الرئيسية / احدث التدوينات / تداعيات ذاكرة سودانية ثائرة

تداعيات ذاكرة سودانية ثائرة

مقدمة

توحي لي فكرة كتابة المذكرة بأن عدسة كاميرا صغيرة معلقة على أذني تراقبني اليوم كله ! لكني رغماً عن ذلك لا أتوانى عن كتابتها بل أهمُّ الآن بنشرها _وهي خطوة جريئة عند من لا ينشرون مذكراتهم_إذ لا أجد توثيقاً أصدق من المذكرات لأنها لا تروي الأحداث فقط وإنما انفعالنا بها و موقفنا منها في اللحظة الزمنية المعينة، المذكرات هي ألبوم يحتفظ بالأحداث ويستردها كما هي.

عندما طلِبَ مني التوثيق لأحداث الثورة؛ احترت في ترتيب قائمة الأحداث، إنها مهمة صعبة أن تجرد أحداث ثورة استمرت ثمانية أشهر و تفاضل فيما بينها. بل تحتار على أي أساس تتم المفاضلة؟!.

لكن لكي أسهل الأمر وجدتُها سانحة مناسبة لتحكي فتاة سودانية _عاشت الثورة عند ساحة المعركة_ ثلاثة أيام قضتها بالمعتقل و كيف هي ثورة السودانية الثائرة.

(1)

الخميس 17 يناير/ الساعة العاشرة صباحاً

كنتُ أرتب ملابسي المرتبة مسبقاً؛ عادتي القديمة، كلما داهمني الملل أو التوتر هرعتُ إلى خزانتي أفرغها و أعيدها، لاحقاً وجدتُ تفسيراً علمياً نفسياً لذلك؛ فجردُ الخزانة وإعادة تجريب بعض ملابسي القديمة، يجعلاني منتبهة و غارقة في اللحظة الحاضرة (maindfullness) و هو أحد مبددات التوتر.

أكمل هاتفي همسه بأغاني الكابلي، مرتْ هادئة لم تقطع عليّ خلوتي، ثم تجاوزها إلى قصيدة الشهوات لمريد البرغوثي:

“شهوة لوجود النساء اللواتى يخفن قليلًا

ولكن يقفن طويلًا بجفن الردى وهو نائم”

كان إيقاع الكلمات يترسب إلى أذنيَّ فيلامس شغاف قلبي، حلّقت بي القصيدةُ بعيداً، لولا أن قاطعتني المكالمة فأعادتني إلى مكاني مرة أخرى. كانت المكالمة من رفيقتي، حددت لي نقطة تجمع موكبنا و اتجاهها، واتفقنا على أن نلتقي بعد ساعتين لنتحرك معاً.

لم يكن الوقت يمر بطيئاً بل ثقيلاً، يصل غباره إلى أقصى الأماكن في الذاكرة فتستثار و تنتفض، يسألونني عن الشيء فأجيب و أنا شاردة الذهن لا أذكر السؤال و لكن أدل على أماكن الأشياء مثل أعمى حفظ طريقه، عرفه و ألفه.

ثم عند الوقت المتفق عليه، غادرتُ المنزل، أخبرتهم أن وجهتي دورة تدريبية، لستُ بارعة في اختلاق الكذبات على أمي، و لم أضطر لهذا النوع من الكذبات كثيراً.

الواحدة والربع بتوقيت الثورة :

كانت الزغرودة تنطلق فتهش لها الروح.. تخف.. تحلق ثم تجر خلفها الجسد، إنه السحر القديم الذي جعلنا نخوض حروبنا القديمة ونبسط سلطاننا و نسترد ممالكنا.

تعتريني حالة طرب تجعلني لا أتعجبُ لكيف أن أجدادنا في الثورة المهدية كانوا يضعون رؤوسهم في المدافع ! لابد وأن سمعوا زغاريداً.

في اللحظة التي بدأ الموكب بالتجمع في الشارع المقابل، كانت خطة رفيقتي – خبيرة التظاهرات- أن نستمر بالسير في الاتجاه الموازي لأن في تقديرها ذلك الموكب لن يصمد طويلاً، لكنها حينما أمسكتْ ذراعي لتصدني، كانت روحي قد حلقتْ وعبرتْ صوب الموكب تبقى جسدي فسحبتها معي و انطلقنا هاتفين :”حرية سلام و عادلة.. الثورة خيار الشعب”.

“حرية سلام وعدالة.. الثورة خيار الشعب”

كانت الثورة جنيناً في شهوره الأولى لن تقوى على المواصلة إذا اشتد نزفها، الشعب ينتفض و الدولة تقاوم وعناصر الأمن المسعورة مبثوثة في الطرقات مدسوسة في المؤسسات، تنهش الشعب كما تشاء بعد أن أغدق عليها رأس الدولة الفاسد من كنوزه المسروقة لتقوم بحمايته من شعبه الجائع الفم، المستباح الكرامة و الدم.

صَدَقَ النبأ؛ لم يصمد موكبنا طويلاً؛ فقد داهمتنا قوى مقدارها ثلاث سيارات بوكس، تحمل كل سيارة بوكس ما لا يقل عن ستة عناصر من جهاز الأمن، كان موكبنا وقتها يمر بشارع ضيق، حاصرتنا سيارة في آخر الطريق فقفلنا راجعين إلى أوله فوجدنا سيارتين بانتظارنا؛ تبيّن لي لاحقاً أن اقتياد الموكب لهذا المكان الضيق إما سوء تقدير أو فخ منصوب.

داهمنا أفراد الأمن حينما أمعنا في الهرب، توجه نحوي أحدهم ملثماً بشال أسود يتوكأ خرطوماً بلاستيكياً في طول نصف قامته، أرغى وأزبد وحينما حاولت الإنكار تناول خرطومه وصفعني على جبهتي أحسست بطعم الدم في حلقي و شممته في أنفي حينها لم أقدر على المقاومة بل عندها توجهت مباشرة إلى ظهر البوكس، كان أمام رفيقتي متسعاً من الوقت لتنجو لكنها عندما شاهدت ما حدث صعدتْ على البوكس فوراً.

ألحقوا بنا شابة و موظف ثلاثيني و طالب طب حتى ضاق بنا ظهر البوكس، كان الضرب لازال متواصلاً، السياط تهوي على أجسادنا، طالب الطب استفزه مشهد ضرب رفيقتي فتناول البندقية من ساعد أحد رجال الأمن، اقتلع رجل الأمن بندقيته من الشاب، وهوى بمؤخرتها الخشبية ضرباً على رأس الشاب حتى سال دمه إلى ظهره.

تحركوا بنا صوب موقف “جاكسون” كانت سحائب الغاز المسيل للدموع تشوش الرؤيا وأصوات الرصاص تصم الآذان، لم يكن بإمكاني رفع رأسي لأرى ما يحدث، إذ أجلسونا في البوكس جاثين على ركبنا، ورؤوسنا محنية إلى أسفل، و السياط تهوى على ظهورنا كلما تحرك أحدنا.

كنت أختلس النظر من انعكاس زجاج كبينة البوكس الخلفي، رأيتُ الرصاصات تفلتُ شاباً يرتدي قميصاً أحمر، نجا من رصاصات بندقيتين صُوّبن نحوه.

تشاور رجال الأمن فيما بينهم، و اختلفوا في أن ينزلونا أو ينقلونا إلى المعتقل ثم قرروا نقلنا.

عندما أكتب رجل الأمن أشعر برغبة في التوضيح، فربما يقرأ مذكراتي هذه قارئ في زمان قادم، يبحث عن تاريخ الثورة في الأدب. وقد يتعجب من “عناصر الأمن” لأنه قد يعيش في زمان آمن، فيبدو له ما أصفه بهم يناقض الأمن و لكن لدي ملاحظة طويلة بعض الشيء أود ذكرها :

الثورات و الانتفاضات الشعبية ليست بالحدث العادي والمألوف وإنما للأمر جذوره العميقة و جذوعه الباسقة.

تجربة الثورة تجربة كثيفة تلقي بظلالها على الحياة بكاملها والشعوب التي تعاصرها لن تعود إلى سابق عهدها و لن تفلت من التأثر بها أياً كان موقفها منها.وقبل أن تخلّف الثورات_ المكتملة_أثرها على الدولة تكون قد تركتْ أثراً كبيراً و دائماً على الشعب “المجتمع”، الشعب الذي أعدّ الثورة، يعيد اجترارها على أشكال عدة. أهمها أنه يغذي من أحداث الثورة قاموسه اللغوي الخاص به.

كنت أبحث عن الأضداد و تساءلت لفترة (حتى ما قبل الثورة) كيف يمكن لمفردة ما أن تستخدم لوصف محدد و ضده في آن واحد؟! بعد أن عرفت لماذا؟.

ما كنت أفكر فيه هو اللحظة التي يوافق عليها المجتمع اللغوي على أن هذه المفردة التي كانت تعني شيء محدد وأصبحت تعني عكسه. أفكر في الجدل و التهكم و النقاش و في اللحظة التي يجد_الذين يستخدمون الأصل_ أنفسهم أمام معنى جديد و شائع لابد من قبوله حتى لو لم يستخدموه.

ثم كمتأملة للثورة انتبهتُ إلى اللحظة التي أترقبها!

إلى أننا بدأنا نكوّن قاموسنا اللغوي الخاص بأضداده. مثلاً كلمة “رجل أمن=أمنجي” كلمة أصبحت تعني المعنى و ضدّه في ذاكرتنا نحن السودانيون، و بالمقابل نجد كلمة “نبيل” في الثورة الفرنسية على الرغم من المعنى الحرفي إلا أن ثمة معنى آخر معاكس لصفة النبل صار الأكثر شيوعاً نتيجة للحمولة النفسية والأخلاقية المرتبطة بالكلمة في فترة من الزمان.

Note pad 2

لنعد الآن إلى حدث :

تم اقتيادنا _و نحن موصدو العيون _إلى واجهة مجهولة،

كنت أختلس النظر كلما سنحتْ لي الفرصة، لمحت كبري الحديد، الجسر الرابط بين الخرطوم وبحري، فأدركتُ أننا متجهين إلى معتقل بحري.

نزلنا أمام بوابة ضخمة، تتوسط سوراً عال، وجدنا في استقبالنا جوقة من عناصر الأمن تحمل سياطاً كأذناب البقر، تنتظرنا عند جانبي المدخل، عند مرورنا عبرهم أوسعونا جلداً! كانت أي محاولة للمقاومة تقابل بمزيد من العنف.

عباءتي السوداء الفضفاضة؛ قاسمتني السياط كدرع واقٍ، بل جعلت الرغبة في ضربي أقل لأن عساكر الأمن يتصرفون أيضاً بصلاحيات عساكر نظام عام، فبدوت أمامهم كما لو أنني الشخص الخطأ. عندما ارتديتها كنت أضع احتمالاً للاعتقال، لهذا أمّنتُ نفسي بها.

بعباءتي الفضفاضة و حذائي البسيط و حقيبة يدي متوسطة الحجم، بدوتُ كفتاة بسيطة في طريقها للمنزل بعد دوام يوم خميس. إذ أن زِيّ المظاهرات المتعارف عليه :بنطال، حقيبة جيب، وحذاء رياضي، زِيّ خفيف يساعد على الهرب في حال مداهمة الموكب.

من داخل السور ألقيتُ، فبدا لي مكوناً من ثلاثة مباني رئيسية؛ مبنى جديد موازي للبوابة يسمى المبنى(أ)، يمين البوابة المبنى (ب)، و يسارها مبنى ضخم يُقدّر ارتفاعه بأربعة طوابق لاحقاً سمعتُ أنه معتقل إقامة طويلة المدى حيث أن كل معتقلي الأحزاب يتم ترحيلهم إليه ويسمى (ج).

كانت الساعة لم تتعد الثانية ظهراً عندما دخلنا إلى المبنى (أ)، أي مضت ساعة واحدة فقط على انطلاق المواكب، لكن رغماً عن ذلك وجدنا مجموعة من الثائرات تقدر بعشرين شابة يجلس على أرضية صالة المبنى، كنّ قد سبقننا إلى المعتقل. قلتُ في نفسي ربما كانت خطتهم لقمع الموكب هي الاعتقال.

لو سألتوني عمّا كنت أشعر به فسأجيبكم :شعرتُ بالخوف الشديد و ما يصاحبه من قلق و ترقب، أحسستُ بدفقات الأدرنالين على عروقي وتقافز نبضات قلبي و لم أحس بألم السياط المبرحة.

عناصر الأمن راحوا يسألوننا في تهكم من أين جئنا؟ ومن أتى بنا؟، بدلاً عن الإجابة انفجرتُ بنوبة بكاء هيستيري كاذب، أردتُ أن تنصرف عني هذه الكلاب المزعجة؛ لأستفيق من الصدمة ثم أحيك مع رفيقتي كذبة مسبوكة متطابقة نرويها عند التحقيق.

دخلتْ الصالة شابة تبدو في مطلع الثلاثين من عمرها، فارعة الطول، شرسة الملامح، تنتعل حذاء رياضياً ضخماً،و تتوكأ على عصا بلاستيكية سوداء، و تتفاعل بلغة جسد ذكورية.

طلب منها أحد رجال الأمن أن تقدم لنا الضيافة، فضحكتْ بطريقة درامية مريبة، بعدها سمعنا صراخاً يتعالى من إحدى الغرف، فأخبرونا أن الشابة الطويلة الشرسة قدمتْ واجب الضيافة لفتاة عشرينية؛ إذ انهالت عليها ضرباً بعصاها حتى طار أحد أظافر يدها..عرفنا لاحقاً أنها تدعى “عزة دفع الله” أكثر عناصر الأمن أذى و شراسة، ظلت “عزة” حائمة على الغرف تؤدي واجب الضيافة، تكيل الشتائم بأسوأ الألفاظ؛ تستفز البنات، من لا تحتمل استفزازها تختارها ضحية بينهم، هكذا تقدم واجب الضيافة.

لا أخفي عليكم أنني عندما أتذكر فنون التعذيب التي قامتْ بها عزة دفع الله فإن الأمر لا يمر كذرى عابرة و إنما استدعي المشهد كله و أستعيده ماثلاً أمامي ناظريّ، كما يستعيد مصاب اضطراب ما بعد الصدمة “PTSD ” الحدث الصادم.

جاء عدد من ضباط الأمن و شرعوا في التحري معنا، كانت الأسئلة تدور حول ثلاث أشياء :معلومات شخصية بالغة التفصيل، ما الذي أدى إلى اعتقالي؟ و ما هو رأيي في الحراك الثوري؟ و سؤال آخر مخصص لخريجي الجامعات والموظفين وهو “ما علاقتك بتجمع المهنيين”.

شرعتُ في الإجابة ورويتُ لهم قصتي المسبوكة جيداً، تقمصتُ دور فتاة بسيطة، لو كان للقصة عنوان لكان الأنسب هو “أميرة بحجابي”.

بمرونة و تعاون أكملتُ التحري، كنتُ أريد أن أعبر ذلك النفق سريعاً قبل أن يحل الليل؛ كنتُ أفكر في القلق الذي خلفته خلفي؛ فلا أحد غير صديقتي يعلم أنني خارجة في مظاهرة ليتوقعوا اعتقالي.

إنكار الانتماء للحراك الثوري أهم نقطة في التحري؛ وقد أجمعنا على إنكاره؛ فالمعتقل ليس المكان المناسب لعرض البطولات بل مكانها المناسب هو الشارع، و الاعتقال مأزق يجب التحوط منه وتجاوزه في أسرع الأوقات، لأنه يعطل الثورة.

بعد اكتمال التحري لم يفرجوا عن سراحنا كما توقعنا بل تم نقلنا إلى المبنى “ب”.

داخل صالة فسيحة بالطابق الأول تطل عليها مكاتبهم أجلسونا هناك ثم توالت الحشود تتوافد إلى المعتقل.

شهد ذلك المساء اعتقال أكثر من أربعمائة ثائرة سودانية داخل زنزانات النظام و معتقلاته، لذا ظللتُ أطلق على موكب السابع عشر من أبريل لقب “موكب المرأة الثائرة” .

كلما ولجتْ دفعة من الثائرات، جلسنا إليهن نسألهن عما يحدث بالخارج، استمر الوفود إلى نحو الساعة العاشرة مساءً، مما طمئننا على استمرار المواكب بالخارج.

ثم اعتصرنا الألم عندما علمنا باستشهاد طبيب في مستشفى رويال كير، أثناء عمله، لم نكن نعرف اسمه بعد، لكن عرفنا كيف أن أحد ملثمي الأمن القذرين صوّب عليه سلاح الموريس المحظور دولياً؛ فرد الشهيد :أنا طبيب؛ أي أنه يؤدي واجبه المتمثل في إنقاذ المتظاهرين، لكن رجل الأمن الحاقد أطلق رصاصة اخترقتْ صدر الطبيب، تشظت داخله، و غادرته عبر عشرات الثقوب في صدره!.

هزتْ الحادثة السودان كله، و أعلن أطباء السودان المضربين سلفاً إضرابهم عن المستشفيات النظامية وانسحابهم من المستشفيات التابعة لجهاز الأمن.

الليل يمر والقلق يتصاعد، كلما طلبنا هاتفاً لنطمئن أهالينا تعللوا بأن الإفراج قريب، دقائق و يتم الإفراج، هكذا عذبونا بالانتظار إلى أن انتصف الليل وأصابني اليأس.

عندما سمحوا لي بالاتصال الهاتفي كانت الساعة تشير إلى الثانية صباحاً، بعد أن هاتفتُ أسرتي زال عن كاهلي جبل من القلق؛ أعني قلقي تجاه قلق الآخرين، و بقي أمامي قلق استطيع تحمله؛ قلقي تجاه نفسي.

في ركن قصي على الأرضية الصلبة الباردة حجزتُ مكاناً قريباً من رفيقتي النائمة ثم غفوت.

الجمعة18يناير

أيقظتنا شابتان من عناصر الأمن، حُمْن حولنا السادسة صباحاً يوقظننا بأطراف عِصِيٍّ سوداء. كنت قد غفوتُ ثلاث ساعاتٍ قاومتُ فيها الوحشة والبرد فالمكان بارد جدًا و الأرضية تحتفظ بالرطوبة.

جلستُ على كرسي استضافني كمأوى طيلة أيام إقامتي الثلاثة حيث آكل، أشرب، أنام و أتلقى صفعات العصي و الشتائم. لا أغادر الكرسي إلا للأرضية الباردة أو التحقيق عديم الجدوى.

الشباب المعتقلون في الطابق الذي يعلونا أيقظهم أفراد الجهاز بحصة صباحية، يسأل فيها رجل الأمن سؤالاً ساذجاً؛ من يجيب صحيحاً يتعرض للضرب والتعذيب والذي يجيب خطأ كذلك و حتى الذي لا يجيب كلهم تحت وطأت التعذيب.

نهضتُ من الكرسي ودخلتُ إلى غرفة في نهاية الصالة، فتحتُ باب الغرفة فوصلتني زفراتٌ دافئة؛ كانت الغرفة مكتباً، مساحته أربعة أمتار مربعة به سرير، درج طويل، وسجادة أرضيّة عليها ثلاثة مساند إسفنجية و مكتبة خالية من الكتب.

كانت الغرفة مكتظة؛ على السرير امرأة محامية و شابتان نحيلتان وعلى السجادة الأرضية ست شابات وعلى الدرج الطويل تمددتْ فتاة طويلة غطتْ نقوش الحناء كفيها وعلمتُ لاحقاً أنها عروس في شهور حملها الأولى.

مشيتُ ببطء كي لا أوقظ النيّام، وضعتُ حقيبتي اليدوية على الأرض وهممتُ بالرقود لولا أن إحدى الفتاتين النحيلتين دعتني للنوم مكانها على السرير.

لن أبالغ لو قلتُ لكم أن إيثار الفتاة وتكرمها لي بالنوم مكانها على السرير هي أكرم دعوة قدمتْ إليّ في حياتي لذا قبلتُها على الفور، كان جسدي منهكاً من السهر وكانت آلام الضرب المبرح بدأتْ ترسل لسعاتها بعد أن قل القلق و انخفض الأدرنالين. غفوتُ ثلاث ساعات أخرى حتى أيقظوني على مكالمة من أمي، كان الهاتف في مكتب أحد المحققين. عندما عبرتُ الصالة متجهة إلى مكتب المحقق لاحظتُ شيئاً من الألفة نمى وسط البنات، جلسن في مجموعاتٍ دائرية يستأنسن في مرح، فالبنات أينما حللن و كيفما كانت الظروف قادرات على صنع المرح.

وصلتُ مكتب المتحري، مكتبٌ واسع فخم، كل شي فيه اختير بعناية و انسجام. ثمة شيءٌ واحد نشاز ألا و هو سرير خشبي على إحدى زوايا المكتب، تساءلت ما الذي أتى بسرير خشبي إلى مكتب فخم؟ ربما لأنهم في حالة الاستنفار، يسهرون ليفسدوا ثورتنا ليحموا ثرواتهم.

في صف انتظار الهاتف بالمكتب، كنت أسمع بعض البنات يحكين على الهاتف قصصًا مختلقة، ينكرن علاقتهن بالموكب وأنهن اقتدن إلى المعتقل خطأً، تتشابه كذباتُ البنات أمام المحقق بأحاديثهن مع أهاليهن، هكذا تخوض الفتاة السودانية الثائرة ثورتها الخاصة في البيت وعند الساعة الواحدة تماماً بتوقيت الثورة تزغرد ملبية نداء الوطن .

وها قد آن الأوان و أُذِنَ للاتي يقاتلن من وراء حجاب أن يتحررن من عبء الستر و ثقله، وليعلمن أن الصدام شرٌ لابد منه.

بعد أن هاتفتُ أمي، واطمئنان كل منا على الأخرى، توجهتُ صوب غرفة المكتب المكتظة، كنتُ جائعة ، أبصرت من شباك المكتب المطل على فناء السور طاهي عساكر الأمن في بذلة عسكرية شديدة الاتساخ، يحضر وجبة في إناء كبير، كان المشهد مقززاً و لكن ظللت أراقبه في ترقب فقد كنتُ جائعة.

أبصرتُ أيضاً مجموعة من الشباب المعتقلين يقفون بصدور عارية، ورجال الأمن يسكبون عليهم صفائح الماء البارد.

كلما وصلت مجموعة من الشباب الثائر، استقبلتهم عناصر الأمن في مكان قصيّ بالصالة التي نقيم فيها نحن البنات، يعذبون الثوار ضرباً بالسياط ورشا لوجوههم بالمبيدات، ليتأذون جسدياً و نتأذى نحن البنات نفسياً من رهبة المشهد.

مرة أخرى زارتنا عزة دفع الله، مكشرة عن أنيابها ؛ حائمة بعصا تعذيب كهربائية، تستعرض نفوذها و تسأل في استفزاز :”أنا أبوي قوش انتو أبوكم منو؟! “. ثم تلقي خطبة تحكي فيها انتصارات أفراد الأمن على المواطنين العزل و تستعرض بطولة قناصيهم و مهاراتهم في اقتناص الشهداء ثم في هستريا متشنجة تسبنا وتغادر.

بعد تناول وجبة الفطور، استدعيتُ لجلسة تحقيق كررتُ فيها ما قلته سابقاً، سألوني عن تاريخ انضمامي لتجمع المهنيين، الشبح الذي يفزع منامهم فأخبرتهم أنني حديثة تخرج لم أعمل و لو ليوم واحد، كرروا سؤالهم عن انتمائي السياسي فأجبت بأن لا انتماء حزب لي، أخبروني بانتماء بعض الأفراد في محيطي إلى جهاز الأمن ووصفوهم بالوطنية. لم أكن أعرف شيئًا عن انتماءاتهم للجهاز و لم أتعجب بعد أن عرفت فالانتهازيون يفوقون سوء الظن العريض.

سألوني عن سبب اقتيادي إلى المعتقل فرويتُ لهم قصة الأمس نفسها، القصة جيّدة متماسكة و ملابسي تتواءم معها ، لذا شعرتُ أني أؤدي جيداً.

بالتأكيد لم يصدقوا الصدفة، لكن بدوتُ لهم فتاة بسيطة لا تعرف عن المدن شيئاً، خدعنها بنات المدن الجريئات، جعلتني هذه القصة أقل نصيباً في العذاب، بالمقابل كانت رفيقتي تحظى بنصيبها و نصيبي من العذاب.

تم استدعاء رفيقتي للتحقيق، ثم ثلاث من رفيقات الأرضية الباردة، و بعد ساعة تم استدعائي لأروي القصة للمرة الرابعة، يحاولون مطابقة أقوالي بأقوال رفيقتي، ظابطان جديدان شهدا هذا التحقيق، لفقوا لي تُهماً و أرادوا تأكيدها هذا ما تبين لي لاحقاً و على الرغم من مطابقة أقولي و أقوال رفيقتي إلا أنه تم الإفراج عن رفيقتي و انتظرت أكثر من ساعة تم الإفراج فيها عن أكثر من عشرين كنداكة و لم يحن دوري بعد.

تحت الكاميرات المنتشرة على امتداد الصالة ومحاطون برجال الأمن؛ ودّعنا العشرين كنداكة و اتفقنا على لقاء في أقرب موكب.

رفيقتي ظلّت تنتظر الإفراج عنّي لنغادر سويّاً، كلما سألت أمهلوني عشرة دقائق، ظللت أتردد على المكتب أكثر من خمس مرات، بعد انقضاء ساعة غادرت رفيقتي برفقة قريب لها على أمل أن ألحق بها آخر النهار.

أود أن أستريح من السرد و أشغلكم بأفكار جانبية لا تنفصل عنه كثيراً ألا و هي: رغبتي الدائمة في الموازنة بين الحمولة اللغوية و الحمولة العاطفية للموقف؛ فالأمر يتعدى وصف الشعور لوصف مقدار الشعور. ولأن قوالب اللغة محدودة السعات لا يمكنها أن تعطي نتائج مطابقة لمشاعرنا التي يتفاوت مقدارها تفاوتاً لا متناهي حتى و هي تحت مسمى واحد؛ لهذا أجد فرقاً بين الأنا الكاتبة و الأنا القارئة؛ أجد فرقاً في ترجمة المشاعر لغةً.

