الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: ثورة السودان الثالثة

ترجمات خاصة: ثورة السودان الثالثة

بقلم:  James  Copnall

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

لم تكن الثورة التي قامت ضد الرئيس السوداني عمر البشير هي الأولى في تاريخ السودان، لكنها حتماً كذلك منذ تقسيم أكبر دولة إفريقية إلى دولتين…

في الحادي والعشرين من أبريل من العام الجاري، تمكن الشعب السوداني أخيراً من الإطاحة بالرئيس عمر البشير في ثورة شعبية عارمة، لينهي بذلك ما يقرب من ثلاثة عقود للبشير في السلطة؛ ذلك بعد كفاح طويل بلغ ذروته وأوجه مع زحف عشرات الآلاف من الثوار إلى حيث المقر العسكري في العاصمة الخرطوم، ومحاصرته، مما دفع عشرة من كبار قادة الجيش السوداني في نهاية الأمر لإزاحة الرجل عن سدة الحكم، وإنشاء مجلس عسكري انتقالي تكون مهمته الأساسية العمل على تمهيد الطريق للتحول إلى حكم مدني لطالما تاق إليه السودانيون.

تمرد شعبي… فثورة عارمة… وصرخة حرية أطلقتها قلوب الثوار الشباب وحناجرهم، لتصل إلى عنان السماء، وساروا في تصميم، نحو مصيرهم الذي سطروه لأنفسهم ولوطنهم، الذي رزح لعقود تحت أثقال حكم البشير وسطوته؛ فمضوا في تحدٍ وإرادة، على خطى آبائهم و أجدادهم الذين ثاروا من قبل في وجه حكام عسكريين، ما كان لهم من شعبية أو قبول لدى الأمة السودانية، واستأنفوا المسير على طريق الأمل في غد أفضل يستحقه وطنهم، غير آبهين بقنابل الغاز المسيل للدموع، ولا بالهراوات الثقال التي انهالت على أجسادهم. حتى الرصاص الذي اخترق صدورهم، لم يثنهم عن عزمهم ولو طرفة عين.  والحق أنه ليس من المبالغة في شيء لو قلنا أن ثوار السودان قد نجحوا في تحقيق ما لم تفلح في تحقيقه الجماعات المتمردة ولا الضغوط الدولية، بل و لا حتى المحكمة الجنائية الدولية ولوائح الاتهام بارتكاب جرائم إبادة جماعية :الإطاحة بعمر البشير.

ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي ينتفض فيها السودانيون محاولين كسر أصفاد القمع التي تقيدهم، فلطالما افتخر السودانيون بتاريخهم الثوري ونضالهم ضد الاستبداد، وهم في ذلك محقون دون شك، إلا أن انتفاضاتهم السابقة  للأسف لم تتمكن في نهاية المطاف من تحقيق التغيير الذي كانت تطمح إليه بلادهم.

أمة واحدة…؟

كان السودان دوما بمثابة تركيبة مربكة من الأعراق، خلقه الاستعمار، من مزيج من شعوب متباينة ومتنوعة، يحملون تاريخاً من العداء والاستغلال المتبادل فيما بينهم – بما في ذلك الاستعباد – تم دمجها معًا في بوتقة واحدة تحت نير القوى الاستعمارية المختلفة، من أتراك ثم بريطانيين ومصريين. ولطالما كان الجنوب السوداني ينظر إلى نفسه على أنه إفريقي بامتياز، في حين كانت النخبة السياسية في الشمال تقدم نفسها، والسودان بأكمله، على أنهم عرب؛ كذلك لا يجب أن نغفل دور البعثات التبشيرية المسيحية التي كان مسموحًا بها في الجنوب السوداني أثناء الحقبة الاستعمارية، والتي قد أسهمت هي الأخرى بشكل لا يمكن إنكاره في تعميق الاختلاف بين الجنوب والشمال الذي يدين غالبية أهله بالدين الإسلامي.

وقد تمكن الشمال، أو بالأحرى النخبة في شمال الخرطوم، من الاستحواذ على السلطة السياسية على مدار تاريخ السودان، وقامت الحكومات السودانية المتعاقبة بصبغ الدولة بالكامل بالصبغة العربية الإسلامية، ذلك على الرغم من التنوع الثقافي والديني الثري والهائل الذي كانت تؤمه السودان بين جنباتها أيام كانت الدولة الأكبر على مستوى إفريقيا ككل، قبل استقلال جنوب السودان عام 2011.

في عام 1955، انطلقت أولى شرارات الحرب الأهلية الأولى في السودان، أي قبيل استقلال السودان عام 1956، ولم تنته سوى في عام 1972؛ وفي عام 1985 اندلعت الحرب الأهلية الثانية والتي كانت بكل أسف أطول وأكثر دموية وبشاعة من سابقتها. وفي عام 1989 قام عمر البشير بانقلاب عسكري أطاح بالحكومة الديموقراطية التي كانت تحكم وقتئذ، ثم تولى هو مقاليد الحكم، مدشناً بذلك فترة امتدت لقرابة ثلاثين عاماً اتسمت بالقمع والصراعات والتناحر والانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان، فقد صَعَّد البشير من وتيرة الصراعات والحرب الدامية في جنوب السودان، والتي تقدر أعداد من لقوا حتفهم خلالها بحوالي مليوني إنسان.

ثم وفي عام 2005، تم التوصل لاتفاق سلام شامل لإيقاف سفك الدماء والمقتلة الدائرة، ولكن ذلك- وكما كان متوقعا – لم يحل دون تصويت الجنوبيين بالإجماع لصالح الانفصال عن الشمال في 2011.

ومع ذلك، ما كان لاستقلال الجنوب في حد ذاته أن يمثل حلًا ناجعاً ونهاية للصراعات السودانية – السودانية، فقد اندلعت النزاعات من جديد، واشتعل التناحر في جبال النوبة ومناطق النيل الأزرق، والتي كافح أهلها جنبًا إلى جنب مع الجنوبيين خلال الحرب الأهلية الثانية، إلا أنهم لم ينفصلوا مع الجنوب ليصيروا جزءًا منه وإنما بقيت مناطقهم داخل الحدود الشمالية يرزحون تحت حكم البشير، الذي لم يتوقف يوماً عن استخدام خطابا ً سياسياً أحادي اللهجة يسهم في تعميق الانقسامات الثقافية والإثنية.

أزمة دارفور :

بدأ الصراع في دارفور عام 2003، حيث انتفض السكان المحليون بالمنطقة من غير العرب ضد المعاملة المهينة من جانب الحكومة تجاههم، ثم سرعان ما استحالت الانتفاضة إلى واحدة من أبشع المآسي الإنسانية التي شهدها العالم عبر تاريخه، إلى الحد الذي دفع بالولايات المتحدة الأمريكية لوصف ما حدث بأنه “إبادة جماعية” لأهل دارفور، إلا أنها اكتفت بالتصريحات المنددة ولم تتخذ أي رد فعل على أرض الواقع لإيقاف المذبحة.

وقد استخدم البشير في قمعه للانتفاضة في دارفور ما وصفه الكاتب والباحث “أليكس دي وال” ب {مواجهة التمرد بأبخس ثمن}، حيث قام باستخدام مزيج من القوات الجوية والقوات المسلحة النظامية، بالإضافة إلى الميليشيات العرقية الوحشية المعروفين ب”الجنجويد” الموالين للنخبة الحاكمة في الخرطوم، وذلك في مواجهة الجماعات العرقية الأفريقية مثل الفور والزغاوة والمساليط، وهي الجماعات التي شكلت السواد الأعظم من المتمردين حينها.  وتمكنت قوات البشير والميليشيات المرعبة الموالية له من إخماد الانتفاضات في الإقليم باستخدام أقصى درجات البطش وأكثرها تطرفا.

وكما سبق و أسلفنا، لم يتوقف البشير عن استخدام خطاب  يكرِّس لمزيد من الانقسامات والفرقة في السودان، وكانت اللغة الأساسية الطاغية على خطابه السياسي هي لغة “الأسلمة”، حيث أكد مراراً، ومنذ أن استولى على السلطة، على أنه إنما يسعى لصبغ السودان بالصبغة الإسلامية بشكل كامل وتام، وأعلن أنه سوف يحكم البلاد من خلال تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية… والحقيقة أنه ما كان يبغي من وراء كل ذلك سوى هدف أوحد يتمثل في الحفاظ على السلطة في قبضته.

الثورة :

وقد دأب البشير وطغمته الحاكمة على إرجاع سوء الأوضاع وانهيار الاقتصاد إلى… سوء الحظ! وانخفاض أسعار النفط العالمية، والعقوبات الأمريكية على السودان والتي بالرغم من أنه قد تم رفعها عن كاهل البلاد في 2017، إلا أن الاقتصاد لم ينتعش ولم تشهد الأحوال المعيشية أي تحسن، وبقي الوضع المزري على ما هو عليه.

وفي واقع الأمر، فإن ما كان البشير يسوقه من حجج يبرر بها سوء الأحوال الاقتصادية، ما كان سوى ذرائع واهية يداري بها الحقيقة التي تقول بجلاء أن مشاكل السودان كانت سياسية بامتياز، فالبشير كان ينفق معظم مقدرات بلاده على الأمن والجيش، حتى أن التقديرات الاقتصادية كانت تشير وقتها إلى أنه يخصص ما يصل إلى 60-70%  من ميزانية السودان للقطاع الأمني، في محاولة منه لكسب ولاء القوات المسلحة وباقي الجماعات المسلحة الموالية له. كذلك كانت السياسات المروعة للبشير، وما ترتب عليها من إصدار لائحة اتهام من المحكمة الجنائية الدولية بحق النظام السوداني بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، قد أفضت إلى استحالة تخفيف ديون السودان – والتي كانت قد بلغت ما يزيد عن 50 بليون دولار-  أو الحصول على أي قروض جديدة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

نعود إلى عطبرة وشرارة الانفجار الأولى…. فاض الكيل، وضاقت الصدور بالحنق والغضب وقهر السنين، فخرج المتظاهرون إلى شوارع المدينة في احتجاجات سرعان ما امتدت ألسنة لهبها لتشعل فتيل الثورة في باقي مدن وبلدات السودان. وفي الخامس والعشرين من ديسمبر، حاول كيان جديد هو ” تجمع المهنيين السودانيين”، مكون من عدد من الأطباء والمحامين والصحفيين، تسليم القصر الرئاسي بالخرطوم عريضة يطالبون فيها عمر البشير وحكومته بالتنحي عن السلطة.

وفي الأول من يناير قام تجمع المهنيين وعدد من الجماعات السياسية والاجتماعية بالتوقيع على وثيقة” إعلان الحرية والتغيير ” والتي تنص على إزاحة البشير واستبداله بحكومة انتقالية لإنهاء الأزمة والصراعات الأهلية بالبلاد، وإعادة النظر في الدستور القائم، وكذلك العمل حثيثاً على النهوض بالسودان من جديد.

لقد بدأت الاحتجاجات لأسباب اقتصادية، لكنها سرعان ما تحولت إلى ثورة ضد الأوضاع السياسية المزرية، وصار شعار “تسقط بس” شعاراً موحداً تلهج به الألسنة وتهدر به الجماهير الثائرة، وترتج له شوارع السودان، وركائز كرسي الحكم في الخرطوم.

وقد دأب الإعلام لفترة ليست بقليلة على تصوير الثورة السودانية كصدى لثورات الربيع العربي، وهو ما كان يثير غضب المحتجون السودانيون الذين لطالما اعتزوا بكفاحهم وثوراتهم السابقة ضد الحكم العسكري. وإن التاريخ ليُنبئ من يقرأه أن إزاحة عمر البشير ليست هي المرة الأولى ولا الوحيدة التي ينجح فيها أبناء السودان في الإطاحة بالحكم العسكري، وإنما هي الثورة الثالثة ضده؛ ففي أكتوبر من عام 1964 تمكن الثوار من إجبار إبراهيم عبود على التنحي عقب مظاهرات عاتية اجتاحت البلاد على خلفية مقتل الطالب “أحمد القريشي” أثناء الاحتجاجات الطلابية، وقد أشاد المؤرخ السوداني ” يوسف فضل حسن” بأبلغ العبارات، الإرادة والقوة الأخلاقية للمواطنين العزل، الذين تمكنوا، بقيادة مفكري السودان ومثقفيها، من إزاحة الحكم العسكري.

وبعد ما يزيد عن عشرين عاما، انطلقت مظاهرات حاشدة ضد حاكم عسكري آخر هو جعفر النميري – الذي كان قد استولى على الحكم في انقلاب عسكري عام 1969 – وكما كان الدافع الاقتصادي هو الذي أشعل فتيل الثورة الحالية، كذلك كان الأمر في تلك الانتفاضة العارمة ضد النميري ؛ و نجح الثوار بالفعل في إزاحته عن الحكم. إلا أنه في السادس من أبريل عام 1985، تمكنت القوات العسكرية من التدخل ثانية والاستيلاء على الحكم من جديد.

