الرئيسية / احدث التدوينات / مجزرة8 رمضان: أحداث ومشاهدات

مجزرة8 رمضان: أحداث ومشاهدات


بقلم: أسماء سعيد

     أخبرني شرطي الجيش، الواقف قرب الدبابة العسكرية، التى تسد الشارع، أنه لا طريق للوصول للقيادة، ومن الأفضل لي الرجوع إلى البيت، ثم رفع يده باتجاه مجموعة من الشباب يقفون على جانب الشارع، مشيراً أن الخيار الآخر هو أن أنتظر معهم. كانت الساعة حوالي الواحدة نهاراً، ولا يوجد أي سبب منطقي للإغلاق الشوارع في مثل هذا الوقت، (تاتشارات) الجيش أغلقت أغلب الشوارع الرئيسية، متراصة كسيارات ألعاب لطفل صفير يحاول أن يشكلها كقطار، حافلات النقل غيرت طريقها باتجاه آخر غير مكترثة، وسماء الخرطوم بحري تنفث الدخان في جميع الاتجاهات.

     اثناء الانتظار الذى بدا بدون جدوى اقتَرَبتْ مني إحدى الفتيات وسألتني: فاطرة ولا صايمة؟ عَلِمَتْ من نظرة الاستغراب أنني لا أعلم شيئاً. فأخبرتني: “فطرنا كلنا من الساعة 12، أنا من الجري، والشباب ديل من كمية الضرب الإنضربوهو، الواحد كانوا بتلموا فيهو عشرة من ناس الدعم دا غير المطاردة (بالتاتشرات) من الساعة عشرة”. فقلت لها مواسية حتى المسافر له حق الافطار وهو لم يلقى لحظه واحده من لحظات الخوف والترهيب التى تلقيتموها، كُنتُ أعلم بعد نزول جدول التصعيد بساعات أن اليوم لن يكون سهلاً على أي طرف. 

     إلتفتنا جميعاً إلى رجلي الشاب الذي يقف معنا، بعد أن بداء صديقه بالتندر عليه، كان يرتدى (شبط) فى رجل واحد فقط، ثم أخبرنا أنه أتى بهذه الهيئة من أقاصي مظاهرات الأحياء ببحري وحتى الكبري، ولم يلاحظ لذلك إلا الآن.

    بدأنا بالتحرك في اتجاه الكبري، علنا نجد أي طريق للوصول للقيادة، وبالفعل توقفت عربة ملاكي، لم يستطع السائق أن يقاوم رغبته فى السؤال، بعد أن كان واضح أن الجميع متظاهرون: “الليلة قالوا كتمتوها الصباح؟” أجابوه باقتضاب عن أن المواجهة بين الطرفين لم تكن عادلة بأي صورة للمقارنة وتحديد الطرف المتفوق على الآخر. ثم قال الرجل أنهم جهاز الأمن وليس الدعم السريع، كان يصر على ذلك، كأنه راهم بعينيه وهم يخلعون ملابسهم الاشتراكية، ويرتدون ملابس الدعم السريع، ثم ودعنا مستعجلاً.

    الاعتصام في مثل هذا الوقت يكون راتباً عند الساعة الثانية نهاراً، كنا نجتاز محطات التفتيش مستغربين من مدى برود كل شيء، هم لا يعلمون ما يحدث في الخارج، بسبب هذا الاعتصام، انقطاع شبكة الإنترنت والاتصالات المتعمد، والذي يكون فى أفضل الأحوال ضعيفاً، من أهم أسباب هذه العزلة المتعمدة، فقط المخيمات المسؤولة عن وجبات الطعام كانت تدب بها بعض الحركة، ودعتهم جميعا وأنا أرى الإستغراب فى جميع الوجوه التى تطوع لها الشاب الفاقد حذائه بإخبارهم بما حدث لهم.

    لم تكن هناك أي أصوات غريبة، أو حتى مناوشات، سوى بعض الأدخنة المتصاعدة من جهات مختلفة عند الساعة الرابعة، والتي لم تنل أي استغراب، فالجميع كان يعلم أن اليوم هو يوم مظاهرات الأحياء، ولكن مالذى يجعل هذه الأدخنه تتصاعد فى الشوارع الرئيسية!

    مع اقتراب الساعة الخامسة بدأت أصوات رصاص قوية تتصاعد، كان الجميع من المتطوعين مع ضيق زمن الإفطار يحاولون التركيز على تحضير الطعام، ولكن جزء كبير ركض باتجاه الأصوات، سيارات الإسعاف لم تمنح أحداً فرصه للتكذيب، خرجنا جميعا بإتجاه (العيادة). إصابات بالرصاص الحي! فى الراس والصدر. لا توجد إصابة بطلقه واحدة، لا يوجد جسد يحمل أقل من ثلاث طلقات، أصابات واضح أن هدفها هو القتل.

    سبعة وسبعون إصابة، خمسة وفيات، وحالات حرجه لا تعد. فرغت العيادت من المعدات الطبية، قفازات الأطباء كانت مملؤه بالدم، يركضون من عيادة لعيادة ومن إسعاف لإسعاف، لاستعارة المواد والمعدات فيجدون الأوضاع أسوأ، سيارات الإسعاف فى تخبطها غطت جميع العيادات، توجهت إلى خارج الاعتصام حيث المستشفيات التي لم تكن باستعداد لهذا الكم من الإصابات في هذا الوقت الضيق أيضاً.

    في لحظه ما بدأنا نسمع أصوات التكبير، فعلمنا بقطع الإنترنت عن المنطقه لعدم إذاعته، شهيد جديد، الأمهات لا يقوين على التوقف عن البكاء، وأصابع التهليل والتشهد المرفوعه لتثبيتهم، والأصدقاء يدخلون فى حالة صدمة ثم يركضون إلى (الترس) مرة أخرى لإحضار أخ أو صديق آخر مع كل صوت لرصاص يتصاعد.

     مع صوت آذان المغرب الذي لم نتذكره للحظة قام البعض بتوزيع قليل من البلح والماء لمن استطاع أن يفطر. بعد الآذان بالتمام عجت الشوارع بالمعتصمين الثائرين المطالبين بالدم قصاد الدم ما بنقبل الدية، لم يكن هنالك من صوت آخر سوى صوت مبحوح لطفل فى الثالث عشر، يرفع علامة النصر ثم يصرخ: “أم الشهيد أمى .. دم الشهيد دمى.” ثم أصوات همهمات بأدعية من أقارب وأسر الجرحى وأصدقاءهم، يشاهدون النقالات تخرج وتدخل ومع كل خروج يدعون ألا يكون هذا شهيدهم. وفى دقائق معدودة ازداد الشارع قوة، من الغضب، والحنق، والظلم. فهب كمارد كان لابد من خروجه. وكان لزاما وضع حماية وتوجيه ردة فعل قوية.

     شعرنا بالأرض تهتز تحت أقدامنا، وأنا أقف بالقرب من صديقتى التى تعمل بالتفتيش للسيدات فى بوابة كلية الاشعة، كان الشباب يحملون قطعة حديد كبيرة، لا يقوى على حملها أقل من ثلاثة أشخاص، ويقمون بالضرب بالتوالى على فواصل الشوارع حيث (طوب البلك)، وفى لحظات فقط اضحت هذه الفواصل فارغة إلا من بعض الرمل، وبعزيمة خلية نمل دؤوب، نساء وأطفال وشباب كلاً على حسب استطاعته يحملون (طوب البلك) إلى الخارج لزيادة (المتاريس).

    عند العاشرة توقف صوت الرصاص، وعند الحادية عشر بدأت ورديات الليل في التوافد، أخبرني شاب في التأمينات أن (الفوضى إتحسمت)! ولكن أي فوضى أكثر من ألا نعلم من يقتلوننا في لحظة بكل تلك العشوائية، هل هم دعم السريع، أم كتائب ظل، أم جهاز أمن، ومن الذي حول دفة مظاهرات الأحياء إلى الشوارع الرئيسية على عكس ما صدر في جدول التصعيد، أسئلة كثيرة لا تساوى إجاباتها فقدان الأروح والإصابات، ولكنها تضع كل من يفكر بها في حالة إلتباس.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة