال العراض فنكسو الشعور والمشعور به بصورة مرجوة وشعور مُفتقَد لوطنٍ كاد أن يجمع ويأتلف. وفي واقع انتكاس الثورات وما يعقبه من تنقيب في الذات عن أسباب سقوط الواقع وتهافت الأشياء آلاف الاعوجاجات لم تستلفتنا قبلا ثم باتت تستوقفنا لغير ما سبب إلا الفشل في إصلاح الواقع الكلي/الجمعي فانصبت جهودنا على “إصلاح” أو بالأحرى قمع الفردي. وعلى العقل أن يتقبل تآكل سلطته المطلقة على توجهاتنا، وعليه أن يُجمِّل اليمين واليسار ويتقبل تلاشي الوسط، وعليه أن يُوجِد صيغًا جديدة للتعايش مع الشطط، وعلينا أن نعترف أننا حلمنا بلا وعيٍ ولا يقظة لما يحيقُ بالحلم فانفلت منا إلى فوضى تلقفتها أيدٍ قاسية ادعت أنها أوقع حلمًا منا وأكثر وعيًا. وعليه، زُيِّنَ لنا أن التعقل رفاهة لا تليق فقبلنا، وأُوحيَ لنا أن العقل لابد أن يحتجب وقبل الاحتجاب عليه أن يُصدقَ على ويلات سوف تُرتَكب باسمه فصدَّقنا، وفي خضمِ الويلاتِ عليه ألا يفيق، وإن استفاق عليه أن يبرر غيبته فتستمر غفوته. وإن لم تُجدِ التبريرات عليه أن ينزلق إلى ويلات استعادة نفسه وإصلاح ما ارتُكبَ باسمه. وإن استمرت غفوته فعليه أن يُسقطَ ويكسو بالآمال المفقودة والتفكيرات المعقولة المنبوذة والمشاعر المقهورة “شعورًا ما” لا يتبين حقيقته على “شخصٍ ما” يتمنى لو استوعبَ فكرته، ولا عزاءَ للروح. لا أريدُ شيئًا إرادةً محضة، ولا أرفضُ شيئًا رفضًا محض. أُعملُ العقل في الواقعَ ليقبله، أو لعلي أقمعه ليتقبله. الأشياءُ باردة، والحماسُ مُفتقَد، والشغفُ مُتوارٍ خلفَ المنطَقَة والحسابات والتبريرات.

 

إن حال العبودية في عيني الشيخ الأكبر يسمو على جميع الأحوال الأخرى، إنه الحال الذي يتوجب على كل مريد أن يصبو إليه، إنه نهاية التحقق الروحاني نفسها، إذ إن العبودية تُشكل العودة إلى الأصل، إلى العدم أو الفناء الأنطولوجي للمخلوق. إن حالة الشخص الذي تحقق في العبودية، وتجرد من صفات الربوبية – التي لا تصح حقيقة إلا لله وحده، والتي يُطالب بها لنفسه الإنسان العادي بغطرسته وعجرفته – تشبه بحسب ابن عربي حالة الحجارة التي تسقط في المكان الذي نقذفها نحوه، إنه بحق عبد الله.[6]

فبالنسبة إلى ابن عربي لا يمكن للعقل أن يؤدي إلى يقينٍ حاسم، وإن أي واحدٍ يثقُ فيه بصورة مبالغ فيها يكون محكوما عليه من هنا بأن لا يكتشف إلا حقائق يخطئُ في اعتقاده أنها حقائق مطلقة. أرسل ابن عربي إلى فخر الدين الرازي مناشدًأ إياه التخلي عن العلم النظري “علم الكلام” والانخراط في الطريق قائلا: “مالك يا أخي تبقى في هذه الورطة ولا تدخل طريق الرياضات والمجاهدات التي شرعها رسول الله صلَّ الله عليه وسلم.[7]

إن كان للحب أن يعيش، وإن كان له أن يُوجَد من الأساس فلابد من نبذ التوقع. الحب إذن هو غياب التوقع.. ما أسهله! تبدو تلك الصيغة سهلة ومقبولة ذهنًا لأننا نضع أنفسنا تلقائيا في موقع القاض فنطبقها على الآخر دون أنفسنا. ولكن ما إن نضع نصب أعيننا أن ابن عربي لم يكتفِ بتلك الصيغة الأنانية، بل أضفى عليها دائرية لا تُفقدها استمرارها-دائرية هي جوهر إدراكه للرسالة المحمدية- حتي نجد نفوسنا موضع استجواب ذاتي لما إن كانت تجودُ بما تُطالب به؟! مرة أخرى فإن الفتوحات التي جادت بها قريحة ابن عربي كانت ثمرة تربيته لنفسه على أساس عطائي لا مكان للربوبية أو للتطلب فيه، ما دفعه إلى اعتبار تلك النفس مرجعًا لاستيعاب الرسالة المحمدية.. وأنا لباقي العصر ذاك الواحدُ.

وبالرجوع إلى مقولاته في ما لا يُعوَّل عليه في الحب تتجلى لنا تلك الدائرية إذا ما عرض عليها المُحبُ نفسه ليتكشفَ لنا مقدار ما بنا من توقعٍ وتطلب حالما نُدرك أننا إنما آمنا بما به آمنا ظنًا منا أنه يُنصفنا ولا يطالبنا بالإنصاف تسلُّحًا منا بالعقلِ بحثًا عن مُريد يُعمِّقُ فينا الأنا ويحجبُ عنا حقيقة أن نفوسنا تطلبُ الأخذ أكثر مما تريد العطاء في بحثها عن الكمال الذي تظن أنه الحب.

ليس حبًأ تشاطُر الآراء المعرفية والخلاصات التجاربية والآراء الحياتية، بل تماسٌ للنظرِ لن يصهر الأنا بل قد يستنهضها لتدفع ذلك الغريب الذي يكررها عبر تعديله أو تذليله ليصبح نحن التي نُحب، أو التي لم نكن نحب.

[1]Isam.m.elwany@gmail.com

[2]رسالة الذي لا يُعول عليه.

[3]مارتن هيدجر: الكينونة والزمان

[4]كلود عداس، ابن عربي: سيرته وفكره. ص 225

[5]كلود عداس، ابن عربي: سيرته وفكره ص 108 وما بعدها.

[6]كلود عداس، ابن عربي: سيرته وفكره ص 108 وما بعدها

[7]كلود عداس، ابن عربي: سيرته وفكره ص178، 179

عن إسلام علواني

mm
مترجم من مصر