الرئيسية / احدث التدوينات / طق طق طق “مشاهد من اعتصام القيادة”

طق طق طق “مشاهد من اعتصام القيادة”

_ لمن لا يعرفهم .. هؤلاء هم ناس طق طق طق .. هكذا يعرفون أنفسهم للعالم; عبر الطقطقة اللانهائية بحجر بسيط على حديد الجسر، لم يوقفهم سقوط البشير، ولا ابن عوف، “ولا سقوط الحكومة القادمة”، لم توقفهم الشمس الحارة ولا أذان صلاة الصبح ولا حفلة “ماو” .. هم غالبا تجاوزوا قضيتهم متبنين قضايا العالم التي تحتاج أن يحتج من أجلها، حتى شكل احتجاجهم يبدو تمردًا على قوالب الاحتجاج العادية، طقطقتهم ذاتها تتمرد على الرتم الموسيقي وتأت كنقرات غير منتظمة ومزعجة جدًا، إنهم حتى لا يعرفون لماذا يفعلون ذلك، “متمردين على المعرفة و المنطق”، من أخبرهم بفعل ذلك، من هو أول شخص جلس وطقطق، لا أحد يعرف .. إنه الجزء الغامض من الفعل الثوري، إنه النبض غير المفسر، غير المتوقف، غير المهادن.

_ يوم 8 رمضان، أثناء أحداث شارع النيل النار الكثيف في محيط الاعتصام، قدوم ورواح سيارات الإسعاف، والهتاف والغضب في وجوه الثوار .. أثناء ذلك .. ثلاث من ستات الشاي أطفأن نيراهن واتفقن على شيء; .. وهو أن يطفن على جميع ستات الشاي في ساحة القيادة من أجل إقناعهن بضرورة إيقاف عملهن فورًا تضامنا مع الثوار والجرحى والشهداء الذين سقطوا و”يتساقطوا” للتو .. رأيتهن بأم عيني يتنقلن بين ست شاي وأخرى لإيصال رسالتهن، من تقبل وتطفي نارها كن يربتن على كتفها .. ومن ترفض يهددنها فورًا برمي عدتها وإطفاء نارها بالقوة! .. لم يكن ودودات ولطيفات في تلك اللحظة، لم يمتلكن فلسفة أو كلمات جميلة للإقناع .. كن فقط غاضبات .. ينخلعن كلما سمعن صوت إسعاف .. ويتخيلن _كلما اشتد صوت الرصاص_ أمورًا مفزعة .. فيهرولن مسرعات بحثًا عن ست شاي لم تطفأ نارها بعد.

_ في اليوم التالي لمجزرة شارع النيل، وأثناء  في صف الدخول للحمام .. فجأة سمعنا أصوات ضرب نار من نفس اتجاه الأمس استمرت لثواني فقط .. تذمرت حينها كل وجوه الصف وتململت بغضب في نفس اللحظة، ظهرت شتائم من هنا وهناك للجيش والدعم السريع، ونادت أصوات منفعلة لمن بداخل الحمام بالإسراع .. أثناء ذلك الاستياء قال أحد الواقفين: “غايتو لو حصل ضرب زي الأمس وشفتو ليكم جندي شايل سلاحو وراجع تشيلو منو السلاح طوالي وتمشو بيهو إنتو”! .. فورا التفتت له كل وجوه الصف مندهشة ثم غاضبة ! .. قال له أحدهم منفعلًا: “دا شنو الكلام البتقول فيو دا!!”، وقال له آخر: “إنت سلميتنا دي ما عاجباك ولا شنو! .. قايل روحك زعلان أكتر مننا يعني?!” .. ثم قال آخر: “نحن جاريين أربعة شهور في شوارع الخرطوم نكورك سلمية سلمية عشان نجي هسة في القيادة نقلع السلاح من الجندي?!” .. حاول الشخص الدفاع عن كلامه لكنه لم يجد حليفًا لرأيه .. كل الأصوات كانت ضده مدافعة عن سلمية الثورة، وسرعان ما تطور الأمر الى نقاش عظيم في صف الحمام، حتى الذين خرجوا من الحمامات انضموا للنقاش .. والغريب أن الحمامات ظلت فارغة طوال مدة النقاش! رغم طول الصف وكثرة الناس لكن لم يدخل أحد! .. فحتى الذين كان يستعجلون الدخول إليها لم يدخلوا حتى إنهاء هذه القضية الملحة.

