الرئيسية / احدث التدوينات / تأملات في الثورة والأدب 1

تأملات في الثورة والأدب 1

بقلم: محمد الطيب

 

ما هي الثورة؟

     إن المفاهيم هي تجريدات تحاول أن تصف/ تحلل الواقع – أي واقع – في عموميته وكليته مع تماس يقترب أو يبتعد عن هذا الواقع، بالتالي المفاهيم هي أدوات ابستمولوجية لتوصيف/ قراءة/ تحليل وليست بالضرورة مطابقة لواقعها. 

     إذا ما استندنا إلى المدخل أعلاه فإن المفاهيم مليئة بالخطوط المتعرجة، وكذا الثورة كمفهوم.
يتحدث تالكوت بارسونز عن الثورة كواحدة من إتجاهات التغيير الاجتماعي، ومن ثم يصفها بأنها عملية تغيير سريعة تحاول أن تكون جذرية، وتنتقل بالمجتمع من النقطة/ المرحلة التي يقطنها إلي نقطة/ مرحلة أخرى بأفضل الأدوات وأسرعها، هناك نقطة مهمة يجب الانتباه لها، إن التغيير الاجتماعي – الثورة – ليس بالضرورة أن ينقلنا إلى حالة أو حياة أفضل.

ثورة الأدب أم أدب الثورة؟

    عندما بدأت الإشتراكية كأيدولوجيا ثورية تستقطب لساحتها كثيراً من المثقفين – وبالتالي الأدباء – في العالم العربي وخصوصا مصر، تَشكل سؤال جوهري في أذهان هؤلاء، هل ينبغي على الأدب أن يطرح مواضيع ثورية في شكله واسلوبه القديم؟ أم يجب عليه أن يعمل على “تثوير” هذه الأشكال والتقنيات والأساليب؟
يعاودنا هذا السؤال مرة أخرى وبصورة أعنف، ليس كأدباء ومثقفين فحسب، ولكن أيضاً كجيل مختلف كلياً عما سبقه من أجيال.

استرجاع وتشابك

    “تصدر كل لحظة، شأنها الصيرورة والأنفاس”*

    التجريب هو السمة الإنسانية الأكثر نضجاً لمحاولته ألا يطرق على بوابة المجهول، بل يندفع نحوه بالخبرة البشرية كلها، غير آبه بإغتراب ولا عثرات، محاولا أن يقول أنا هنا وأنا أعيش. إن الكتابة الإبداعية تمرد على الفناء بصوره كلها مُدرجاً فناء المخيلة بالضرورة، محاولاً خلق صيرورة جديدة وخاصة، حاول – لنقل قاتل – كتابُ كثر الخروج من نمطية النص، ومحدوديته، وبالتالي حاولوا التمرد على وضعهم ككتاب لهم قواعد وطرق لابد أن يعبروها ليتم الاعتراف بهم من قبل السلطة – السياسية، الثقافية، الأدبية،… إلخ – التي احتكرت كل شيء، حتى رغبة الحياة/ الموت، هؤلاء هم الذين حلموا وعملوا لإصلاح العالم.

     يحكي الكاتب مجاهد الدومة عن كيفية تخلق نصه (ثقوب) ويستعير من جهد إنبات شجرة صبرها الموجع للبروز إلي سطح الأرض تشبيها لجهده فيقول: “على مدار زمن ليس بقليل، كُنت مهوساً بالثقوب في أي شكل تنوجد فيه، لدرجة أن أتتبع الثقب الذي في حذاء فتاة تمر أمامي، لدرجة أن أنسى حالي في مراجعة صيرورة هذا الثقب، وذاك وأُجهد مخيلتي، رابطاً بين ما أشاهده لأصفه، وبين تحويله للبعد الجمالي عبر اللغة،… إلخ) يقول الكثير الذي تبتلعه الذاكرة وتخفيه.

     إن النص الذي يجاهر بصعوبته على التكون لهو الأجدر بالتأمل، والصحبة المشاكسة لقراءته داعياً لإعمال كل زوايا الفكر والحس عليه، وهذا بالضرورة يحفز مراقبة الذات في موضعها الحالي لحظة التلقي، ومن ثم استعادة هذه الخبرة الرقابية في حوادث الحياة ولو بشكل لا واعي، فالنص في ذاته مخلوقات/ موجودات لها حيواتها وسردياتها وسياستها و… إلخ. وبما أنك متلقي/ متأمل/ محلل فأنت تدرب كيانك اللاوعي لهضم هذه الأساليب واستدعائها في لحظة ما داخل حياتك المعاشة.

     النص في عصر، سأسميه لدواعي جمالية عصر العجين، حيث كل شيء عجينة كل شيء، كل كينونة تعجن نفسها في سواها بمهارة التشبث بالحياة، النص في عصر العجين جمالي ومعرفي وفلسفي بجدارة يحسد عليها، فهو ذاتي ويشرح ذاته العصية على القبض، وهو أيضاً عمومي، يستلف العالم ليحكي عن نفسه التي هي جسد لرؤية العالم والتفكر فيه، كل نص في عصر العجين هذا هو سياسي بلا منازع، لأنه الأقدر على خلق و/ أو تدعيم رؤية ليست محايدة أبدا لهذا العالم، ومن ثم يستجلب طاقته وسلطته في تحريك أو تثبيط الشكل القائم لهذه الرؤية، ليس كل نص أيدولوجيا بالمعنى الصارخ، لكنه ربما بوابة لأيدولوجيا ما إذا ما وظف بشكل سيء.

____________________
*النص مأخوذ من كراسة “إكسير” الذي يزيل به عنوان الكراسة في كل إصدارة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة