الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: لماذا نقرأ ؟ لمارسيل بروست.

ترجمات خاصة: لماذا نقرأ ؟ لمارسيل بروست.

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

عندما تأتي حكمة الكتاب إلى نهايتها فستبدو لنا وكأنها فقط، البداية لحكمتنا، ففي اللحظة التي يخبرنا فيها الكتاب بكل ما فيه، نشعر بأنه لم يخبرنا بشيء“.

كيف يمكن لتلك العلامات السوداء الصغيرة في صفحة بيضاء أو على شاشة أن تؤدي إلى هذه النتائج الهائلة في القلب والعقل والروح؟ لماذا ننسى أنفسنا عند قراءة الكتب، ثم نجدها ثانيةً ونشعر بالنضج والبهجة والتغير؟ كان غاليليو يرى أن القراءة طريقة لاكتساب قوى خارقة،. وبعد مرور خمسمائة عام نجد نظيره في العصر الحديث عالم الفلك كارل ساغان وهو يُعلِّي من قيمة الكتب فيصفها بأنها: “الدليل على قدرة البشر على إتيان المعجزات” وكان الكاتب والمؤلف الألماني من أصل تشيكي فرانس كافكا يرى إن الكتب “هي الفأس الذي نحطم به ذلك المحيط المتجمد بداخلنا”  وتقول الشاعرة الأمريكية ماري روفلي:عندما تجد شخصًا يقرأ كتاب فإن تلك علامة على النظام في العالم“وتقول الكاتبة الأمريكية ربيكا سولنت في تأملاتها الغنائية عن السبب الذي يدفعنا إلى القراءة والكتابة: “الكتاب قلب ينبض في صدر شخصٍ آخر“.

يقدم لنا هنا الكاتب الفرنسي مارسيل بروست (10 يوليو 1871 – 18 نوفمبر 1922) أكثر الإجابات صدقًا وروعةً لهذا السؤال الخالد.

كان بروست في منتصف العشرينيات من العمر عندما نشر بعض الأعمال الأدبية في بعض الدوريات الأدبية المرموقة، لكنه لم يكن قد كتب روايات بعد، وعندما بلغ السادسة والعشرين كان قد كتب ألف صفحة في محاولته الأولى، ووجد نفسه محتارًا وغير قادر على جمع الكتاب، عندها اكتشف ذلك الناقد الكبير في العصر الفيكتوري “جون رسكن” الذي فتحّت كتاباته عقل بروست.

وعلى مدى السنوات الثلاث التالية وجد بروست نفسه غارقًا في ذلك العدد الهائل من الأعمال الأدبية التي أبدعها رسكن، ورغم عدم إتقانه اللغة الإنجليزية بدأ في ترجمة الكتب التي أثرت فيه أكثر من غيرها إلى الفرنسية، وكان يعلق عليها على نحوٍ مهووس في الحواشي. وبعد مرور الكثير من السنوات بدأ بروست يكتب في المجلد السابع والأخير من روايته الشهيرة الآن البحث عن الزمن المفقود، المستقاة من الموضوعات التي حاول بحثها في محاولته الأولى التي لم تؤت ثمارها، يقول بروست:

لقد أدركت أن الكتاب الأساسي، الكتاب الحقيقي، هو ذلك الكتاب الذي لا حاجة للكاتب الكبير لابتكاره بالمعنى الدارج للكلمة، لأنه موجود بالفعل داخل كلٍ منا، فكل ما عليه هو ترجمته فقط، فمهمة الكاتب وواجبه هما ذاتهما مهمة المترجم وواجبه.”