مهارة عالية الدقة أن تتحول من متعاطف مع المشهد إلى جزء منه، أن تبكي على ما بكى فيه الكاتب وأن تندهش على ما أدهشه بالقدر ذاته. لما قرأت موسم الهجرة إلى الشمال، عندما دندن مزارع بسيط تحت تأثير الشرب بقصيدة شاعر إنجليزي قديم، جعلني المشهد ألقي الكتاب جانباً و تصلبت قرابة الدقيقة في اندهاش ورعب، ثم حين تناولت الكتاب وواصلت القصة وجدت الطيب صالح يحكي بلسان محميد: “لو أن عفريتاً انشقت عنه الأرض و ظهر أمامي لما ذعرتُ أكثر مما ذعرتُ”

عندها أدركتُ_ أنا_ أن مقدار المشاعر التي أراد الكاتب إيصالها قد وصلتني كاملة وبمقدار متساوي فلو انشقت الأرض _ أمامي أنا_ وأخرجتْ عفريتاً لأبديتُ عند تلك اللحظة ردة الفعل ذاتها.

ما أردتُ قوله أنني أطمح أن أترجم اللحظة المحتشدة بلغة محتشدة تماثلها. أن أحكي عن المعتقل بلغته و عن قطار عطبرة بلغة تستطيع وصف الأحاسيس الغامرة بدقة.

لنستأنف فيديو الكاميرا الصغيرة المعلقة و نواصل الحكي : بعد مغادرة رفيقتي انتبهت أنني وحيدة في مبني جهاز الأمن برفقة شخوص لا أعرفهم ينتظرني مستقبل مجهول. هكذا بدت لي الحياة، وشعرتُ بالضياع والخوف الشديد، كان المساء قد حلّ و أكثر من خمسين فتاة تم الإفراج عنها، بقينا نحن سبعة و ثلاثون شابة تتراوح أعمارنا بين مطلع العشرينات إلى نهاية الثلاثينات، تم احتجازنا كمهنيين.

إيقاع الأحداث يمر سريعاً جداً، تحيل الألفة بين البنات إلى شيء من الصداقة؛ صداقة المكان وصداقة الفكرة وصداقة النضال، و كعادة الانطوائيين يجدون الأصدقاء متأخراً، فقد وجدتُ في شابة في منتصف الثلاثينات صديقتي التي أبحث عنها.

عرفتها منذ اليوم الأول لكن عندما غادرتْ رفيقتي، انتبهتْ هي لبؤسي، وسألتني عن نفسي، أخبرتني أن اللغة التي أتعامل بها لا تشبه البنت البسيطة التي أدعيها في التحقيق، وأعجبتُ بملاحظتها الذكية فتناولنا أطراف الحديث وجدت أنها من معارف الأسرة، عرفت أنها زوجة و أم لأطفال، قوية وذكية وحكيمة، المطمئنة الوحيدة بيننا، ليس لديها ما ينتظرها من عقاب، ابنة رجل مثقف وزوجة مناضل نشأت ثابتة وشامخة، وريفة تظللني بالسكينة كلما اتكأتُ عليها، إحدى الثروات التي غنمتها في الثورة. تبادلنا الحديث الممتع وخالجتني الطمأنينة إلى أن غفوتُ على الكرسي.

أيقظني صياح فتحتُ عيني لأجد مفتاح طوله لا يقل عن بوصتين يقف على مقلة عيني اليمنى، بسرعة لا إرادية دفعته و أمسكتُ يد المرأة العسكرية و انفعلتُ انفعالاً هستيرياً، دار بيننا شجار حاد حتى تدخل بيننا العساكر، فالعسكرية “الأمنجية” كانت تود اقتلاع عيني بمفتاحها ذاك!

اتجهتُ فوراً لمكتب المتحري و ناديت الضابط الذي حقق معي و أخبرته بما حدث، فوراً استدعى الأمنجية و سألني إن كانت هي أكدتُ عليها، فنساء الأمن كن يحمن بيننا بأسماء مستعارة، نحفظ أشكالهن و نجهل أسماءهن، وحدها عزة دفع الله كانت تتحدانا، و لاحقاً تم فضحها وخسرتْ التحدي.

غادرتُ المكتب فسمعتُه _ضابط الأمن _ يجادلها ويُحمّلها مسؤولية كل شيء و أن ما تفعله خارج عن التعليمات.

هذه الكلاب القذرة ليس لها أي معيار أخلاقي إنساني، فطبيعتهم المتوحشة تحركها تعليمات و لم تكن من مصلحة الجهة التي تصدر التعليمات أن تُقتلع عين طبيبة في معتقل النظام بعد يومين من مقتل الطبيب الشهيد بابكر الذي سقط شهيداً وهو يؤدي واجبه برصاصة رجال الأمن الغادرة، كانوا حريصين ألا يثيروا غضب لجنة أطباء السودان المركزية الذراع الأطول لتجمع المهنيين السودانيين، الشبح الذي يخشونه، كانوا يترقبون تصعيداً من الأطباء المضربين يصعب على الدولة الفاسدة تحمل أعبائه.

بعد خروجي للصالة وجدتُ البنات واجمات من أثر الشجار الذي حدث بيني و” الأمنجية”، سألتهم عما حدث و أنا نائمة فأخبرنني أن رجلاً و امرأتان من عناصر الأمن حضروا ليحصروا عدد البنات لأنه سيتم ترحيلنا من الصالة إلى زنزانات المبنى “ج”، و أن نساء الأمن سيتولين حراستنا هناك.

و لكي يحصوا عددنا طلبت الأمنجية من البنات أن يقمن بحساب أنفسهن كل تذكر ترتيبها حسب ما يليها، عندما حان دوري انقطع الصوت و لم أجبها لأني كنت نائمة منذ أكثر من نصف ساعة، فاستثارت غضباً و تساءلت عمن سمح لي بالنوم ثم تناولت مفتاحها و وضعته تحت مقلتي وراحت تصيح و هي تهزني بعنف، لست أدري هل كان تهديداً أم أنها أيقظتني بالمفتاح لاستيقظ هلعة أحرك رأسي وليغرز المفتاح في عيني!.

أخبرتُ البنات أننا لن نغادر مكاننا إلى منازلنا، لأننا لن نضمن هل سيعثر علينا أهالينا بعد ترحيلنا أم لا؟. ولأننا نعلم أن تعامل نساء الأمن أشد شراسة من رجاله و مفتاح “الأمنجية” كان خير دليل.

عندما جاء أفراد الأمن الثلاثة مرة أخرى، صحن فيهم البنات بإجماعهن أن لن يغادرن الصالة إلا للبيت.

حضر مجموعة من كبار الضباط للتفاهم بيننا فأخبرتُهم أننا نثق فيهم أكثر من النساء و حكيتُ حادثة المفتاح، و لأن ما حدث كان مخالفاً للتعليمات فقد تم ردع الأمنجية مرة أخرى ثم وافقوا على بقائنا. كان بقاؤنا بينهم في الصالة التي تطل عليها مكاتبهم نسمع أسرارهم و نحفظ أشكالهم يمثل عامل ضغط عليهم، فلابد أن يفرجوا عنّا قريباً، من جهة أخرى أخبرتني صديقتي أنه تم الإعلان عن موكب يوم الأحد المقبل و غالباً سيتم الإفراج عنّا ليستقبلوا المعتقلين الجدد.

بعد ساعة مرور ساعة سمح لنا الضباط بمهاتفة أهالينا؛ لم تكن الأمور تسير على ما يرام؛ فقد أخبرنا أهالينا أنه تم تلفيق تُهم جنائية لكل واحدة منّا و سيتم عرضنا على النيابة في اليوم التالي.

كان الخبر صادماً، و أدركنا أننا العينة المنتقاة بعناية لكسر سلاح المرأة السودانية الثائرة.

ممن تبقين كانت صديقتي المناضلة القديمة، و فتاة سودانية بالمواطنة سألوها عمّا يخرجها وهي غير سودانية؟أجابت :”أنا سودانية و كُلّي سودانية” كانت عبارة صادقة، شاعريّة رنانة لا تزال نغمتها على أذني. وشقيقات ثلاث، أحضرن إلى المعتقل من ثلاثة مواكب متفرقة وثلاثون فتاة بثلاثين قصة نضال مختلفة.

ربما كان السبب وراء الاعتقال النسوي الكثيف ليس فقط الأداء الثوري النسوي على الشارع و إنما للأمر أبعاد أخرى؛ فقد كانت المجموعات النسائية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك نشطة للغاية ضد أفراد جهاز الأمن؛ و عندما أذكر المجموعات النسائية لا أعني المجموعات النسوية “feminism ” التي تهتم بقضايا المرأة، و إنما أعني المجموعات النوعية المصممة للبنات فقط و التي تضم الآلاف من السودانيات في توجهات مختلفة، أكبر هذا المجموعات هي مجموعة “منبرشات” و التي أطلق عليها النشطاء لقب “جهاز أمن الثورة”؛ كرستْ هذه المجموعة نشاطها لخدمة الثورة على طريقتها الخاصة ألا وهي التعرف على الجناة من أفراد جهاز الأمن و نشر سيرهم الذاتية بما فيها من معلومات شخصية و فضائح اقترفوها.لم تخف عليهن خافية من تفاصيل رجال الأمن بل حتى مخططاتهم، مما جعل رجال الأمن لا يتجولون خارج أوكارهم إلا وهم ملثمين. و نساء الأمن يحمن حولنا بأسماء مستعارة، و لأننا مجردون من هواتفنا النقالة أي لا نستطيع التقاط صورة لأي أحدٍ منهم و نشرها لنحصل على تفاصيل، لذا عاثت فينا “عزة فساداً آمنة شرنا، جاهلة لقدراتنا الخفيّة، إذ أن معتقلات السابع عشر من يناير استطعن فضحها فضيحة سارت بها الركبان وعرف السودانيون في أقاصي البلاد عن فتاة أمن تدعى” عزة أم حواجب” عذبت البنات في معتقلات النظام الفاسد، و لو كان للشر المطلق أيقونة في ثورتنا المجيدة لأجمع السودانيون على اختيار عزة رمزاً للشر.

على همهمات البُنيّات و هواجسهن…غفوتُ ليلة أخرى بالمعتقل.

………………..

الجمعة 19 يناير

استيقظتُ استيقاظ غريغور سامسا و وجدتُ نفسي حشرة!

أيقظونا عند الخامسة فجراً، و أنا كتلة من القذارة، ثلاثة أيام لم أستاك ولم أستحم و هبوب المعتقل شديدة البرودة تصفع بشرتي ووخزات السياط على جسدي تجعل النوم في الأرضية المتصلبة الباردة والنهوض منه أمراً صعباً.

شعرتُ أنني في دوامة لن تنته أبداً، تأملتُ كيف أنني كنت أعد نفسي للموت، كان احتمال الرصاصة أكبر من احتمال الاعتقال، لكن لابد أنها “التعليمات” قضت على بعضنا بالموت وعلينا بالاعتقال.

جاءنا أحد كبار الضباط، جمعنا ثم خطب فينا مبشراً بالإفراج، و أننا سنغادر في يومنا هذا ثم واصل حديثه عن كيف يشوه الناس سمعة جهاز الأمن، وامتنّ علينا بأننا بتنا في كنفه ثلاثة أيام لم نغتصب و لم نقتل، وأنه يتوقع منّا بعد خروجنا من معتقلنا هذا، أن نحكي للناس عن طيب المعاملة.

كان كلامه مستفزاً، و جاء ردنا ملجماً، بعد أن استشعرنا الفرج و بدأت الطمأنينة تدب في أرواحنا، فلم نترك شاردة ولا واردة إلا أحصيناها، سألني بتبجح :”إنتي كنتي مسكينة، لي بقيتي كدا؟ ” أجبته بعبارة: “الوعي مُعدي” كرر الرجل عبارتي بطريقة درامية، بعدها خشيتُ أنه إذا لم يفرجوا عنّي يومها لربما يقتادونني لحبس انفرادي.

تحرك الضابط الكبير (النشطاء على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك صنعوا منها تورية خاصة) و طلب منّا نحن الطبيبات أن نتبعه فتبعناه. صعدنا السلم إلى الطابق الأعلى، حيث معتقل الشباب_كان خالياً إذ تم الإفراج عن معظمهم و بعضهم تم ترحيله للمعتقل “ج”،_دخلنا إلى المكتب، مكتبٌ صغير، ليس فخماً و لكنه مرتب و مريح.

بعد أن جلسنا ولج في الموضوع مباشرةً؛ تحدث عن الأجسام الطبية الكبرى في السودان: اتحاد الأطباء، المجلس الطبي، و لجنة أطباء السودان المركزية، وماهية كل منهم.

كان يتحدث بلغة طبيب أو كادر طبي، الشيء الذي أثار حنقي، إذ أن سخطي على الأطباء الذين يزجّون بأنفسهم في الجانب المخطئ من التاريخ ضِعْف سخطي على بقية البشر من الذين يفعلون الأمر نفسه؛ وذلك لأن الطبيب قريب من المشهد، يصادم كل يوم أعداء البشرية الثلاثة :المرض والفقر والجهل.

عندما تحدث عن لجنة أطباء السودان المركزية تأدب في لهجته، وسرد الكثير من التفاصيل الحقيقة عنها، ثم اختتم حديثه بأن اللجنة الآن لم تعد كما هي على سابق عهدها، فقد انحرفتْ عن مساراها، و انجرفتْ نحو تيارات سياسية أفقدتها أهدافها.

بعد أن أكمل حديثه الطويل سألني: لو خُيّرتُ بين انضمامي لاتحاد الأطباء أو لجنة أطباء السودان المركزية فأيهما سأختار؟ أجبته :”سأختار الأصلح”

_”و من الأصلح في تقديرك”

_”بناءً على ما ذكرتَه أنتَ فلجنة أطباء السودان المركزية هي الأصلح”

دار سؤاله على الطبيبات واحدة تلو الأخرى و أجمعن على اختيار لجنة أطباء السودان المركزية.

حتى الآن لا أدري ما مغزى حواره الخاص هذا، و هل يعقل أن صدّق جهلنا باللجنة أو اتحاد الأطباء؟! ربما كان حواره مجرد” تعليمات”. ورغبة أخيرة لمعرفة مَنْ يكمن وراءنا و مَنْ يحركنا؟. ينظرون إلينا بعين ردة الفعل وليس الفعل، يرون في الثائرات صاحبات تقرير المصير مجرد عرائس دُمى، ولابد من تتبع الخيط الذي يحركها.

أفلا يبصرون أن ورائنا وطن بأكمله؟!.

أكملنا إجراءات الإفراج… ودعتُ رفيقات النضال و الأرضيات الباردة ثم غادرتُ الوكر.

خارج السور كان الأهالي ينتظرون مسافة كيلومتر من بوابة المعتقل، في كنف أهل بحري و كرمهم، يرتلون قصص الثورة المجيدة.

أبصرتُ أمي ترفل في “توب” أبيض، لوّحت لي من على البعد كراية بيضاء، ثم حين وصلتها، ضمتني وضمدتني.

ثمة شيء أردتُ أن أختم به: أن تبيتَ شابة ثائرة _خرجتْ من مجتمع متحفظ _ثلاثة أيام في معتقلات النظام الفاسد، لهو من أقصى مداءات التصعيد الثوري الاجتماعي في مجتمع متحفظ ،كان مساء السابع عشر من يناير، واقعة صادمة في بيوت الكثير من الأسر السودانية، التي أدركتْ بعد المسافة بينها بين بناتها.

ليعلم الذين يتحاشون الثورة _جهلاً أو جبناً أو ظلماً_ من تسرب الثورة إلى دورهم بأن طوفان الثورة قادم لا محالة وسيدُك ُّكل هشٍ؛ فليحجزوا مواقعهم وليمتنوا موقفهم .

خاتمة :

كلما راجعتُ شريط الذكريات وجدتُني نسيتُ حدثاً مهماً أو اختصرتُ مشهداً مؤثراً، وعزائي في ذلك: أن من الصعب على الذاكرة البشرية استرداد الأحداث دفعة واحدة، إذ أن التوثيق ليس بالمهمة السهلة فهي لا تسلط الضوء على مسرح الأحداث فقط وإنما حتى على ما يجري خلف الكواليس.

 

عن سميرة منصور البنا

mm
شاعرة من السودان