_ المتاريس .. حجارة، خرد حديدية وبلاستيكية، أعمدة خراسانية متصدعة، مشمعات مقطعة، مقاعد غير صالحة للجلوس، أنصاف أسرة، أنصاف طاولات، دواليب مثقوبة .. أشياء منتهية الصلاحية، تعيش مقهورة خريف العمر، لا أحد يحتاج إليها في العادة، لا أحد يحبها، لا أحد يحب الكرسي المكسور أو الحجارة على قارعة الطريق أو فرع الشجرة الساقط، أشياء برغبات لن تشبع أًبدًا، فجأة تأت أيادي الثوار وتجمع كل هذه الأماني المبتورة والرغبات الناقصة، تجمعها معًا في ترس واحد متماسك، تعطيها هدف، هوية .. في الصباح الباكر تأت كراكة الجيش، تنتفض قلوب الثوار فيجلسون صفوفًا خلف الترس ..  أمام الترس تتأهب الكراكة، داخل الترس يوجد كرسي مكسور لم يعد يشتهي أن يجلس عليه أحد .. فقد نبتت لديه رغبة جديدة.

_ في القيادة .. نقاش سياسي حول سلمية الثورة في صف المزنوقين في الحمام .. “أكثرهم تحمسًا للكلام هم أكثرهم زنقة ولكن الناس لا يعلمون” .. مريضان داخل العيادة “مركبين دربات” ويبدو عليهم الإعياء الشديد تجدهما يتحدثان بسخونة عن نسب التمثيل في المجلس السيادي، الطبيب الذي يحاول تهدئتهم ينخرط معهم في النقاش، فيأت طبيب آخر ويحاول تهدئة الطبيب الذي يحاول تهدئتهم .. ستة شباب حول صحن فتة عدس حارة جدًا .. يأكلون ويوحوحون، ويتحدثون أثناء الوحوحة عن مدى فاعلية المفاوضات بين المدنيين والعساكر، أمام بائع المنقة بالشطة ينبت نقاش بين الزبائن حول مستقبل الثورة، يدس لهم البائع شرائح منقة إضافية حين يعجبه النقاش، في صف الرز بلبن يتحدثون باهتمام حول الضغوطات الخارجية، ضغوطات ضغوطات ضغوطات .. في وضايات الجامع تنفتح الكثير من المواضيع، يتوضأ الشخص أربع مرات غارقًا في الكلام، وينسى في كل مرة غسل رجليه، حين يركع في الصلاة يعرف فيرجع إلى الوضاية حيث يتوضأ أربعة مرات أيضًا، في المطابخ، أثناء سواطة الحلل يتحدثون عن هياكل السلطة المدنية و حل جهاز الأمن ومكان قوش .. فوق النفق يبدأ شخصان نقاشًا لا نسمعه، لكن على أي حال يسكتهما شخص ثالث قائلًا: “نحن هنا ما بنتناقش، نحت بنطقطق بس” .. قبل وأثناء الإمساك والإفطار يتقاذف الناس بكلمة “مدنيااااو” .. يقولها هذا وذاك وذاك .. تتخذ الكلمة هيأة ذكر صوفي .. أحيانًا يقولها الشخص حتى في سجوده دون أن يدري .. آخر الليل داخل الحمام .. طفلان يحملان مكانس منهمكان في تنظيف الحمام، أثناء ذلك يتحدثان بحرقة عن سرقة حميدتي للثورة .. عن سياسة المحاور، لكنهما يضحكان حين يتحدثان عن تهديدات العسكر بفض الاعتصام ..

 

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .