الرئيسية / احدث التدوينات / الوليد: شهيد الوعي والحب للوطن

الوليد: شهيد الوعي والحب للوطن

كان هتافنا ولا يزال…

الدم قصاد (مقابل) الدم، ما نقبل الدية

هذه الثورة لا تقبل إلا بالقصاص العادل عن كل الشهداء…

عني أنا لن أقبل بغير محاسبة قاتل الوليد الذي خرج فقط بكل السلمية ليمنح هذا الوطن حقه في الحياة …

كانت الطلقة على الصدر بمثابة أكثر الجرائم بشاعة وقذارة في تاريخ الثورة المجيدة التي انطلقت في تاريخ يعتبر مميزاً وجليلاً 18 من ديسمبر الماضي من العام 2018م بالخرطوم….

القناصة منتشرون على أسطح المباني والشباب لا يفعلون شيئًا سوى تتريس الشوارع وإغلاقها…

أدب رفيع في منتهى السلمية الواضحة (فكرة اللاعنف)..

وقفت وحيداً أتأمل المشهد من على غفلة من تسارع ذاك اليوم الأسود…

لما تبدو عابسًا وحيدًا؟

والمطر يهطل فوق سقف العريشة منذ البارحة

كنت في عالم آخر… تخيلت وحدي كيف يمكن لإنسان ما(إن كان إنسانا بالأساس) أن يقتل إنسانًا لا يفعل شيئًا سوى وضع بعض الحجارة على الشارع.. برصاص بندقية من على البعد… منتهى الجبن والخسة والحقارة… وحتمًا هو ليس بالإنسان…الإنسان لا يقتل الإنسان….

ذهب الوليد إلى البعيد،،،

صديقي الوليد…

حين قررت الكتابة عنك، كان عقلي يدرك حجم الفجيعة ومآلات الكتابة عن شهيد مثلك…

تضعني في موقف أبعد ما يكون عن التصديق وحقيقة الواقع!

ترحل ولا يزال مسئولو الدولة يمارسون الجبروت والإذلال ضد هذا الشعب الأسمر

السودان المنكوب في رحيل أبنائه بالطلقات والضربات المفاجئة…. لازال بحاجة لمزيد من الوعي والحب..

البلاد مليئة باللصوص والقتلة والجبناء وأكياس الحقد والضغائن….

وأنت كنت أكثرهم ثباتًا وتماسكًا…. أكثر الشجعان ثباتًا على كلمة الحق

وجهك المضيء وانتقاؤك لكلمات من الأدب ودماثة النفس ما يأخذ بلب الروح بعيدًا كذهابك المجيد….

التقينا في ظروف أقرب ما تكون هي حلم درويش يتجول في خضم حلقة من الذكر…ذات عام مضى في مناسبة أكثر فرحاً وسعادة بك…. كنت أنت أميرها وحامل مشعلها المضيء… التقينا في وسط حلقة من الأحباب واللطفاء في بيت الأحباب..

لكنك فاجأتني بهذا الرحيل وأصبت قلبي في مقتل…

كما عهدتك

لم تكن ساعيًا لبذخ ولا فوضى

كان خلقك من مصاف الأنبياء … الوليد أنت ملك في مملكة الأقواس السماوية

رحيلك كان انحرافًا معياريًا عن خط تماسك الأشياء واتزانها

المغتاظون كثر..الحاقدون بشراهة على هذا الشعب متواجدين في كل مليمتر من رقعة الأرض السمراء

الفاشلون في تبني الخلق الرصين والذوق واحترام حرية الرأي والرأي الآخر… توالدوا وتناسلوا في ضيق ونهم

بالأمس كانوا مجرد لصوص لمال هذا الأفريقي الحر… ثلة من عصابات الطرق…

بذرة غير طاهرة في مرقد الانتشاء..

امتلكوا البنادق والرشاشات… صاروا اليوم قناصة…

اليوم صاروا قتلة

الوليد كان يحرس الترس…. (الشوارع دي احنا بترسها)…..يا الله من هذا التصميم والوعد بالغد المليء بالضياء…

الوليد كان يحرس الترس بيده يضع الحجارة ويرصها ويجيد تماسكها بجد واجتهاد…

ومعه ثلة من أبناء حي المزاد – الرجولة فيهم معتقة وتفيض بالمروءة – طفائف بيضاء – من عشق السودان تطل من بياض أعينهم المسامحة الطيبة…. القضية كانت واضحة بالنسبة له ولهم…لنجعلها سلمية حتى آخر الدقائق وسننتصر في النهاية…

قال لذلك المغبون المليء بالحقد كان نقيبًا على ما أذكر- أنتوا شوفوا شغلكم واحنا بنشوف شغلنا-…

هكذا كان الحرص على بقاء الترس…حرصًا حثيثاً ومستمراً على حتمية بقاء نبض المتاريس وهدير حراسها الشباب البسيط الممتلئ بحب هذا البلد الأفريقي الأسمر، حرصهم على سلامة من يمر بالشارع أكثر من مداراتهم على مخارج التنفس في أجسادهم…

البمبان يضرب في الحلق فيثير الأزمات والرهق ويشعل الصدر بالاحتقان والضيق… لكنهم ماضون في ثباتهم

الوليد كان الشهيد الذي يحرس الترس ويعمل بصحبة أخيار من أبناء السودان في غلق الشارع تلو الشارع فقط تصديقًا لمبدأ سلمية الثورة

“إنتو اشتغلو شغلكم (قوموا بعملكم ياكيزان) واضربوا بالبمبان (بالغاز المُدمع والمبكي).. افتحوا الشارع ونحن بنقفل (نغلق حتى آخر العمر) الشارع”!

الوليد عبد الرحمن السعدابي…. الشهيد المليء بالحب والنابض بالحياة…

معرفتي بالسيد الشهيد شخصية وعميقة منذ بضعة أعوام مضت…ليست معرفة عابرة أو عجلى

التقينا في أسعد المناسبات وأكثرها ضياءاً وجمالاً..

“أحنا سلميتنا بس بنقفل الشارع دا بس”

من أقوال الشهيد

“الإحباط مابشبه الناس البتحب الوطن، يوم باكر حيبقى الخير، وحنبنيهو البنحلم بيهو يوماتي، وطن عاتي، شامخ، وطن خير ديمقراطي

وإن شاء الله نتأمل خير في الجاي، رغم المخاوف من انه الثمن ممكن يكون غالي وارواح اخرىلكن، ضريبة الوطن جبرية وي تبادلية وفيها ادوار، وحتى ازمان بتختلف، ورديات يا راس يا رائع..أبقى طيب واتمناك بخير”

في غابر يوم ما كان يحمل ورقة مكتوب عليها بالحبر الأسود “مدنية سقيناها بدمائنا، مدنية بنشتريها بأرواحنا، مدنية عنوان ونتاج لثورتنا“، قام بتعليق وتثبيت هذه الورقة على صدره مراراً، به كمية غير عادية من الوعي بما يدور في هذه البلاد، وما فعله الكيزان وما سيفعلونه من بعد الثورة…

التقيته مصادفة ذات مساء في اعتصام القيادة، كان بشوشاً كعادته وفرحًا طلق الوجه ناصعًا بكلماته الصادقة، قابلني بحب وتقدير كبيرين

ما يجمعنا كان قاسماً كبيرًا وغاليًا ولكنها إرادة الله العلي القدير هي الفاصلة

الوليد رحل إلى البعيد حيث الأزاهر وأنهر الخلود جارية ونداءات كلماته لا زالت تتردد على مسامعنا حتى هذه اللحظة الدقيقة..

“ثورتنا هي في الأساس ما ثورة مفاوضات، ثورة عظمة”

“بعد بقى فيها دم وقتل واغتصاب مفروض ما تكون سلمية…لكن سلميتنا المتاريس دي”

الوليد الشهيد المليء بالوعي وحب الوطن

هذه الثورة التي انتصرت بإزهاق الرواح البريئة

والممتلئة بحب هذا الوطن

هذا البلد

أحواض الرمل – مساطب الخضار- أكياس الطين حين تخالطه وعليها يجثم السوط الممتد من متبقي الخضار – سهول الطين وأعشاب النيل

والشهداء ثم الشهداء ثم الشهداء (دم الشهيد ما راح)

شهيدنا الوليد هو أكثر الناس الذين عرفتهم جسارةً ووعيًا وفكرًا بما يحدث ويجري في بلادنا على مدى أعوام

ولعل تعارفي معه قد جاء في ظروف خاصة واستثنائية لكنها كانت من أجمل المناسبات في حياتي

الوليد عبد الرحمن……

يحمل في نياط قلبه حبًا وعشقًا نقيين وصافيين لبلادي ولبحري تحديدًا

حين بدأت أكتب عنه، كان كل حلمي هو أن يعرف الناس من هو الوليد؟ لكنني استدركت انه معروف لديهم…

ولكم أن تتخيلوا حجم العدد الذي حضر لتشييعه إلى مرقده الأخير إلى جنة الفردوس شهيداً فداء هذا الوطن.

الوليد حي يرزق معنا وبيننا وفي مجتمعاتنا… بإمكانك الاستماع لرنين صوته، ولا زالت كلماته تدوي ويعم صداها في الأجواء

عذرًا فان الفقد أكبر من قيمة الكلمات

رحل الوليد إلى البعيد

الوليد شهيد فداء ثورة ديسمبر المجيدة

الوليد عبد الرحمن السعدابي

أخي وصديقي ورجل الكلمات الواعية والمتزنة والفاضلة….شهيداً في أعلى مراتب الخلد في سماء البعيد

الوليد شهيد بقامة وطن السمر

عن محمد حامد محمد

mm
كاتب من السودان