نهاية البشير:

جاء رد فعل البشير إزاء الثورة الغاضبة ضده والمطالبات بإسقاطه، مزيجاً من الترويع والترهيب والدعائية في آن معاً… حيث تم إطلاق النار على المتظاهرين وسقط عشرات القتلى والجرحى، وتم اعتقال المئات والزج بهم إلى السجون؛ أما مسؤولي حكومته، وفي محاولة يائسة لامتصاص الغضب، فقد أقروا بسوء الأوضاع الاقتصادية التي تقاسيها البلاد، لكنهم – كالعادة – أرجعوها إلى الانتفاضة السلمية التي قامت في دارفور، مستغلين في ذلك سياساتهم المعهودة في تعميق الشقاق والتكريس للانقسام والفُرقة، إلا أن مسعاهم هذا قد باء بالفشل، وأخذ المتظاهرون يرددون شعار الوحدة في وجه خطاب الانقسام : { كلنا دارفوريون}.

ومع حلول شهر فبراير، واستمرار وتيرة الاحتجاجات دون أي بوادر تنبئ باحتمال تراجعها، حاول البشير إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حكمه، فأقال الحكومة وأعلن حالة الطوارئ على المستوى الوطني، إلا أن ذلك أيضا لم يجد نفعاً، وقد بات جلياً أمامه أن المحتجون لن يتخلوا عن مطالبهم ولن يرضوا بأقل من إنهاء حكمه.

وفي يوم السادس من أبريل، والذي صادف الذكرى الرابعة والثلاثين لإسقاط حكم النميري، خرج الثوار في مظاهرة ضخمة متجهين نحو مقر المجلس العسكري في وسط العاصمة الخرطوم، وهناك تصاعدت وتيرة الأحداث بسرعة…. { لقد حسبنا أننا سوف نُقْتَل عن بكرة أبينا، ولكننا بدلا من ذلك تمكننا بالفعل من المضي قدما حتى وصلنا إلى مقر المجلس العسكري}، كانت تلك العبارة التي قالها أحد المتظاهرين بمثابة أبلغ إيجاز لوصف بدايات تلك الأيام الفاصلة في الثورة السودانية الثالثة. وعلى مدار الأيام التالية حاولت قوات الأمن دحر المتظاهرين مستخدمين الذخيرة الحية، لكن دون جدوى.

وفي مقر الحكم، كانت كلمة النهاية لحكم البشير تُكتَب بحروف من دماء هؤلاء المتظاهرين عند مقر المجلس العسكري، وبيد عمر البشير ذاته ورغبته المحمومة في الاحتفاظ بالحكم مهما كان الثمن، فقد ضاق كبار ضباط الجيش ذرعا بالوضع المتأزم الذي بات ينذر بكارثة، وبدؤوا يشعرون بخطر حقيقي وبأن الرجل قد بات عبئاً على البلاد وعليهم؛ إلى أن أعلن البشير في دائرته المقربة انه على استعداد لأن يقيم مذبحة لو كان في ذلك ضمان لبقائه في السلطة… هنا قرر كبار الضباط أن الوقت قد حان  بالفعل للتحرك. وفي الساعات الأولى من صباح يوم الحادي عشر من أبريل، قام قادة الجيش بقطع كافة وسائل الاتصال عن البشير، وكذلك قاموا بتغيير عناصر القوات في القصر الرئاسي، ثم أبلغوا الرئيس عمر البشير أنه ما عاد رئيساً للسودان وأنه قد جرى خلعه عن الحكم..

وهنا ينبغي لنا أن نتوقف عند السؤال الأكبر والأهم، حول مدى رغبة واستعداد المجلس العسكري السوداني لتسليم السلطة إلى المدنيين، حيث يصر المتظاهرون على تشكيل حكومة مدنية وأن تدار البلاد تحت سلطة مدنية، كذلك قد أقر قادة الجيش بحاجة السودان إلى برلمان مدني منتخب وحكومة يقودها رئيس وزراء مدني. ولكن تبقى النقطة الأهم هي مدى التوافق بين المدنيين والمجلس العسكري على تشكيل مجلس حكم سيادي يضطلع بشؤون البلاد خلال الفترة الانتقالية، وهي النقطة التي ظلت محل شد وجذب،   حيث يسعى كل من الطرفين لتشكيل أغلبية ذلك المجلس الانتقالي الحاكم، وتساند كل منهما قوى إقليمية ودولية، فكل من المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر يساندون المجلس العسكري في مطالباته بأن تكون أغلبية المجلس السيادي الانتقالي من أعضاء عسكريين، في حين تؤيد كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة والنرويج تسليم السلطة لمجلس مدني بشكل عاجل.

الثورة الثالثة.. هل يحالفها الحظ؟

لقد أدرك المتظاهرون أثناء اعتصامهم خارج مقر المجلس العسكري، أنهم إن هم غادروا الاعتصام فسوف توأد ثورتهم وتُخمَد انتفاضتهم، ويضيع كفاحهم سدى، لذا فقد قرروا البقاء في أماكنهم ولم يبارحوها لأسابيع. وخلال تلك الفترة تمكن الثوار السلميين من خلق أجواء أشبه ما تكون بمدينة مصغرة حول المقر العسكري، فقد اصطنعوا لأنفسهم منصة للخطب وإذاعة البيانات، وكذلك خصصوا ركنا، هنا وهناك، للموسيقى والغناء، وفي هذا المكان أو ذاك تجد عدداً لا يحصى من الخطباء والمتحدثين، يتجمعون في حلقات نقاش سياسية حول الوضع الراهن ومستقبل السودان والسودانيين و كذلك مناقشات متواصلة حول مشاكل السودان القديمة مع العنصرية والقبلية. بل إن عدد من الثوار قد أقاموا داخل ذلك الاعتصام  ما يشبه المدرسة لتعليم أطفال الشوارع والمشردين القراءة والكتابة؛ كذلك لم يخل الاعتصام – بطبيعة الحال – من تواجد مستمر ومتواصل على مدار الساعة للأطباء، ليس هذا فقط، ولكن أيضا  تمكن المعتصمون من تصميم وتنفيذ نظام محكم للتخلص من النفايات عبر ذلك التجمع البشري الضخم. وحول تلك المدينة المصغرة، أقيمت المتاريس ونقاط الحراسة والتفتيش لحماية المعتصمين، حيث كان يجري تفتيش أي شخص يسعى للدخول إلى محل الاعتصام.

وفي الساعات الأولى من يوم الثالث من يونيو، وقع ما كان يُخشى وقوعه، حيث قامت قوات المجلس العسكري الانتقالي باقتحام الاعتصام وفضه بالقوة ومطاردة المتظاهرين، ثم إغلاق المنطقة حول مقر المجلس العسكري. ولكن ذلك الاجتياح المروع ما كان ليفت في عضد المعتصمين، فأعلنوا في المقابل اعتزامهم الدخول في عصيان مدني حتى تحقيق أهدافهم بتشكيل حكومة مدنية…

وبعد، قد جرت مياه كثيرة وغزيرة في نهر الثورة السودانية الثالثة، وتسارعت الأحداث، وتوالت الوقائع، ولا تزال تتوالى مع مر الأيام؛ ولازالت الثورة في السودان تسرد أحداثها وتسطر فصولها التي لم تنته بعد، وليس بمقدور المرء التنبؤ بما ستفضي إليه، وما إذا كان سيحالفها الحظ، فتنهض الدولة السودانية وتمضي قدماً على الطريق الذي لطالما طمح إليه أهلها عبر أجيال و أجيال، هذا ما لم يتحدد بعد. لكن الشيء الوحيد المؤكد في خضم كل ما كان وكل ما سيكون، هو أن تلك الثورة قد استطاعت دون أدنى شك تحريك المياه الراكدة في الحياة السياسية السودانية، وقطع خطوات ملموسة وحقيقية نحو غد مختلف… غد مأمول… غد أفضل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظات المترجم :

*شهد السودان منذ استقلاله  عام 1956  أكثر من أحد عشر انقلاباً عسكريا أو محاولة  انقلابية، وثلاث ثورات شعبية كبرى؛ وحكم العسكر البلاد منذ الاستقلال لحوالي خمسين عاماً، على ثلاث فترات، في مقابل إحدى عشرة عاماً من الحكم المدني الديمقراطي، لثلاث فترات كذلك.

وكانت أبرز الانقلابات العسكرية التي شهدها السودان:

– انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958 والذي استمر حكمه لمدة ست سنوات قبل الإطاحة به في الثورة الشعبية الأولى عام 1964، والتي انطلقت من جامعة الخرطوم ضد نظام حكم عبود، حيث اكتظت شوارع الخرطوم بالمتظاهرين المطالبين بتنحيه عن حكم البلاد، مما اضطر قادة الجيش للتدخل وخلع عبود، لتبدأ ثاني فترة حكم مدني في السودان، حتى مايو من عام 1969.

