الرئيسية / احدث التدوينات / أشعلتها صرخة 

أشعلتها صرخة 

 

بقلم: محمد الطيب الشيخ

سكونٌ يعم القرى والمدن التي تكادُ تخلو من الحياة لولا تنقل الناس من مكانٍ إلى آخر في حركةٍ تشبه دبيب النمل بحثاً عن لقمة العيش وتبادل السلع، الجميع يخطط للهجرة إلى الخرطوم (مكان الطيارة تقوم) على أقل تقدير حيث الكثافة الأعلى للسكان والطرق المعبدة والمخابز الآلية. كسادٌ في الأسواق، فقرٌ مدقع، لا خدمات، لا عمل، لا إنتاج، لا شيء.

 

مجموعةٌ من الطلاب تنهي حصتها الصباحية الثالثة، يقرع جرس الفطور، يأمر الأستاذ طلابه بأداء الواجب وتسليمه قبل حصة الأسبوع القادم ثم يخرج، يتدافع الصبية نحو الباب فالدروس مملة والمعدة خاوية وصف المقصف طويلٌ جداً. يقف أول الواصلين أمام الشباك، الشباك مغلق، يطرق الشباك وينادي “يا زول افتح البتاع دا، ادينا فولك البايت دا” لكن لا رد، صوتٌ يعلو من منتصف الصف “المرض دا وين؟ الصف دا وصل باب المدرسة !” لا رد، يخرج عامل المقصف من الباب وينصح الطلاب بالذهاب إلى السوق بحثاً عن طعام “العيشة بقت بي خمسة جنيه وماف ذاتو، اتخارجوا السوق شوفوا ليكم صرفة”. 

 

المعدة خاوية، الخبز معدوم، والفقر مدقع.. خرج الطلاب في مجموعةٍ واحدة غاضبين، يتحسسون جيوبهم المثقوبة والجنيهات المعدودة التي لا تكفي حتى لشراء قطعة خبزٍ واحدة، أحدهم نظر إلى السماء وحدق فيها بصمتٍ كأنه يناجي أحداً ما، قبل أن يشيح بنظره سقطت دمعة تبخرت قبل أن تصل إلى التراب، ثم صرخ. كانت هذه الصرخة كافيةً للفت نظر الجميع، قبل أن يصرخوا جميعاً ويلعنوا العدم ويعلنوا عن وجودهم في هذه المدينة البائسة. لم تكن تلك الصرخة سوى صافرة البداية لماراثون الثورة السودانية المستمر منذ أن وطأت قدم المستعمر أرض النيلين باحثةً عن الذهب والرقيق.

 

تقدمت جموع الطلاب الغاضبة وهي تنفث الهتاف حتى اقتحمت سوق المدينة الكبير. طلبة الجامعة، أطفال الشوارع، الواقفين في صف الصراف، الباعة المتجولين، المتسكعين، جميعهم انضموا إلى الطلاب، حينها تحول الأمر من مجرد صرخةٍ طلابية الى موكبٍ هادر يلعن كل شيء. خرج الموكب من سوق المدينة، لم يتساءل أحدٌ عن الوجهة كانت تقودهم أقدامهم النحيلة، وجدوا أنفسهم أمام دار الخراب منشأ البؤس والعدم. أكلت نيران الغضب تلك الدار، لا يعلم أحدٌ حتى الآن من أشعلها، أحد الطلبة يعلق: أشعلتها صرخة.

 

في تلك اللحظة دب الرعب في قلب الطاغية وزبانيته، حشدوا كلاب الصيد التي كانوا يغذونها لسنين بالحقد والكراهية، أطلقوا لها العنان أملين أن تنجح في كتم تلك الصرخة التي هزت وجودهم الهش. حاولت الكلاب جهد طاقتها مستخدمة كل ما تم تدريبها عليه لكنها لم تنجح، كانت الصرخة أعتى من أن تقهر، خرجت من شفتي طفل في لحظة صدق لم يقصد بها سوى التعبير عن رفضه لكن الطاغية أصم، والكلاب لا تفهم.

 

رغم ذلك ظلت الكلاب تنهش وتصادر حق الوجود لكنها لم تنجح، تمددت الصرخة، أعلنت البلاد تمردها، تدافع الشباب إلى الشوارع شاهرين هتافهم ضد العدم واستحالة الحياة.

الطاغية يكابر، الزبانية يهربون، قادة فصائل الكلاب تتحسس الاحتمالات فالصرخة تتمدد. قادة الفصائل يجتمعون بالطاغية ويجبروه على التنحي فلم يعد بإمكانهم أن يواجهوا تمدد الصرخة. عقب ذلك أعلنوا عن دعمهم للصرخة وأنهم سببٌ في تمددها بكل ما فيها من صدقٍ وغضب.

أحد الكهول الإنتهازين الذين كانوا يسخرون من الصرخة وقدرتها على التمدد، خرج في كهفه ليرحب بقادة الفصائل وانحيازهم ويمهد لهم الطريق نحو قصر الطاغية.

الصرخة تخفت لكنها لا تموت، تبقى حيةً في ذاكرة الجموع تهمس لهم بالحقيقة، تعدهم بالحرية والسلام والعدالة.

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة