الرئيسية / احدث التدوينات / بين (فتيان الزنك) و (شهداء ثورة ديسمبر)

بين (فتيان الزنك) و (شهداء ثورة ديسمبر)

(1)

في كتاب (فتيان الزنك) للكاتبة البلاروسية (سفيتلانا أليكسييفيتش) والذي ينتمي إلى فئة الكتابة التوثيقية أو الصحفية، صِيغتْ قصص وحكايا الجنود العائدين، والأشخاص الذين شاركوا في الحرب الروسية – الأفغانية، وهي حكايات حقيقية قامت بجمعها منهم، تصف أحوالهم عندما كانوا هناك. لكل واحدٍ منهم قصة مختلفة، فقصة الطبيب ليس كقصة الجندي، والصيدلي لي كضارب السلاح، والممرض ليس كالكاتب وهكذا. ولكن تتفق كلّها في حقيقة واحدة هي كراهية الحرب، وأن معظمهم تمّ التغرير بهم وغشّهم بذرائع مثل الدفاع عن الوطن وحماية الأرض وغيرها، ولكن اكتشفوا هناك أن للحرب وجه آخر أكثر قبحاً. الأمر الذي جعل حياتهم بعد رجوعهم منها تختلف تماماً عن تلك التي كانوا يعيشونها قبل الحرب.

(2)

الكتاب أيضاً يقودك عبر فصوله لقصص غريبة ومدهشة عن الشعور الإنساني الذي ينّتاب الجنود لحظات خوض الحرب والتماع البارود في الليالي الحالكة.. التساؤلات البسيطة عن سبب دخولهم فيها، الاستدراكات المحيّرة عن أنهم يقتلون أشخاصًا ربما كانوا أصدقائهم في ظروف أفضل من هذه. الصرخات المُفزعة التي تنّتابهم ليلاً عند سماعهم لأي صوت عالي وهم يستعيدون ذاكرة المعارك ودويّ الانفجارات. الكوابيس والدماء التي تلاحقهم بعد رجوعهم من الحرب. افتقادهم هناك وسط المعارك للحبيبة والأم والوطن. سخطهم على السياسيين وأصحاب القرار الذين يدفعونهم إلى الحرب وهم يجلسون هناك يضحكون ويعيشون في هدوء وسكينة مع أبنائهم. وهذه الأخيرة جلبت المشاكل للكاتبة حيث تم تقديمها إلى محاكمة أكثر من مرة وخرجت منها بالبراءة لنشرها هذا الكتاب، حيث أن إثارة أسئلة مثل لماذا الحرب؟ وما فائدتها وقد خلفت مئات القتلى والجرحى أزعج السلطات. هذا غير أنها كرّست لمفاهيم (ألا رابح في الحرب) و ( أي حرب هي نتيجة خطأ سياسي) ( هناك فرق بين أن تموت من أجل الوطن أو من أجل الساسة).

(3)

-الكتاب فتح قوس كبيراً للسؤال عندي؛ فيما يخص كتابة تاريخنا الدّموي وحروبنا التي خُضناها ليس بدايةً بحُروب الجنوب ودارفور وشرق السودان وجبال النوبة وليس انتهاءً بأحداث سبتمبر 2013 وأحداث ثورة ديسمبر 2018 وإلى أحداث فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019.
فهل لدينا الشجاعة الكافية (ككُتاب) لكتابة هذا التاريخ من المآسي بتجرّد ومصداقية، ونشره وتحليله كي لا تتكرر الحرب مستقبلاً؟
هل لجنودنا وجنرالاتنا المقدرة الكافية على سَردْ ذكرياتهم وانطباعاتهم الخاصة عن تلك الحروب، والتي بالتأكيد لن تختلف كثيراً عن ما قاله أبطال كتابات سفيتلانا؟.
هل لقادتنا السياسيين سعة الصدر والعقل التي تجعلهم يتقبّلون مثل هذه الكتابات التي تُجرّمهم وتجعلهم في موضوع الاتهام، بما يستوجب الاعتذار أولاً والمحاكمة ثانياً؟.

اطرح هذه الأسئلة وذات الجنود الذين خاضوا الحروب في المناطق الجنوبية وغيرها ودافعوا عن المشروع الإسلامي السياسي البائد هم ذاتهم الذين هللّوا وكبّروا يوم أن نال جنوب السودان استقلاله. ذات الجنود الذين شاركوا في قمع التظاهرات والمواكب وفضّ اعتصام القيادة الباسل وقتلوا الشهداء في التاسع والعشرين من رمضان هم الذين احتفلوا بتوقيع الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية.
إنّي لأرى تشابهاً ضخماً وهائلاً بين جنود سفيتلانا الذين نقلت قصصهم وبين جنودنا الذين نقرأ نُتفاً من اعترافاتهم هنا وهناك، هي ذاتها الروح الذي تبغض القتل والعنف والدماء وذاتها العقلية السياسية القذرة هي التي تُحرك مسرح الحرب والدماء. وتشابهاً بين فتيان الزنك الذين توفّوا في ساحات الحرب والمحمولين جواً من أفغانستان إلى روسيا، وبين فتياننا الشرفاء الذين قُتلوا فداءً لهذا الوطن منذ أول شهيد إلى شهداء القيادة العامة والمحمولين على الأكتاف إلى مثواهم الأخير.

(4)

في عام 2015 فازت سفيتلانا بجائزة نوبل للآداب تقديراً لمجودها العظيم في كتابة روايات تحمل ذات سمات فتيان الزنك مثل (ليس للحرب وجه أنثوي) (آخر الشهود)، (وكان البيت أخي الشارع)..الخ، السمات التي تُعرّي الحرب وتكشف زيفها ليس من منظور استعلائي وتنظيري بل بلسان الخارجين من ويلاتها. 
أما تسميتها الكتاب بـ(فتيان الزنك) نابعة من أن الجنود الذين يموتون في الحرب يعودون منها محمولين في توابيت من الزنك. الكتاب يستحق القراءة، فبعدها ستكره الحرب أكثر من ذي قبل وتستبين قبحها جيّداً، وربما تعاطفت مع الجنود لأنهم مأمورين وليس لهم يد فيها، وربما تخيّلت نفسك أحدهم أو انك الطرف الذي قامت عليه الحرب.

 

عن عثمان الشيخ

mm
كاتب من السودان