حدث أن تحولت ترجمات بروست لرسكن إلى أعمال أدبية مستقلة بذاتها، وتمتدح الشاعرة البولندية الكبيرة الحاصلة على جائزة نوبل فيسلاوا شيمبوريسكا ترجمات بروست أثناء مناقشة ترجمة أعمالها وتصفها بأنها أصبحت تجسّد: “تلك المعجزة النادرة التي تحدث عندما تتحول الترجمة من مجرد ترجمة إلى…نسخة أصلية ثانية” فأصبحت إحدى مقدمات ترجماته لأعمال رسكن نسخة أصيلة ثانية على نحوٍ يثير الإعجاب حتى أنها نُشرت في نهاية الأمر مستقلة بذاتها تحت اسمالقراءة.وفي تلك المقدمة يتأمل بروست تلك التناقضات الممتعة للقراءة:

تختلف القراءة عن المحادثة في أننا نستقبل اتصالاً من فكرٍ آخر، وفي الوقت ذاته نظل بمفردنا، أو بمعنى آخر، تظل ملكاتنا الذهنية التي تنشط في الوحدة نشطة، وهي الملكات التي تختفي على الفور في المحادثة، فتظل النفس تجتهد في محاولاتها المثمرة للإبداع، وتظل في الوقت ذاته منفتحة أمام الإلهام.”

ويتأمل بروست تلك المتعة التي يشعر بها كل الأطفال في العالم أثناء القراءة ولا يمكن كبتها:

لعل تلك الأيام التي نظن أننا لم نعشها في الطفولة هي أكثر الأيام التي عشناها على أكمل وجه: إنها تلك الأيام التي قضيناها مع كتابنا المفضل، إنها كل ما كان يشغل الآخرين في حياتهم كما يبدو، والتي كنا رغم ذلك نتجنبها بوصفها معوقات فظة للمتعة المقدسة: المباراة التي جاء الصديق من أجلها باحثًا عنك بينما كنت تقرأ أكثر الفقرات إمتاعًا، وتلك النحلة المزعجة أو شعاع الشمس الذي أجبرك على النظر إلى أعلى بعيدًا عن الكتاب أو تغيير المكان الذي تجلس فيه، وتلك الهدايا التي اضطررت لإحضارها لكنك تركتها كما هي على المقعد الطويل بجوارك بينما شعاع الشمس يتضاءل في السماء الزرقاء، والعشاء الذي كان عليك الذهاب إلى المنزل لتناوله، وأثناء تناوله لم يكن في رأسك سوى فكرة واحدة وهي الهروب سريعًا إلى الدور العلوي  لإنهاء الفصل الذي لم تكمله ؛ لابد أن القراءة هي التي جعلتنا نرى كل تلك الأشياء مجرد حاجات دخيلة، لكنها على العكس حفرت بداخلنا تلك الذكريات السعيدة لهذه الأشياء (ذكريات أصبحت أكثر قيمة بكثير لنا الآن مما كنا نقرأه بذلك الشغف في ذلك الوقت)، حتى أننا اليوم لو تصفحنا سريعًا صفحات تلك الكتب التي اعتدنا قراءتها في الماضي فسيكون ذلك بسبب ما تمثله لنا من ذكريات كانت لدينا في الأيام الماضية، فتجدنا نقلب صفحاتها على أمل رؤية صورة تلك المنازل والبحيرات التي لم يعد لها وجود.”

ويردد بروست تلك الحجة الذكية التي يقدمها الروائي السويسري من أصل ألماني هيرمان هيسه بخصوص السبب في أن أرقى أنواع القراءة هي عدم الميل للقراءة ويتأمل أعظم ثمار القراءة:

هذه هي أعظم سمات الكتب الجميلة وأكثرها عجبًا (إنها السمة التي تمكننا من فهم الدور الأساسي والمحدود الذي يمكن أن تقوم به القراءة في حياتنا الروحانية): وقد يطلق المؤلف على تلك السمات اسم “استنتاجات” ولكنها للقارئ تمثل “محفزات”، فنشعر أن حكمتنا الشخصية تبدأ عندما ينتهي المؤلف، نتمنى أن يقدم لنا إجابات في حين أن كل ما يمكنه فعله هو أن يثير رغباتنا، إنه يوقظ تلك الرغبات فينا فقط عندما يجعلنا نتأمل ذلك الجمال الرفيع الذي لا يمكن أن يصل إليه، إلا ببذل قصارى جهوده الفنية.سيبدو لنا حينها أن نهاية حكمة الكتاب هي مجرد البداية لحكمتنا نحن التي اكتسبناها للتو،ففي اللحظة التي يخبرنا فيها الكتاب بكل ما فيه، نشعر بأنه لم يخبرنا بشيء.

 

 

عن علي زين

mm
كاتب ومترجم من اليمن