ومضى..!

 

بقلم / نوف عائض

“ليس لنا مكان، لنغادر..” وقفتْ أمه في وجهه مستنكرة:” ووطنك؟! وأرضك التي كبرتَ عليها؟! أتتركها هكذا وتهرب؟!”

نفض يده مجيبًا: “لا تريدني!.. أرضي لا تريدني.. والبقاء هنا من أجل كلمة طنانة اسمها (وطن) يشبه الانتحار…”

أجابته: “وإن متَ هنا ستموت في أرضك ..بين أهلك.. “قاطعها: أهلك بينهم وفي يدي مفتاح الفقر، وفي قدمي متاهات الحيرة التي صنعها الأوغاد.. أموت هنا..كالبغل المسكين الذي نسيهُ سيده في الحظيرة ونسي أن يعلّق في رقبته كوز ماء آسن، و أن يلجم فمه بعلف فاسد.. فمات بغلا طائعًا منتظرًا للموت حتى يفيق سيده من نسيانه فيحنو عليه بقبر عارٍ في مزبلة المدينة الخاوية..تنهش روحه المهشمة الكلاب الضالة، وتفرم جثته الناحلة ديدان الموت الضارية..

صفعته أمه: “هذا وطنك أيها الجاحد.. وطنك الذي كبرتَ فيه.. وأصبح لك هذا اللسان الذي يستحق القص”… قاطعها: فإن ابتلعتُ لساني قبل أن يُقص هل أُولد من جديد في أرض الأحلام المتحققة؟ أم اسكت فيبتلع الخواء لساني ووطني؟..إن بقيتُ هنا أهتف لله أن ينجو هذا المركب فلن ينجو.. فالله يريد المشي في أرضه.. و كلها أرضه..وهذه الأرض دون كل بلاد الله لم تعد لي…سأترك هذا المكان الذي سقاني الغصص لأكبر مهزومًا ملومًا مذعورًا.. وسأكون جاحدًا عندك لأن سنابل القمح حصدها الذين تخشينهم يا أمي ورموا لكِ ولي بالفتات.. لنمضي ..لنترك هذا المكان الذي حاصرنا بسرابه وطوق قلوبنا بأوجاعه..لنمضي نحو الشمس ..لعلّ الطيور الغادية بهداية الله والرائحة متعلّقة به تأخذنا إلى حقول ظليلة قبل أن تسوقنا الأهوال أمامها سراعا فنطرق _والموت على أهدابنا_ بوابات اللجوء والشتات..

 دفعته أمه نحو باب بيتهم المتهالك صارخة: اخرج من هنا.. لستُ أُمّا لمن يجحد أرضه وقت أزمتها.. لمن يهرب منها وينسى أن حقها عليه أن يصبر على أوجاعه من أجلها..

 خرج مسرعًا إلى الشارع الخالي ..تتعثر على شفاهه كلماته التي لم تدعه أمه ليقولها..رمى سؤاله الموجوع خنجرًا في صدره “هذا الصبر..إلى متى يا أمي..إلى متى؟!”

مشى يجّر انكساره نحو المجهول…. دون أن يلتفت إلى أمه التي شيعته باللعنات لأنه صدقها وابتعد… ترك لقدميه أن تقوده في أي اتجاه تريده دون أن يرفع رأسه إلى أعلى..كانت أقدامه النحيلة تتلوى في المتاهة دون أن تجد المخرج..رفع رأسه بغتة فلمح مكب النفايات يشد إليه عباءة الليل.. فاتجه إليه مع بقية الكلاب الهزيلة التي أقبلت تبحث عن شيء تأكله.. أخذ كرتونًا تملأه الثقوب كأيامه التي تنزّ أحلامًا مشلولة وطموحات ترفس في المشانق.. فرشه على الأرض ثم تقرفص فوقه.. أفزعه حلمه ففتح عينيه..كانت آلام أقدامه تشتد..فجلس مذعورًا لتبتعد الكلاب الثلاثة عن أقدامه البارزة العظام..مسح دماءه عن أقدامه ليضعها على وجهه..اقتربتْ منه الكلاب تشمه..أغمض عينيه وعاد يتقرفص في مدفنه بينما أخذت الكلاب تتذوق ساقيه..فكتفيه..فروحه التي سقطت دمعة حمراء على تراب وطنه..

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة