الرئيسية / احدث التدوينات / هيموريج: حراك الجثة للشاطئ (1-1)

هيموريج: حراك الجثة للشاطئ (1-1)

هيموريج هو الحركة المستمرة في نقطة غامضة وغير محددة الحواف – إثارة تليها بكاءات عجفاء..

الحراك هو القدرة على الخروج الثابت الذاتي من بعد الزوال..

الجثة هي الصورة الحافة والغياب المطلق للجسد..

ينزف الجسد ليصبح جثة وأتحول أنا إلى هيكل نافق لبقايا إنسان..

لعل النزيف هو الخطوة السابقة لعبور الشاطئ لما بعد الحياة!

شعـــــــلة ما تضيء نزيف الصدر ولكأنها تفتعل الضياء، كنتَ متسلطاً ومتجبراً عليها حين وضعتها بالقوة فوق الماء فانطفأ بريقها الصامت وتمطى بلا هوادة، وصارت كبقة خضراء باهتة المحتوى، وصرتَ أنا في وحدتي مثلي كخاطري مشوش الذهن في وضح النهارِ، لم أضع يدي على ملمس الماء المصبوغِ بالدم، بالأمس كنتَ ممسكاً على الموجود بقبضة من ثبات وصبر، اليوم وكأني لم أضع يدي على مقبض الحقيبة منذ البارحة، كنتَ مكبلاً بالصمتَ والدمعات وضيق البالِ.. والعين المكحولة بالماء تفرض هيبتها على مسافة النظر المستحيلة صوب الجثة الطافية على الرصيفِ..

لا يغدو الجسدَ جثة إلا بحلول الليلِ.. ثم بعدها يبدأ بالنزيفِ…

بقعتي المصبوغة بالنزيفِ ظلت كهبوب الغيبِ صامتة ومصابة بالهزالِ، لا يمر فوقها إلا حراك الظلِ وهيكل القيلولة والكلمات المنطوقة من البريق النافق لتلك الشعلة..

البرق يشلح من ناحيتين، الأولى من بين الضلوع فتضاهي عذاب القلب، والثانية تكاد تقسم بأنها القاضية…

حين زحفتَ بهزاليّ بجانب ظليّ، على طل امتداد ضياء من لمبة الزقاق، وكان ركود جسدي مشابهاً لحالة عطشي، ضغطتَ على قدماي بالمسير حثيثاً تجاه مدخل الزقاقِ، يتفرع شكل براز الحائط على جانبي الزقاق فيخرج الشكل المخيف لحراك ظلال مشعوذة تتراقص نحو شعاع النور عليها، حين تتحرك يكاد الظل يعدو من خلفكَ، وعند توقفكَ لا يبدو أن الوضع جالب لطمأنينة حراكي، اللمبة يتم إشعالها مع آذان المغرب وهي تعين الكثير من الحمقى على المرور الآمن في زقاق الحلة الصامت الفارغ من عبث السكارى والأشرار، وكأن شيئا لم يكن، يتم التهديد بعدم إتاحة بيع الخمر البلدي (العرقي)، تصاب الكثير من الأشياء بالخمول حين تتوغل في عميق لحم الزقاق، لكن الصنعة مستمرة في التواجد والزبائن لا يتوقفون عن النزول.

حين يحل الليل على هذا الزقاق يصبح الجميع فاقداً لرشده ومصاباً بالذهول..

ذات صباح بسيط من قليل ضياء الشمس ذهب  الطاغية الأمام، وأتى فجر الخلاص من بين حلق الشمس ولهاتها، كنتَ مقسماً مع رفاقي على أن الضوء سيأتي لكن مع بعض النزيفِ من بعض الصبية الانقياء، جثامين هنا وأخرى هناك على قارعة الطريقِ، وحين قالوا ليّ أحكي عن المظهر السائد في حيز الزقاق، ترددت كثيراً إذ أن الحكاية ستتشعب حينها لتشمل المخفي من عراك المعتوه ضارب الرصاصِ وحامل السلك المعدنيّ عند باب الزقاقِ.. وكان إطلاق الرصاص على ورقي بمثابة تهديد شخصي لجثتيّ..

كأني بهما الاثنين صوب كأسين من الرهقِ وعنت الانتظار… ضارب الرصاص جاهل ومعبأ بالكراهية العمياء – وحامل المسك مشحون بهم الوطن الهامل – معهما كنتَ مليئاً بالحزن والهم..

لا يغدو الجسدَ جثة إلا بحلول الليلِ.. ثم بعدها يبدأ بالنزيفِ…

أذكر أننيّ كنتَ قادماً من شفخانة الاستبالية ذات ظهيرة عقيمة، أحمل بيديّ بعض الخضار والفاكهة، حين تبارد إلي أنني أسمع صوت يخرخر، لم أتحرك لبرهة وتوقفت قاب غفوة من الزمن لعليّ أتبين موقعه، كان الصوت كالصرير الخافت من عميق حفرة منسية، لم احرك حمولتيّ من الأشياء، وحين تعالى الخرير مرة أخرى وأنا وقف هنا تمكنتَ من إنزال بعضها من كاهلي، تراجعتَ ملء الفضول والرغبة إلى ذاك الزقاق الغريب بالهلعة، الزقاق الواقع بالقرب من منزل الصول (ود السرة)، كنت أتلفظ ببعض التحصين لعل شيئاً فظيعاً يأتي مسرعاً من قلب هذا الزقاق، لعله يأتي ويلفحني إلى الأرض على وجهي، رغم ضياء الشمس العتمة هنا محسوسة ومتواجدة، كتفيّ الأيمن يرتجف بصمت ويداي الاثنتين تتعلقان بجانبي..

ثمة جسد مقعى على الأرض…؟!

أو لعله جثة ما!

لكن كيف هذا؟ لا يغدو الجسدَ جثة إلا بحلول الليلِ.. ثم بعدها يبدأ بالنزيفِ…

استدرت وركضت صوب البيت تاركاً حمولتيّ صوب الشمس والفراغ العميق…صارخاً (ألحقوا في زول واقع بشخر بصوت كعب خلاص)… لم أتوقف إلا حين بلغتَ البيت من شارع الروضة الصيفية بالقرب من بقالة (عبد المنعم ود التالي)..

عاد معيّ بعض النفر من زبائنه بمرافقة خالي (الصادق)..أشرت لهم بيديّ صامتاً ومصاباً بالخلعة…هناك تحت الجدارِ.. أذكر أن الجثة لم تبارح إقامتها… الجسد فارقه النضار وطغى عليه الشحوب والاصفرار..

لا يغدو الجسدَ جثة إلا بحلول الليلِ.. ثم بعدها يبدأ بالنزيفِ…

حملوا تلكم الجثة على صندوق عربة خالي (الصادق) بعجالة من أمرهم ومضوا صوب المدينة.. لا زلت أتذكر صوت الخرير من حلق الجسد المقعى على الأرض.. نزيف يتجدد و حراك يتمدد.. بمعونة بعضهم ستبلغ الجثة شاطئ الحراك وستنتصر بلا ثمن فادح…

لا يغدو الجسدَ جثة إلا بحلول الليلِ.. ثم بعدها يبدأ بالنزيفِ…

الجثة هنا على طاولة الحوادث بالبر الشرقي، المستشفى بائس وخالي وتكاد تصبغه الكدمات من كل جانب، الجثة بقيت محافظة على همودها في الرمق الفاصل مابين الخنوع لمشيئة الموت الخالدة، ومابين صلصال التحنط، أذكر أن جديّ كان يقول لي أن الجثة تأتي بالموت ثم يأتي بعده الصوت والانعزال، ثم يتغير الجسد وتلتف حوله المتآكلات بالدود والتفاقم المر من تكاثر السنوات وتعاقب تكرارها عليها، لا شيء يحفظ روحه سوى ماضي ذاك الجسد..

لا يتناسل الإنسان حين تنخلع عنه روحه إلا كي يذهب بعيداً، ثمة تباينات مذهبية في شأن التحلل، لكن الثابت في إدراك الأشياء أنها جميعها تزول محض عظمة وعلو شأن، الشيطان بقذارته يأتي حين تضيع الجثة، ما نهاك عن وضع بعض الثلج بهذا الجرح؟

لا يغدو الجسدَ جثة إلا بحلول الليلِ.. ثم بعدها يبدأ بالنزيفِ…

كل جرح مفتوح بالجسد هو إعلان حرب مستمر على باقي أجزاء الجسد، الثلج لا يمنع تدفق الدماء ولكنه يعطل القادم من الشعور ببعض الخدر، قل لي كيف أشرح لك صواب العينين؟ كيف أقرب لك مسافة التلفظ بمنطوقات الأشياء؟ ونزيف الأجزاء مستمر على عجلة الساعة بلا هوادة.. والوقت ليس في صالحي وكذا هو طبع الليالي معي، جميعها تعتنق الظلام وتتدين بمذهب الحرب على الموتِ..

أذكر أن الجثة لم تبارح إقامتها، لم أقل شيئا عن حراك الجثة، ولا عن ضيق العسكر في باب الجرح، ثمة بعثرة منهية عنها تدعو للتهميس بالجهر عن المنبوذات، لذلك تجاوزت منطوقات الأشياء كل الجراح، الآن أنا في نهايات النفق مجبور على المضي زحفاً لما فوق الغسق، وحديّ على حافة الأشياء ومصمم على تجاوز الانهيارات والانحناءات، طقسي سميك ولباسي مجرد كلمات من الصبر والمواساة العميقة لمسيرة تجاوزي لهذا الغدر، بعض الثلج يذوب حين تضعه فوق لهاث الجرح، سبق ليّ وان كنتْ حليم الخلق لا أشك إلا في ما خلفيّ من الأشياء والجمادات، وحين تذوقت عافية المنبوذ من رحمة الثلج، عاود ظليّ محاولته في الجهر بالنزيفِ قيد عناد منه وإصرار على الرجاء بقرب تغيير طبع الليالي محتوية إعلان الفتك بالجسد.

حين أموت أنا أتغير لأغدو كومة من الدماء الجافة.. قناعتي كما هي أن الموت هو بداية الحراك لعبور الشاطئ، إذ أن المسافة لا تتضاءل إلا لتغمر الجسد بالنزيفِ..

ولا يغدو الجسدَ جثة إلا بحلول الليلِ.. ثم بعدها يبدأ بالنزيفِ…

حين يموت الجسد يغدو جثة، الروح تصبح قنديلاً لرحلة غامضة، العيون في محجريهما تتغيران إلى فراغ كبير واسع يكاد يعم اتساع ما سبق من النظر، حين يذهب مالك الجسد إلى كهف المغارة، يتحلل الجسد من غير سابق إعلان إلى نخاع متيبس وهلام كلسي، اليوم كتبت عن الجثة وغداً سأشرح بقلبي لمزيد من الجرح، لن تصدق ما حدث، زاد الشاطئ بعداً عنها بمقدار حياة أخرى..

الجثة بلغت ذاك الشاطئ وغامرت بالعبور، نزيف يتجدد و حراك يتمدد

ما يستهويني، هو إغواء الفكر بالارتباك دمج الحراك بالثبات ثم عبور غشاوة الماء بالليف الشوكي لطين الجسد، ما صار جثة لن يعود ليصبح قطعة من الخشب، سيتفحم غرقاً في محاولاته للعبور، ولكأن الشاطئ يزداد بعداً وحقارة، ويقين القناعة بيّ أن الوحل يذوب في رقعة من الماء كالدماء، ثم انكَ حين ترتدي نظارة إيمانك بلا خوف، ستراه يقطع إلى الضفة الأخرى من الحراك، نزيف يتجدد وعمر ينقضي في الحراك، لم نصلي عليها، الجثة ظلت مجهولة بعمر محاولتها لعبور الفاصل ما بينها والحياة، توضأت بلا تريث ثم أننيّ أتيت مهللاً عليها، مددت يديّ صوبها رششتها ببعض المسك بل خلعت حذائي، ووقفت خلف صف الهاتفين بالموت، كان المشهد بمثابة تعطين الجثة في لحاء من قش الهلاك، حلقي يلهث من شدة الحزن، كل مجهول هو صورة معكوسة لما كان معروفاً ثم مات..

كأني صائب الفكرة العارية، أن التفكير في زوال صلابة الحراك، يقلب الجسد إلى جثة وحين أنفعل وأنفجر بالسكينة والنياط أدق على جلديّ، ألوي معصميّ حول نسيج الجسد، أشتبك مع التخيلات في عراك ينافي مبادئ الحراك، فتنتفخ أوداج بعض الأطراف من الجسد شأن حسد.

لا يغدو الجسدَ جثة إلا بحلول الليلِ.. ثم بعدها يبدأ بالنزيفِ…

ـــــــــــــــــ

* هيموريج hemorrhage (Noun) نزيف دموي –An escape of blood from a ruptured blood vessel أو في بعض الأحيان يستخدم كتعبير في حالة فقد كوادر مؤهلة ومتميزة فيقال A damaging loss of valuable people or resources – في بعض الأحيان يتم استخدامه كفعل ( Verb) لوصف حالة نزيف حادة لشخص ما – (of a person) suffer a haemorrhage وتكتب كجملة وصفية لحالته المستعصية ‘he had begun haemorrhaging in the night’

* الجثة Corpse هي الصورة الحافة والغياب المطلق للجسد – المقصود هنا فحص ما بعد الوفاة Autopsy – بل محاولة لتقريب المعنى لسبب غامض يتعلق بالفقد والغياب – وهو أحياناً يطلق عليه Dead Human body ما يسمى بال cadaver لأغراض التعليم.

* الشاطئ Beach المقصود هنا هو الحف اللغوي البحت لمعنى ما بعد الحياة كمحاولة العبور للضفة الأخرى من بحر ما – ولذا يعكس الشاطئ مشائج البعد والمشقة والتعب في بلوغ ذاك المرفأ على السواء بالسباحة أو عبر مركب ما.

عن محمد حامد محمد

mm
كاتب من السودان