الرئيسية / احدث التدوينات / التقنية في خدمة الثورات

التقنية في خدمة الثورات

ما الذي جعل ثورة السودانيين في ديسمبر 2018 هذه المرة مختلفة عن سابقتها في سبتمبر 2013 والتي تم وأدها بوحشية وإخمادها بسرعة ؟
إذا جاز لنا أن نتفق جميعاً أن الأسافير الرقمية هي مهد الثورات في عصرنا الحديث فإنه كلما تطورت هذه التقنيات وانتشرت كان وقعها على الثورات أكبر.
في سبتمبر من العام 2013 خرج آلاف السودانيين للتظاهر ضد غلاء المعيشة والفساد في البلاد تزامناً مع مختلف ثورات الربيع العربي التي حدثت في تلك الفترة ولكن تم إخمادها سريعاً واحتواؤها من قبل السلطات والأجهزة الأمنية مخلفة وراءها عشرات القتلى والمصابين وكثيراً من الضرر النفسي والجسدي لدى السودانيين.
بالرجوع إلى وضع التقنية في ذلك الوقت فإن انتشار الهواتف الذكية في السودان لم يكن كبيراً، وكانت وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أداة للترفيه ومعرفة الأخبار ولم تستغل حينها من أجل التغيير وتوحيد الفكر العام للجمهور، لم تكن تقنية تصوير الفيديو المباشر موجودة، ولم يكن الوعي بأساليب قمع الثورات والثورات المضادة والجيوش الإلكترونية للحكومات حاضراً، وحتى عند حجب شبكات التواصل على الانترنت ظل كثيرون خارج المشهد إلى حين إطفاء شرارة الثورة وإخمادها.

بعد ثلاثة أعوام تحدث الكثير من التغيرات التقنية والتي بدورها تسهم في دعم الثورات؛ كانت أول عملية اعتقال تتم في بث مباشر على فيس بوك لأحد طلاب جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا أيام العصيان المدني في نوفمبر عام 2016 والذي نال تفاعلاً كبيراً من قبل مستخدمي الموقع في السودان وتباينت الآراء حول جدواه ونجاحه.
إن خصائص مثل الشير والرتويت وتقنية الفيديو المباشر هي أدوات قوية لإيصال المعلومة والفكرة في مجتمع يتم التواصل فيه من جميع أنحاء العالم حتى وإن كان معظم المشاركين بعيدين عن موقع الحدث، لذلك كان على السودانيين أن يستفيدوا من درس وتجربة سبتمبر ويقاوموا جميع أشكال الثورة المضادة، وقد بذلت مجهودات ضخمة في ثورة ديسمبر شهدت معظمها بنفسي في محاربة الجيوش الإلكترونية للنظام المخلوع فظهرت عدة مبادرات توعي بكيفية الاستخدام الصحيح لشبكات التواصل وتأمين الحسابات الشخصية، وكيفية التحقق من المعلومة قبل نشرها لمكافحة سلاح الشائعات، والتعرف على رجال الأمن الرقميين أو ما اصطلح على تسميتهم بالدجاج الإلكتروني ودورهم الكبير في تشتيت الجمهور وزرع الشكوك والتخوين بينهم، وحينما لم تجد الحكومة سبيلاً إلى خمد الشعب الثائر حظرت الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي كما في سبتمبر ولكن هذه المرة كان الشعب مستعداً ومسلحا بتطبيقات ال VPN التي سمحت لهم بتجاوز الحجب وكلما حظرت الحكومة تطبيقاً كانوا يوجدون آخر بديلاً له.

ظل الهاشتاق هو الوعاء الكبير الذي يجمع كل مشاركات الأفراد في موضوع معين، هذه الوسوم التي انتقل تأثيرها من الأسافير لتكون حضوراً على أرض الواقع فخرجت لنا الإبداعات على شكل شعارات وجداريات وهتافات وأغان ثورية، وكان بعضها يتصدر قائمة الأكثر انتشاراً حول العالم وكل واحد منها يحكي حكايته الخاصة، ولعل أبرز هذه الوسوم:
#مدن_السودان_تنتفض، #تسقط_بس، #موكب6أبريل، #اعتصام_القياده_العامه، #OpSudan، #BlueForSudan، #مجزرة_القياده_العامه، #مليونية30يونيو، #مليونية_القصاص_العادل، #حنبنيهو.
بالتأكيد لا يفوتني الإشارة إلى دور المجموعات السرية النسائية على فيس بوك (منبرشات) في الكشف عن هوية كثير من المنتسبين للأجهزة الأمنية والذين شاركوا في عمليات القمع والتعذيب للمتظاهرين والدعوة إلى عزلهم اجتماعياً ليتم توسيمهم باسم جهاز أمن الثورة مما جعل الكثير من أفراد الأمن يقومون بالتلثم وتغطية وجوههم خوفاً من أن يتم كشفهم، ولعل أكثر المواقف طرافة التي تروى عنهم هو معرفتهم لهوية أحد أفراد الأمن “من خلال ظله” أثناء تصويره لمقطع فيديو وهو يسيء للثوار.

من أبرز الأحداث التي شهدتها في ثورة ديسمبر أيضاً والتي كان لها دور فعال في التأثير على الحكومة هو الهجمات الإلكترونية على المواقع الحكومية من قبل مجموعات الهاكرز حول العالم والتي كان لها تأثير إيجابي في مسار الثورة حيث وفرت دعماً معنوياً للثوار وتشتيتا لقوة الفرق الأمنية، وكان أبرز تهديد شكلوه على النظام المخلوع هو دعوتهم لهجمات متزامنة على أنظمة الدفع الإلكترونية في السودان لشل حركة النظام المصرفي عن العمل.
في اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة أو ما تعارف على تسميته بين الثوار (جمهورية القيادة الفاضلة) ظهرت الكثير من الإبداعات لجنود مجهولين حولوا شارع القيادة العامة من مجرد شارع مغلق من الاتجاهين إلى مدينة فيها جميع الخدمات فتم توصيل التيار الكهربائي لساحة الاعتصام من قبل مهندسي الكهرباء، وشوهدت أجهزة الكشف عن المعادن في نقاط التفتيش عند مداخل الاعتصام، وقام مهندسو الاتصالات بجلب أجهزة تقوية الإرسال وأجهزة الراوتر لتوفير انترنت مجاني للجميع، وأقيمت العديد من الخطابات التوعوية عن العالم الرقمي وكيفية حماية الخصوصية فيه، وشهدنا أيضاً حملات الدعم المالي للثوار والتي قامت على شبكات التواصل وتم فيها جمع عشرات الآلاف من الدولارات في فترة قياسية جداً تكاد تكون أسرع من الطرق التقليدية المعروفة.
عندما رأت الحكومة خطر شبكات التواصل عليها قامت بقطع خدمة الانترنت النقال عن جميع البلاد لمدة شهر، ولكن كان الثوار جاهزين أيضاً بإنشاء مجموعات تواصل عبر الرسائل النصية القصيرة SMS وباستخدام تطبيقات المحادثة في النطاق القريب عن طريق ال Bluetooth وال Wi-Fi.
ربما بعد 5 أعوام من الآن نشهد تطورات أعظم في مجال التقنية يكون لها دور كبير للمساهمة في تحقيق طموحات الشعوب والضغط على الحكومات من أجل تحقيق مطالبها وعدالتها.

 

عن عبد الله محمد زين

mm
كاتب من السودان .. مهتم بتكنولوجيا وأمن المعلومات وإثراء المحتوى الرقمي على الانترنت .. عضو القادة المحليين في خرائط قوقل .