الرئيسية / احدث التدوينات / الريادة الثورية، بين الهمّة والخمول (منظور)

الريادة الثورية، بين الهمّة والخمول (منظور)

بقلم: قصي همرور

(1)
    لدى السادة الصوفية قائمة إرشادات سلوكية عامة، رصينة، خصوصا بالنسبة للسالكين في طريق الحق وبحاجة للإرشاد في بدايات ذلك الطريق الوعر. إحدى تلك الإرشادات ما يتعلّق بتقوية الإرادة والتخلي عنها في نفس الوقت، أو الميزان بين الهمّة والخمول. المقصود بالهمّة أن يجاهد السالك في سُبُل العبادة والسلوك، ليحمل نفسه على التزام العبادات ومجاهدة نوازع النفس؛ وذلك أمر يحتاج لإرادة قويّة وجادة في مضمارها وهدفها. والمقصود بالخمول خمول الذِكر، أي تأخير النفس وتقديم الآخرين، وكف الأذى عن الناس وتحمّل أذاهم، والاقتصاص للآخرين من النفس إذا اقتضى الأمر، ثم محاولة إيصال الخير لهم قدر المستطاع؛ وذلك أمر يحتاج للتخلي عن الإرادة (كإرادة الظهور والتمتّع بالتمجيد وما لذلك من امتيازات وسط الناس). من ناحية، يحتاج السالك لأن يشحذ همّته، ومن ناحية يحتاج للجم طموحاته، سواء أكان يشعر في قرارة نفسه أنها مشروعة أم غير مشروعة. هذه “الرياضة” الروحية من أصعب المسالك على النفوس البشرية.

(2)
    إذا استعرنا العبرة أعلاه من أهل الأدب – والتصوّف يُعرَف في التراث بالأدب كذلك – لنستعملها في الميادين الثورية، يمكن القول إن الريادة الثورية تتطلب ميزانا بين الهمة والخمول كذلك. (والريادة الثورية عبارة نظنها أدق، في هذا المقام، من “القيادة الثورية”، لأن القيادة مسألة تتعلق شروطها بمواصفات الناس كما تتعلق بالظروف التي تستدعي ملء فراغ القيادة وهذه لا تعتمد على مواصفات الناس وإنما السياق الموضوعي. بالتالي يمكن أن نقول إن القيادات الثورية ترشحّها الظروف، ومن الجيّد أن يحصل ذلك الترشيح من بين الريادات الثورية وليس من خارجها، لأن القيادات التي ترشّحها الظروف ثم لا تستوفي شروط الريادة الثورية تؤثر في الحراك الثوري سلبيّا). أليس من الجيّد أن يتميّز أهل الريادة الثورية بالهمّة تجاه شروط المجهود الميداني والتنظيمي والفكري، مع الخمول تجاه مغريات الظهور المكثّف في المحافل التمثيلية وفي طقوس توزيع المناصب والأوسمة والألقاب، وما يتبعها من امتيازات؟

(3)
    كثير من الثوّار، الثوريين، ومفكري الثورات، تحدّثوا عن أهمية القيم الخاصة التي يحملها الفرد في خضم الثورة. أي القيم التي تترك أثرها في معالم شخصية الثورية والثوري ومواقفهما التأسيسية. يقول جيفارا مثلا إن “الحب” من أهم شروط الثوري الحقيقي، أي حب الخير والجمال الموجود في الناس وفي طموحاتهم المشروعة. يقول كابرال كذلك إن نضال التحرر يشتمل دائما على حربٍ داخلية، لا تُحسَم الحرب الخارجية لصالح الحق بدونها. أفهم ما يعنيه كابرال بهذه الحرب الداخلية على مستويين: التنظيمي الداخلي (والحذر من الانتكاسات والخيانات الداخلية) والأخلاقي الداخلي (وكابرال في ذلك كان واضحا أيضا إذ وصف عملية التحرر الوطني بأنها عملية أخلاقية في المقام الأول)، وفي ذلك المستوى الأخلاقي الداخلي هنالك صدى صوفي كبير (على الأقل بالنسبة لي) هنالك حربٍ مع نفوسنا ومطامعها، وقدرتها على الانزلاق ناحية تمجيد الذات وتبرئة الذات من كلَ ما يمكن أن نصف به أعداءنا، ثم ناحية تشوّش بوصلة الحق والهدف لدينا، ثم الميل للربط التلقائي بين مكاسب الثورة ومكاسبنا الشخصية (أو العكس)، الرمزية والملموسة ويمضي الانزلاق، حتى ننظر يوما للمرآة فنكاد لا نعرف من نحن، أو نكاد لا نعرف من حلفاء الأمس وأصدقاء الأمس، حلفاء القضية، الذين ربما أحسنوا بنا الظن أكثر مما ينبغي. وعند أهل الأدب، اختصروا المسألة في عبارات، منها الحديث القدسي “يا عيسى عظ نفسك، فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستح منّي”، ومنها مقولة “ما غادر من الجهل شيئا من ترك يقين ما عنده إلى ظن ما عند الناس.”

(4)
    مانقاليسو سوبوكْوِي، في بدايات ظهور نجمه في حركة مناهضة الأبارتيد، بأزانيا (جنوب افريقيا) كان يجذب الكثير من المهتمين لخطاباته العامة، ويثير قلق عناصر النظام الحاكم بصورة كبيرة. من الأشياء التي ميّزت سوبوكْوي في ذلك الزمن أنه كان يطالب الجماهير بصورة مستمرة بمراقبة قياداتها بقدر ما تدعمها، ومحاسبتها حسابا عسيرا في حالات الميل عن المبادئ التي فوّضتها الجماهير على أساسها. إحدى عباراته الشهيرة (مترجمة بالمعنى): راقبوا تحركاتنا، حيثما نزعم أننا نمثّلكم ونتقدم مواكبكم، فإذا شاهدتم فينا أي بوادر “تحلي بالمعقولية” أو “سعة الأفق”، من العيار الدبلوماسي، وإذا سمعتمونا نتحدث على منوال “الخبرة العملية ساعدتنا على الاعتدال في رؤانا”، فتبرؤوا منّا في التو واسحبوا منّا الثقة.” سوبوكوي معروف، لمن يقرأ تفاصيل تاريخ النضال ضد الأبارتيد (لا النسخة التجارية)، أنه كان أخطر عدو واجهه نظام الأبارتيد، باعتراف أهل النظام نفسه.

“لَوْلا المَشَقّةُ سَادَ النّاسُ كُلُّهُمُ؛ الجُودُ يُفْقِرُ وَالإقدامُ قَتّالُ

وَإنّمَا يَبْلُغُ الإنْسانُ طَاقَتَهُ، مَا كُلّ ماشِيَةٍ بالرّحْلِ شِمْلالُ

إنّا لَفي زَمَنٍ تَرْكُ القَبيحِ بهِ من أكثرِ النّاسِ إحْسانٌ وَإجْمالُ”

فاللهم امنح قياداتنا، ورياداتنا، الهمّة والخمول.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة