الرئيسية / احدث التدوينات / أثر الشهيد لا يزول

أثر الشهيد لا يزول

 

إنها الأرواح المتحلقة في سماء السودان تحرس قدره الذي صنعته بارتقائها..

شهيدٌ تعالى، فكان بروحه بصمة في طريق السودان الحلم الممتد منذ زمن طويل. شهيدٌ هتف فأعلى بصوته “حرية سلام وعدالة” فكانت غاية الثورة ومبادئها السامية.

لم يتوانوا ولم يتراجعوا كان العهد بينهم صادقاً رغم الخطر وصعوبة المشوار المضني ذللها الأمل.

يخرج الثوار إلى المواكب لا يدري أحدهم قدره، يتسلحون بمحبة الوطن معبئين الحناجر بالهتاف، يقابلون آلة النظام البائد بسلميتهم التي هزمت جبروت الطغيان بكل عدته وعتاده. لازال منظر الشهيد عبد العظيم رافعاً يده في آخر لحظاته قبل استشهاده حاضراً في ذاكرة الجميع ولعله بوقفته تلك كان رمزاً للسلمية خالداً نحتفي به.

منذ بدايات العهد البائد والشهداء يرتقون في سبيل الحرية، حتى كانت هبة سبتمبر ألفين وثلاثة عشر التي أسكنت وجعاً عميقاً في ذاكرة الشعب وفقد السودان شباباً طيباً في سبيله، لم تجد الانتفاضة وقتها سند القيادة كما حدث عند بداية الثورة المجيدة في ديسمبر ألفين وثمانية عشر. ولكن ظل الشهداء حاضرون بأرواحهم وذكراهم القوية يدفعون الحراك وان بدا ساكناً. ومع ذكر سبتمبر لا تذهب عن مخيلتنا الجماعية صور الشهداء الكرام حينها ومن بينهم الشهيد هزاع الذي ظلت والدته تحرس الحق الأليم وتعتصر قلبها مطالبة بالعدالة جاهرة بصوتها صامدة أمام محاولات كسرها لأجل ابنها الشهيد ولكل الشهداء في سبتمبر فرأيناها ممثلة لأسر الشهداء وسمعناها على منصة المسرح الرئيس باعتصام القيادة فكان هزاع وغيره من الشهداء في سبتمبر حضوراً بثباتها. كل هذا الحراك الثوري مد يتعاظم من نفخة واحدة تنادي بالحرية، تماوج يعلو وينخفض على مدى سنوات كثيرة، كُتِبت خلالها أسماء العديد من الشهداء بالدم على ذاكرة الوطن.

عند اندلاع الثورة في ديسمبر أشهر النظام أسلحته وتصدى للشباب بالذخيرة الحية فكان أول شهداء الثورة الشهيد ماكور من بربر نذكره بعصاته وابتسامته النبيلة الطيبة. امتهرت الأرض من جديد بالدماء فكان إيذاناً بما هو آت. تتالت الأحداث وتعددت المواكب في مختلف مدن السودان وكان الشعار “مدن السودان تنتفض” وانتفضت بحق وكلما ضاق الخناق على الطاغية وزبانيته ازدادوا شراسة وعدواناً وازداد عدد الشهداء والجرحى. ولكن هذه الثورة تختلف فكلما احتضنت الأرض أجساد الشهداء الطاهرة فتحت ذراعيها للسماء تستقبل نور الأرواح المتصاعدة كما النور تدعو الثوار لمواصلة الطريق كانت مقولة الشاعر محمود درويش “الوحش يقتل ثائراً والأرض تنبت ألف ثائر” مشهداً محققاً على أرض السودان.

ملاحم ونداءات وسرادق عزاء تتعالى فيها الهتافات، فمواكب تستنهض الهمم. كانت تلك الثورة الغناء لا يقف فيها أهالي الشهداء حزناً ولكنهم ينادون بأصوات أبنائهم فنقرأ الشهداء في كلمات أمهاتهم، ونراهم في صمود أخواتهم “كما رأينا الشهيد بابكر” ونراهم بين فلذاتهم “كما الشهيد معاوية” ونتلمسهم في الحزن النبيل لآبائهم “كوالد الشهيد عبد الرحمن الصادق سمل”. في حضرة رحم الشهداء تحول الوطن إلى رحم كبير فتنادى الجميع “أم الشهيد أمي دم الشهيد دمي”.

الشوارع الصامدة التي اختارت القيادة ساحة للاعتصام لم تضع خوانة رغم تعدد الهجمات على الثوار منذ ليالي الاعتصام الأولى مرورا بيوم سقوط الطاغية فهدأة التفاوض ثم معارك المتاريس والهجوم على اعتصام القيادة بنيالا فنذير كولميبا بشارع النيل وصولاً إلى قاصمة الظهر في مجزرة القيادة بالثالث من يونيو التاسع والعشرين من شهر رمضان الكريم. كانت تلك المجزرة التي رعاها العسكر خيانة عظمى أسقطت الدرع البالي الذي ظل الثوار يتمسكون به رغم اختراقه وعلمهم بهوانه. حولت المجزرة اعتصام القيادة الحدث الأجمل والأكثر تعبيراً عن الروح الثوري إلى الجاثوم الأكثر إيلاماً في تاريخ الثورة استشهد يومها عدد كبير من الثوار رمياً بالرصاص وحرقاً وإغراقاً في النيل. اسودت سماء السودان واكتست بالحزن في نهاية شهر رمضان فكان العيد شهيد.

ضربت المجزرة عميقاً في روح الثورة لما كان يمثله الاعتصام في نفوس الثوار، ولكن رغم الصمت المؤلم جاء الثلاثون من يونيو هادراً صارخاً العدالة أولاً “دم الشهيد ما راح لابسينو نحن وشاح” فكان الموكب مهيباً بقامة الشهداء خرج الجميع صغاراً وكباراً نساء ورجالاً يطالبون بالقصاص والعدالة لشهداء مجزرة القيادة فكانت نقطة أخرى فارقة في ركب الثورة السودانية أعادت النور من جديد إلى الأفق رغم الألم، دعوات الشهداء، نداءات المفقودين، وعذابات الناجين. اصطفاف متجدد قوي ومثقل فالعهد مازال مستمراً.

في مشوار الثورة المتصل الثوار حُراس النضال، هم كما هم ممسكين بناصية القضية، تتأرجح موازين السياسة ويظل ميزان الثورة ثابتاً مرتكزاً بينهم، فدعائمه أعمق وأبقى. قالها الشهيد عبد العظيم أنار الله قبره “لقد تعبنا يا صديقي ولكن لا أحد يستلقي أثناء المعركة” معركة الثورة حتى انتصار مبادئها. تدور الساقية ويتباين الهتاف ويظل النبع المتدفق هو جوهر الثورة “الحرية والسلام والعدالة”. أقف هاهنا متذكرة شدة الشهيد عبد السلام كشة وهو يؤكد على إعلاء المبادئ الثورية في الهتاف قائلاً “اهتف وأتذكر في هناك أم ولدها مات” لأرى والدته عند باب قاعة الصداقة في أحد مقاطع الفيديو من هناك تقول “كان آخر كلامه مدنيااااو يا أمي فردت عليه مدنياااا…” وانقطع صوتها لاختناقها بدموع الوجع فهتفت “الدم قصاد الدم لو حتى مدنية”. ما أنبل شهداءنا وهم يهتفون وهم يغنون وهم ينادون بسودان الحرية مؤمنين بأن هذا هو الواجب ننصت فنسمعها جلية تتردد بصوت الشهيد الوليد عبد الرحمن لأحد النظامين “انتو شوفوا شغلكم وخلونا نشوف شغلنا” كانت الثورة شغله الشاغل حتى اغتالوه برصاصة غادرة فتعالى شهيداً ونوره باق.

وإذ نتحدث عن قيم التغيير المجتمعي المتمثل في تعابير العزاء الإحتفائي، علنّا بقدر الشهيد حق قدره. لابد أن نقف عند  مشوار المائة وأربعون كيلو متراً الذي مشاه والد الشهيد عثمان محمد قسم السيد فبكل خطوة تكريم وإحقاق واحتفاء الأب بابنه وهو يحمل صورته على ظهره طيلة المشوار “هذا ابني” ونداء الحرية والسلام والعدالة الذي كان يردده الشهيد متجذراً في خطوات والده. هذا الفعل العالي في مدنيته المليء بالشجون كان درجة اختلاط الوجع والاعتزاز، وتلك هي الثورة.

جذرية الاختلاف في هذه الثورة كانت بائنة في كل حركاتها وسكناتها، عندما وقع بين يدي منشور لكراسة تحمل صور الشهداء تذكرت ما كتبه الشهيد علاء الدين صبيحة استشهاده “إن غدوت شهيداً فهل ستحبونني؟ فإني والله ما رأيت مثل حب الثوار لشهدائهم” إن محبة الشهداء لم تتحول إلى بكائيات صامتة بل تحولت إلى رمزيات صارخة ومتعددة تحتفي بهم. شاهدنا ذلك في شوارع وقاعات ومدارس تسمت بأسمائهم، في مبادرات حملت ذكراهم كمبادرة الشهيد الأستاذ أحمد الخير، وفي مبادرة الأزرق للسودان والتي أخذت صداً عالمياً احتفاء بالشهيد محمد مطر. كما رأيناها على كراسات مدرسية حملت وجوههم وابتساماتهم.

أثر الشهيد يُرى واضحاً فقد تركوا فينا ما إن تمسكنا به انتصرنا.

حرية سلام وعدالة

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .