الرئيسية / احدث التدوينات / 27 يوماً .. على هامش السفر

27 يوماً .. على هامش السفر

 

a9e03324acbbd291a5afeb4ab4686945

على هامش السفر .. 

 ( أقصر الأوقات هو ما قبل السفر وأطوله هو الذي يفصلنا عن العودة .. لكن الأمر الوحيد الذي يطمئن كما يخيف هو أن الوقت ينتهي في نهاية الأمر )

 الثانية إلا أربع دقائق صباحاً ، مدينة جنوب الهند ، المطر يصاحب هدوءها كظلها . وأنا كما طفل يحبو نحو لعبته وعندما يصل لها يلتفت ويصهل بالضحك في وجه أمه .. الآن يحيطني صهيل الأصحاب وما زلت أحبو إليهم ، بأصوات المحبة وفعلها .

 إن كان للسفر تلك الفوائد كما قالها الشافعي ؛ فلي فيها إضافة هي ترتيب المحبة في القلب .

 قبل أن أسافر أظن أني ودعت بعضهم ، والكثيرين من لم اخبرهم حتى ، للا سبب محدد .. وللكثير من الأسباب أيضاً والتي أصبحت واهية وغير مجدية الآن في نظري قبل نظرتهم ..  لكن وحدها الإجابة الأكثر حقيقة هي أني لم استطع أن أخبرك أني مسافر وأن أجلس معك وأراقب دقائق ساعتي ، أنا لم أتعود على ذلك ولن أفعل .!

على هامش السفر ، وحده الوقت قبل السفر الذي لا يمكنك أن تحصي فيه أصحابك ، وان كان ألف عام .. وأنا كان لدي ثلاث ليال ويومين قبل أن أتوجه نحو المطار .!

ليلة عزف لي -وحدي- فيها محمد الأمين (ببو) على جيتاره بعد أكثر من ثلاثة أشهر كنا نطلب  منه أن يحضر جيتاره معه .. جاء متعباً من عمله بعد أن عاد للبيت لإحضاره في هذه المرة دون أن أطلب منه ذلك ، ثم كتب لي على دفتر صغير مع أمنيات بعض الأصحاب : ( تباً لك ) .. وليلة  أخيرة كنت أفكر فيها أني لن أرى خالو الصغير مرة أخرى إلا عبر مكالمة فيديو لمدة سنتين .!

على هامش السفر 

أسوأ لحظة هي التي يعلم فيها صديق لك بعد عِدة أيام من سفرك ؛ أنك قد سافرت  .!

على هامش السفر 

عندما تريد أن تغادر يصبح أي شيء في وطنك جميلاً حتى الأشياء التي تزعجك تصبح لها وقعاً جميلاً على قلبك 

على هامش السفر .. 

أصدقاؤك يحزنون لوداعك ولكن أنت من يجب أن تحزن لأنك ستكون وحيداً بدونهم هناك . 

على هامش السفر 

سيؤلمك البعد ولكن تذكر لما ابتعدت وسيرتسم على وجهك شيء جميل أشبه بالابتسامة وسيعم المكان دعوات الأمهات الصادقة وأمنيات الأصحاب .. 

على هامش السفر 

تعلم أن الوطن حيث تنتمي ، حيث من تحب ، حيث تتحدث بلغة يفهمك السامع فيها ولا تحتاج للإشارات لتطلب شيئاً بسيطاً من المحل أسفل غرفتك المستأجرة لتصنع وجبة خفيفة تهبك نصف شبع .. الوطن شيء ، ذاكرة ، إحساس ونبض لا ينفك عن القلب .. هو بالنسبة لأحدهم والدة ، حبيبة بكل تناقضاتها ، أو ابن أخت ، أو صاحب يجرك معه في كل مشاويره .. المشاوير التي لا تستقيم إلا برفيق .. فأحمل ما استطعت منه في ترحالك .

على هامش السفر ، أفكر أن السفر ما هو إلا حاجة   .!

أفكر فقط ..

أما الآن أفكر في شيئين ، زاد و ذاكرة  .!

….

اقصر ليلة هي التي تكون قبل العودة إلى الوطن .. تلك التي تسافر فيها و تقضيها في صالات الانتظار لطائرة أخرى ، في مطار مليء بجنسيات مختلفة عنك .. 

ليلة عودتك / ليلة سفرك .. معبأة حقيبتك بالشوق والهدايا ، فارغ داخلك إلا من نبض قلبك المرتجف والمتحمس لحرارة شمس كثيراً ما تذمرت منها أو لبرودة مدينة جديدة .!

وأطول ليلة هي التي تغادر فيها مدينتك .. ( دون تفاصيل ) .. خفيف كطائرة ورقية ، معلقة عليها عين من يمسك الخيط من أحباءك ، خائفين من أن ينقطع ، سعيدين باللحظة .

على هامش السفر .. ثم إن للمغادرة عن الأماكن لا تحتاج إلا لتذكرة سفر وخطاوي شجاعة .! (

…..

على هامش السفر ..

أجمل ليلة للسفر هي تلك التي تعبئ فيها حقيبتك لا التي تسافر فيها .! 

عندما كنت أسافر دورياً لبورتسودان ذهاباً وإياباً وخلال خمسة أعوام ، كنت افتح حقيبتي قبل ثلاثة أيام وافتح روحي معها وأنا أراقب تفاصيل الفرح والراحة داخلي . لم أكن املك ملابساً كثيرة ، أربعة بناطيل وستة أقمصة وحذاءين “وطاقية” للجو البارد .. ومع ذلك كنت أحس باني أمير عندما ارتدي منها في تلك المدينة .. هل كان السبب أنا ، أم المدينة أم السفر ما يخلق كل هذا الإحساس .. 

ثم أخيرًا وكتراتيل للسفر ، كصلاة ودعاء علمت يا الله أن هذا القلب ضال ، وأنا وعاء طين تعب .. وهذا القلب يعافيه السفر .. فبخفة لطفك الخفي سفر أكبر .. وصحبة ودودة القلب ورضا وقبول دعاء وحقيقة الأماني وذاكرة حمد وشكر وحفظ .! (  

( كُلُّنا نسافر وحدنا في نهاية الأمر )

الطيب صالح

عن خالد عمر

mm
كاتب من السودان