الرئيسية / احدث التدوينات / كلمات متجولة (10)

كلمات متجولة (10)

مارلا

كان جُرحي الذي في حلقي يفتكُ بي لأيام طويلة، الجرح من الداخل جعل في صوتي شرخاً، أتحدث الآن إليك بصوت خفيض لكيلا لا يسمعني الناس فيفتكوا بي، فكثيراً ما يدخل الهواء بفمي و يخرج أصواتاً تشبه اللعان البذيء .

بدأ الجرح كبثور صغيرة أعلى حلقي، أُداعبها بطرف لساني بكلماتٍ حلوة، سميت الجُرح ” مارلا “،الجُرح المتطلب، كنت أمنحه الاهتمام لدرجة كنت أملأ حلقي بقصائد نيرودا و أنفثها كدخان التبغ، تحسست مارلا في أغلب أوقات ضعفها، وهي جرح صغير، منحتها تلك الحكة ” اللذة بملامسة لساني لها ” .

لم أكن لأمسك حلقي اللعين بيدي، كل هذه الساعات الطوال لأنني أريد اقتلاعه لا سمح الله، كنت فقط أتحسس نبضها، اللوزة التي تُزهر في حلقي تجعلني أشعر بالجفاف فأشرب الكثير من الماء البارد، عكس ما ينصحني الأطباء .

أخذت مارلا تكبر في حلقي، جاعلة من قصبتي الهوائية قصبتها، قلتُ في نفسي و الصوت الذي بيني و بين نفسي لا تخرجه حبالي الصوتية ” لا ضير من مشاركتها لحلقي ..” و صارت تتلعثم في الكلام، حروفها المتلكئة تركتني أرسب في كل الامتحانات الشفهية، أفشل في كل المرات التي أواعد فيها إحداهن، أفشل في الحديث العادي، فأغدو صامتاً إلى أن تضجر مني. أمرض أحياناً كثيرة بها، لا يعجبها تقلب الفصول .

لأوقات طويلة، صرت أُشكك في صوتي، أشعر بأنه لا ينتمي لي، أضغط حرف الراء حينما نتعارك أنا و مارلا، فتبدأ بعادتها السيئة، تجعلني أكح و أسعل لوقت طويل، استشرت صديقي في الهاتف عن كيف ” أوقف ذلك السعال الدموي “.

جاءتني إجابته بعد وقت طويل : هل كنت تمازحني بصوتك الخنثوي مجدداً .

الآن فقط أيقنت أن مارلا قد تمكنت من حلقي، لقد تقيأت اليوم كثيراً، و هي تحك بيديها حلقي، لا تريد أن تكون مسجونة، مسحت بياقة قميصي على فمي، لاحظت الورود داكنة الحمرة التي تخرج من فمي، تأففت و أنا أُخرج ورود الجهنمية المُرة من سقف حلقي و من تحت لساني، خفت أن يراني أحدهم و أنا جالس في حديقة المركز الصحي، كنت مشدوهاً ” فاتحاً فمي على مصراعيه “، لا أستطيع إغلاقه حينما مررت البنت خدعتها القديمة في صوتها، تلثغ حرف الراء كعقرب، مرحباً : إسمي مارلا و أنا ورمك .

~ اليد

يدي ستأكلني و أنا خائف من هذا، وضعوا لي الحناء منذ أيام و لم تتلون يدي، كان الأمر مريباً لدرجة أرادت أمي قطعها و وضعها داخل الوعاء الطيني لمسحوق أوراق الحناء.

أصبحت تراودني هذه الأفكار منذ مدة ليست بالطويلة، كنت أُهمل فيها نفسي تماماً، أقضم أظافري حينما أحس باشتهاء ذلك، أو لا أغسلهما فمنذ صغري كانت يدي صديق خيالي، أُصير أصابعي كأقدام سوبرمان و أتعارك بها مع الأخرى، أدسها في خجل عندما أقف أمام الفصل كأنما أدس كيس حلوى عن الآخرين.

حاولت أن أتغلب على خجلي، دربتهما على الطقطقة للمشاركة في حل الأسئلة إلا أنها سرعان ما كانت تخذلني فتبتلع الصوت، صوت الطقطقة يختفي، أجدني أعرف الإجابة و لكنني أعجز.

أعرض يدي للشمس، أقودها للنزهة ككلب مدلل مجبراً على حملها، لأنني لا أستطيع تركها تتسكع وتتركني لذلك كنت حريصاً علي ضم يدي لصدري و عبور الشارع. لمرات كثيرة كانت تسبب لي يدي اليمنى الحرج، أعني أنها كانت تسارع لتسالم المارة فيضحكون، أضحك وقتها لكن سرعان ما يتملكني شعور بالندم، أعتني بيدي، أمسحها بالمعطر، بمرطب البشرة. قادتني يدي للتعرف على أجزاء أخرى من جسمي و مراهق أخرق صرت تابع لها، منهك.

كان الأمر شهياً بلا شك، أن تعقد يدك صداقات مع أجزاء أخرى من جسمك، مرة حلمت بيدي تمر على شعر فتاة، كان أسوداً فاحماً لدرجة أنني لم أر يدي، كانت تغطس في ليونة أبدية، اعتقدت أنها اختفت هناك، كان ساعدي بدون مرفق، استيقظت مفزوعاً لأجدها موضوعة في ملابسي الداخلية.

تمردت يدي ضدي مجدداً، أصبحت تبدي غضبها بوضوح و ترتجف، توترني للحظات و تهدأ، لم أستطع أن أتعايش مع نوبات فزعها تلك، حتى إن عظم بنصري خرج للأمام، بشكل ليس مؤلم لكن مخيف، بروزه يشعرني بالتحرج حينما أصافح أحدهم، و كأنه شتلة تمر جانبية، إصبع جديد قد يخرج في الأيام القادم، فكرت في ارتداء القفازات، أي معاقبة كل قبضة يدي بحرمانها من كل شيء، انتبهت لأنني أضع يدي اليمنى على اليسرى بحنان، كأن كل يد تحتاج للأخرى.

سأخلع مرفقي بأكمله لأنها ستأكلني، يدي ستأكلني أقسم أنه ليس تهديد، حاولت خنقي بالأمس، نما شعر رمادي علي ظهر أصابعي و برز العظم و كأنها ستة أصابع، كان يعوق حركة الإبهام، أُفلِت القلم و أنا أكتب ستة مرات، و برزت عروقي من كلتا يدي، كانت خضراء و بها عقد كعيون مغمضة، صارت مسطحة ملساء  دون بصمات أراها أمامي حتى الخطوط العرضية انمحت، الدم المتدفق علي الورقة التي تراها سببه العنكبوت الذي تحولته يدي حاولت غرز القلم بالأخرى و لكن ذلك الشيء أفلت لذلك أنا خائف من يدي ستأكلني أو ستأكل الفتاة التي سيزوجونني إياها.

~ العدو

اليوم هو السادس من أبريل، المحاولة الثانية لكتابة تقرير اللجنة الأمنية المفوضة لمراقبة خلية تتبع للجان المقاومة، كانت مهمتي في غاية السرية و هاهو التقرير قد اكتمل كما ترى و هو موضوع بين يدي للمرة الثانية للمراجعة.

كان مكيف الهواء قد حرك الورقة، التقطتها من مكانها، شغلت جهاز الكمبيوتر حيث أحتفظ بنسخة مما كتبته، عافرت الماوس قليلاً فلم يكن يعمل، نزلت وراء الكمبيوتر لإدخال قابس فأرة الكمبيوتر و لما تأكدت من أنها تعمل، عدت للكرسي و فتحت لعبة الكوتشينة( العنكبوت ) المفضلة لدي، أطفأتها مجدداً عندما أحسست بدخول أحدهم.

منذ بداية شهر فبراير كنت أتعقب الهدف (سين)، كان فتىً من النوع الضخم، أتذكر يده المشعرة التي تظهر من خلال ارتدائه للملابس الضيقة، تحركتُ ليلتها خلفه لمقهىً في وسط المدينة، طلب وقتها شراب الحلبة من بائعة الشاي، بعد دقائق امتلأ المقهى بأشخاص يشبهونه، أولئك النوع الذي لا يكف عن الحديث بثقة عن كل شيء، استرقت السمع لوهلة، شدني حديث أحدهم : يجب أن لا نيأس و لا نتفاءل، نشتغل بس. كانت يده تتحرك بين خصلات شعره مضطربة، تحرك شعره الكثيف بعشوائية، عندما رمقني بنظرة أحسست حينها بأنني أفسدت مهمتي فارتشفت الشاي بسرعة، ابتلعت ذبابة كانت قد غطست لتوها في الشاي و بصقتها.

أستيقظُ في بعض الأحيان لأجد أسفل إطارات دراجتي النارية- قصاصات ورقية، منشورات، جدران المدرسة مليئة بالكتابات .بعد عشرين يوم بالضبط تعرفت على خمسة من أفراد اللجنة، كنت أعرفهم من خلال وشم أو خال على أيدي بعضهم، ضحكت وفكرت ماذا لو وشمت يدي و بالفعل بعد أسبوعين كنت قد حفظت قصيدتين و عدت أتكلم مثلهم، قلدت طريقتهم في الحديث، ما حيرني بالطبع هو قدرتهم على التحدث بإيمان مثل قول أحدهم ” قادرون على إسقاط الجنرال” بالطبع لن يسقطه الزعيق و الهتاف في الشوارع.

في شهر مارس طلبوا مني الانضمام لخلية تتبع للحي الغربي و فعلت، فقد مضى زمن طويل لم أعد أميز فيه كوني رجل أمن أم فرد مقاومة، طبعت المنشورات عبر ماكينة هذه الغرفة بالذات، غرفة الأمن الذاتي رقم ثلاثة، وزعت بعضها من على دراجتي النارية، صرت صديق الولد الضخم الذي سأفصح عنه في نهاية تقريري.

عزيزي السيد رئيس شعبة الأمن الذاتي-فرعية السياسي، توصلت لنتيجة أن هؤلاء الأطفال لا يشكلون خطر على أمن الدولة، هذه الرسالة مزودة بتقرير مفصل عن حادث الاعتقال الجماعي لأفراد الخلية الكبيرة.

الثامن و العشرين من مارس، تعمد أولئك الشياطين أن يضللوكم فقد عقدوا اجتماعهم داخل مسجد، هم يعملون أنكم تصنفونه كفار، لقد استخدموا فخ الصياد لاصطياده، ركضوا عند جوانب المسجد على سجاد المُصلى مذعورين كذباب يطُن في خيوط العنكبوت يوم أن اعتقلتموهم.

في الحقيقة و بالرغم من ضيق الغرفة و البرودة العالية، كان عليَ أن أنجز تقريري فسيطلع عليه اللواء مدير الشعبة، أحسست بخدر في قدمي بسبب جلوسي ساعات طويلة لأعيد تصحيح كل ما كتبته، نظرت للساعة كانت العاشرة صباحاً، سيكون عليَ حفظ الملف و طبعه، فجأة سمعت وقع أقدام و هي ترتطم ببلاط الأرضية و صوت إطلاق رصاص، تزايد الصوت عند باب المكتب، فُتِح الباب من خلفي و هنالك وقف (ظهر) أحد أغرب المخلوقات التي رأتها عيناي على شاشة الكمبيوتر، مد يده المشعرة على كتفي، لم أستطع إكمال دائرة كاملة للنظر خلفي، أحسست بلمسته على كتفي، سمعت الصوت الأجش ” سقط النظام ” – قلت في قرارة نفسي ” آه صحيح ” و لمست بكف يدي تلك اليد و كأنها جزء مني و شعرت بالشعر الكثيف يغطي الكف، ضغطت الأمر لطباعة الورق ثم ربتُ عليها، أمسكت بالورقة الخارجة لتوها من الطابعة الحبرية و توقفت يدي في الهواء، و بيدي الثالثة واصلت التربيت على قدمي التي أصابعها الخدر ثم أزحت كُم القميص و نظرت للساعة في يدي الرابعة.

 

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان