الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: شهيد الترس: قصة حياة وموت ثائر سوداني

ترجمات خاصة: شهيد الترس: قصة حياة وموت ثائر سوداني

المقال بواسطة: كامل أحمد

ترجمة: تقوى سامي

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

     عباس فرح، أحد المئات من الثوار السودانيين الذين قتلوا بواسطة قوات الأمن السودانية في الخرطوم.

    عباس فرح كان أحد المئات من الأعداد المتوقعة والذين تم فضهم بواسطة قوات الامن السودانية اثناء اعتصامهم.

     بقميص أصفر ملطخ بالدماء، وخطوات منهكة ومثقلة، توجه عباس نحو الترس، حيث سقط شهيدا.

     في الساعات الأولى من صباح الفض الدموي للمعتصمين السلميين، ظل فرح بصورة ما واقفا على قدميه رغم الرصاصة الحية التي اخترقت بطنه، إتكأ على الترس، الذي عكف المتظاهرون السلميون على حمايته من قوات الأمن السودانية التي كانت في أتم عدتها وسلاحها ذلك اليوم. فارقت روحه الطاهرة جسده متاثرا بجراحه ليرتقي مع المئات من الشهداء الاخرين في مجزرة الثالث من يونيو.

     برغم الإنقطاع المتعمد للانترنت في السودان من قبل الحكومة السودانية، تم التحصل على بعض الصور والفديوهات التي وثقت لحظات عباس الأخيرة، بجانب ما رواه المعتصمون الذين شهدوا معه هذه اللحظات ليصبح من الممكن الآن سرد قصة عباس فرح وترسه الذي تمت ازالته بكل دموية.

ثورة وعي

     لم يتأخر عباس فرح، المهندس ذو الثمانية وعشرين عاما، في تقديم أثمن ما يملك لثورة ديسمبر 2018 والتي خرجت مناهضة للغلاء وضيق المعيشة وطالبت بإسقاط رمز الفساد، الرئيس المخلوع، والذي لم يعرف عباس طوال حياته رئيسا للسودان غيره.

     خاطب عباس رفاقه، مقدما تحليلات فلسفية ومنطقية عبر وسائل التواصل الاجتماعية، داعيا إياهم لأن تكون هذه الثورة “ثورة وعي” من أجل الشعب السوداني أجمع، وتحديدا أولئك الذين تم تهميشهم في عهد البشير.

عباس فرح في اعتصام القيادة العامة في الخرطوم

     خرج عباس فرح هاتفا في الشوارع مناديا بمطالب الثورة منذ اندلاعها ومشاركا في المواكب التي سبقت اعتصام القيادة العامة في السادس من ابريل.

    “لمجلة الشرق الأوسط قال أحد جيران عباس بأنه أثناء تصويره لمحاولة ملاحقة واعتقال المتظاهرين السلميين في إحدى أيام مارس كان قد شاهد عباس يحاول الفرار منهم.”

    “وصف الجميع عباس بأنه قد كان دائم الإبتسامة والترحاب بالجميع، ذكر أحد جيرانه بأنه قد كان أول شخص يدعوه للمشاركة في كرة قدم في الحي عندما انتقل إليه جديدا، وكان دائما شديد الحرص على أن أكون مرتاحا ومنسجما مع الآخرين.”

     عندما بدأ الاعتصام، ظل عباس دائم الحضور والمشاركة حتى تم اسقاط البشير، واسقاط ابن عوف من بعده. وكتب في صفحته على الفيسبوك بأن دماء الشهداء ومطالبهم المشروعة أهم من كل كنوز الأرض.

فض الاعتصام

     لقرابة الشهرين ظل ميدان الاعتصام والذي يقع في قلب العاصمة (الخرطوم) ميدانا احتفاليا، برغم أنه تعرض لمحاولات الفض وإطلاق الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع مرات عدة، إلا أنه ظل مكانا سليما ذو مناخ مشجع للاسر والعائلات والأطفال على مشاركة أبنائهم الاعتصام ودعمهم في المطالبة بحقوقهم. إلى أن جاء صباح الثالث من يونيو حيث فضت ساحة الاعتصام بابشع وأعنف طريقة مرت على السودان. حيث أحرقت الخيام، وقتل المتظاهرون السلميون بالرصاص الحي، وأغتصبت النساء المتظاهرات. أصابع الإتهام وجهت بعنف نحو مليشيات جنجويد الدعم السريع بقيادة محمد حمدان حميدتي دقلو والمعروف بحميدتي. الصور والفديوهات أوضحت بصورة واسعة جماعات كبيرة بالزي الرسمي لقوات الدعم السريع وأقليات أخرى ترتدي زي الأقسام الأخرى لأجهزة الأمن السودانية.

     على وسائل التواصل الاجتماعية انتشر فديو للشهيد عباس فرح متاثرا بجراحه، بقميص ممتلئ بالدماء، سائرا نحو الترس الذي كان يعمل على تامينيه في الإتجاه المعاكس تماما للمتظاهرين الآخرين الذين فروا من إطلاق الرصاص الحي.

     الثائر الذي وثق الفديو أمسك بساعد فرح وظل ينادي على بقية المتظاهرين ليسارعوا بنقل فرح إلى المستشفى، وسرعان ما تصاعدت اصوات الرصاص الحي من ورائهم.

     بصورة شخصية شعرت بالصدمة والأسى العميق بعد مشاهدة فديو استشهاد عباس فرح. رحيق فرح صديقة طفولة الشهيد قالت لمجلة عين الشرق الاوسط أنها قد شاهدت الفديو عدة مرات في محاولة لتصديقه. لم يكونوا سوى متظاهريين سلميين خرجوا للمطالبة بأبسط حقوقهم في الحياة.

     تم تصوير المقطع المرئي من شارع النيل حيث قامت قوى الدعم السريع بفضه بالكامل، وأوضح الفديو العتاد السلاحي الضخم الذي مارس به الجنجويد الفض. لجنة اطباء السودان المركزية صرحت بانه قد سقط على الأقل ما يقارب المائة شهيد من المتظاهرين كحصر أولي، ولكن العدد الحقيقي قد تخطى هذه الأرقام بالكثير الكثير، حيث تم حصر العديد من المفقودين، وقد تم العثور على العديد من الجثث الطافية فوق سطح النيل.

نحو المستشفى

     على الأقل، ما يقارب الخمسمائة جريح ومصاب تم إسعافهم إلى مستشفيات الخرطوم المتكدسة بالمصابين، وقد رصد الأطباء العاملون بتلك المستشفيات أن أغلب الإصابات هي بالرصاص الحي، بجانب وجود آخرين مطعونين.

    في أحد الفديوهات التي ظهرت لاحقا، ظهر الشهيد فرح في محاولة لإسعافه إلى مستشفى رويال كير القريبة من موقع الاعتصام وهو غير قادر على المشي بالكامل، وقد تم نقله بواسطة لوح من الحديد نحو المستشفى، وظهرت إحدى الصور لاحقا له وهو ممدد في أرضية المستشفى، ملطخا بالدماء، وموصلا بالمحاليل الوريدية مع ثلاثة من الأطباء يحاولون اسعافه.

    المستشفى نفسها ظلت محاصرة من قبل قوات الدعم السريع التي قامت بالتعدي على الأطباء العاملين بداخلها ومنعت دخول الأدوية والمعدات الطبية. وقد صرح أحد الأطباء بأنه قد تعرض للهجوم من قبل قوات الدعم السريع في طريقه نحو المستشفى للمساعدة في اسعاف المصابين.

    أظهر أحد الفديوهات المتداولة والدة الشهيد تبكي وتنادي باسمه بعد استشهاده.

    بعد ساعات من فض الاعتصام إنتشرت قوات الدعم السريع في شوارع الخرطوم، وعملت على إزالة كل المتاريس الموجودة فيها، وإجبار المتظاهرين على العودة إلى منازلهم، ونشر الذعر والرعب بينهم بإستخدام القوة والسلاح. ولكن التصعيد الثوري عاد للظهور مجددا بين المتظاهرين في كل شوارع البلاد، برغم القمع والتهديد، حيث سعت لجان مقاومة الأحياء على ترتيب وتنظيم جهودهم وتحركاتهم.

    قامت لجنة المقاومة الخاصة بالمنطقة التي يقطن فيها الشهيد عباس فرح بتنظيم مسيرة نحو منزل الشهيد لتقديم الدعم المطلوب لأسرته.

    “الدم قصاد الدم ما بنقبل الدية ، ودم الشهيد دمي ، وأم الشهيد أمي “

    تعالت اصواتهم بالهتاف.

    دعى تجمع المهنيين السودانيين في الثلاثين من يونيو بعدها إلى مليونية كبيرة لشهداء الثورة السودانية، جابت شوارع الخرطوم رغم مجابهتها بالعنق والقمع، من قبل السلطات الحاكمة وكانت نقاط تجمعهم هي منازل شهداء الثورة السودانية.

    “لا تكفي الكلمات لوصف ما يعتصر قلبي من ألم” هكذا صرح أحد جيران الشهيد عباس فرح القدامى.

    كل ما يدفعنا لمواصلة الحراك الآن هو أن معركتنا لم تنتهي بعد، سنحول كل هذه السلبيات إلى إيجابيات وأحلام محققة، حتى نحتفل بنصرنا جميعا وبالحرية والسلام والعدل كما أراد كل أولئك الشهداء.

عن تقوى سامي

mm
طبيبة وكاتبة ومترجمة من السودان