-انقلاب جعفر النميري عام 1969 والذي ظل في الحكم لمدة ستة عشر عاماً قبل أن تنهي حكمه الثورة الثانية عام 1985 ، حيث انتفض السودانيون واحتشدوا في الشوارع مطالبين بإنهاء حكم النميري، وقد بلغت الأمور ذروتها مع مقتل الطالب أحمد القرشي أثناء صدامات بين طلاب جامعة الخرطوم وقوات الشرطة. وللمرة الثانية استجاب الجيش لإرادة الشعب وانحاز رئيس الأركان ووزير الدفاع حينها المشير “حسن عبد الرحمن سوار الذهب” للإرادة الشعبية في السادس من أبريل من نفس العام وتم خلع النميري عن سدة الحكم، ثم تولى البلاد لفترة انتقالية لمدة عام واحد ثم سلم بعدها الحكم طواعية بعد انتخابات حرة جاءت بحكومة الصادق المهدي المنتخبة في عام 1986.

-انقلاب عمر البشير عام 1989 والذي حكم لمدة تصل إلى ثلاثين عاما إلى أن أطاحت به الثورة الثالثة في هذا العام الجاري.

** مستجدات الوضع في السودان حتى ترجمة هذه المقالة : في يوم الرابع من أغسطس من العام الجاري، وبعد أشهر من استمرار الاحتجاجات والمفاوضات والشد والجذب، عقب إسقاط عمر البشير، من أجل الدفع تجاه تسليم السلطة لحكومة مدنية، تم أخيرا التوصل إلى اتفاق بين المجلس العسكري برئاسة عبد الفتاح البرهان وقوى الحرية والتغيير، حيث يقضي ذلك الاتفاق بالانتقال إلى حكم مدني وتشكيل مجلس حكم انتقالي جديد يشمل عسكريين ومدنيين، وكذلك حكومة مدنية.

وقد تم التوقيع على وثيقة ذلك الاتفاق يوم السبت الموافق 17 أغسطس، بين كل من نائب رئيس المجلس العسكري “محمد حمدان دقلو” المعروف بحميدتي، وممثل تحالف قوى الحرية والتغيير “أحمد الربيع”، في حضور عبد الفتاح البرهان وعدد من رؤساء وزعماء وممثلي دول أفريقية وعربية وغربية.

وفي يوم الأربعاء الموافق 21 من أغسطس الجاري، أدى المجلس السيادي الانتقالي الجديد، والذي يضم إحدى عشرة عضوا، اليمين الدستورية أمام رئيس الجهاز القضائي السوداني؛ وهو المجلس الذي تم الاتفاق على أن يحل محل المجلس العسكري في إدارة شؤون البلاد ويصبح أعلى سلطة في السودان خلال الفترة الانتقالية والتي تستمر لثلاث سنوات.

ويضم المجلس الجديد ستة مدنيين، من بينهم امرأتين، وخمسة عسكريين، ويرأسه الفريق عبد الفتاح البرهان لمدة 21 شهر، على أن يتولى رئاسة المجلس بعد ذلك عضو مدني ال18 شهر التالية.

أما أعضاء المجلس السيادي الانتقالي فهم :

-الأعضاء العسكريون :

عبد الفتاح البرهان (رئيس المجلس)

محمد حمدان دقلو

شمس الدين كباشي

ياسر العطا

إبراهيم جابر كريم

-الأعضاء المدنيون :

حسن شيخ إدريس

عائشة موسى

رجاء عبد المسيح

صديق تاور

محمد سليمان الفكي

محمد حسن التعايشي.

وفي مساء نفس اليوم، 21 أغسطس، أدى الخبير الاقتصادي عبد الله حمدوك اليمين الدستورية كرئيس للحكومة الانتقالية، وعقب حلف اليمين أجرى السيد حمدوك مؤتمرا صحفيا أعلن فيه أهم ملامح برنامجه للفترة الانتقالية.

وحتى وقت ترجمة تلك المقالة، كانت المفاوضات لا تزال جارية على قدم وساق لتشكيل الحكومة واختيار الشخصيات التي ستتولى الحقائب الوزارية.

 

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر