الرئيسية / احدث التدوينات / Birdman : العمل الفني بناء متعدد الطبقات

Birdman : العمل الفني بناء متعدد الطبقات

5

شاهدت فيلم Birdman (2014) ثلاث مرات خلال تسعة أشهر، لم أرفع سقف توقعاتي، ولكن كانت فيَّ رغبة مُلحّة لتكرار المشاهدة. اختلفَت التجربة كليًا، فكل مرة كانت كالأولى، ظهرت لي أشياء جديدة وتأكَدَت أخرى.

فما كان يبدو كقصة/موضوع/فكرة وحيدة مكونة من أحداث متسلسلة متصلة، صار عدة قصص/مواضيع/أفكار لها أحداث متسلسلة متصلة داخليًا، ومترابطة بين بعضها. كل واحدة عبارة عن طبقة من بناء متعدِّد الطبقات هو الفيلم ، كل طبقة عبارة عن زاوية مختلفة يُقرأ من خلالها الفيلم، وبالكشف عن الواحدة تلو الأخرى تزداد تجربة التفاعل معه ثراءًا .

تعدد الطبقات يُكسب العمل الفني طاقة تجعله حيًّا باستمرار، خالدًا، وتجعل الإقبال عليه والتفاعل معه كتفاعل الانسان مع الانسان .

فيلم Birdman أحد الأمثلة على الفيلم متعدد الطبقات، وتجربتي معه مثال على هذا التفاعل. سأحاول هنا سرد عدد من طبقات الفيلم :

الفكرة الرئيسية :

ريغان ممثل سابق لشخصية البطل الخارق Birdman، أفَلَ نجمه من سنوات، وانتهى به الأمر بلا مستقبل واضح، يحاول جاهدًا أن يعود من خلال مشروع مسرحية هو منتجها ومخرجها وبطلها .

خلال الأيام الأخيرة للتحضير للمسرحية يتعرّض لعدة أحداث كصراعه مع ذاته، بحثه وإيجاده لممثل يشاركه البطولة ، قلقه من رأي النقاد، خلافاته مع ابنته، لقاء زوجته السابقة، حبيبته الحالية وغير ذلك.

مع التحضيرات والأحداث في النهاية قدم عرض أول للمسرحية حقق نجاحًا أرضى الكل .

من المشاهدة الأولى أو من قراءتك عن تفاصيل الفيلم أو من سماعك لصديق يحكي لك عنه، يبدو أن الفيلم ما هو إلا تتبع لرحلة التحضير للمسرحية، وتبدو الأحداث الأخرى تفاصيل لملء فراغ الساعتين للوصول للنهاية .

لكن هل يوجد شيء آخر يستحق الذكر غير هذه الفكرة الرئيسية ؟

صراع مع الذات :

طوال فترة تحضيره للمسرحية عانى ريغان من صراع مع ذاته، تناوبَت على قيادته ذاتين ماضية وحاضرة (الأولى الماضية الرافضة للوضع الحالي، المنتشية بأمجاد الماضي، والمتكبرة على الكل. الثانية الحالية المكتفية بالوضع الحالي، والساعية لتغيير حياته ) .

فمن المشهد الافتتاحي يبدأ صراع ريغان مع ذاته الماضية، المسيطرة على تفكيره بحديثها؛ وعلى جسده المعلّق في الهواء كتعبير عن رفضها للمكان.

سيطرتها تبلغ الذروة في منتصف الفيلم في لقطات طيرانه فوق المدينة كتعبير عن تكبرها على الكل ورفضها للوضع الحالي، وتعيد من خلاله مغامراتها السابقة منتشية بها راغبة باستمرارها .

يصارع ريغان طوال الأحداث في أن يتخلص منها، فما بين الفشل والنجاح كان الحسم في نهاية الفيلم حين أطلق النار على وجهه برصاصة أصابت أنفه -الأنف كرمز للتكبُّر- وأصابت هذه الذات أيضًا وانتهت منها. في المستشفى خرَجَت من غرفته دون كلام، وخرج هو طائرًا من النافذة كتعبير عن انتصار ذاته الحالية وتحررها من الماضية .

تعددت الطُرق التي يُجسَّد بها المونولوغ في الأفلام، فمرة يكون بصوت الشخصية تتحدث مع نفسها، ومرة تكون نفس الشخصية الواحدة منسوخة مرتين، أما هنا فقد كان التجسيد للذات الأخرى منفصل تمامًا، لها صوت وجسد وصفات خاصة بها، فالصوت قوي مسيطر والجسد له قدرات خارقة والصفات يسيطر عليها التكبر. تجسيد سلِس في انتقاله بين عوالم ريغان الداخلية المتصارعة؛ وبين عالم ريغان والعالم الخارجي، وكأن كل واحدة من هاتين الذاتين شخصية منفصلة موجودة مع باقي الشخصيات في مكان وزمان واحد .

أما الحوار فقد كان متقنًا لدرجة تصيبك بالتوتر والإرهاق كما أصابت ريغان مع كل كلمة وكل توبيخ وكل ازدراء .

وما زاد هذا وذلك قوة هو أسلوب التصوير في تركيزه على وجوه كل شخصية في الفيلم لالتقاط التغيرات النفسية المنعكسة على وجوههم، في محاولة لاختراقها والكشف عن عوالمهم الداخلية، فلربما وجدَت داخل كل شخصية ذواتًا أخرى كذوات ريغان .

التجارب القصوى والعزلة :

 

يطرح Alejandro González Iñárritu كعادته في كل أفلامه قبل Birdman وبعده فكرة أننا أثناء حياتنا نتعرَّض لأحداث قصوى لا تعود بعدها حياتنا كما كانت. هذه الأحداث نحتاجها حتى نرى حقيقتنا كما لم نراها من قبل، نراها وكأننا كنا على جهلٍ بها. فيحدث بسببها تغيير جذري.

اختلفت الأحداث في أفلامه مثل الموت، الحوادث، خذلان الأقارب، فقدان الأحباء وغيره، أما هنا فقد مرّ ريغان بأحداث كالتجاهل والنسيان من الوسط الفني والنقاد والإعلام، التدهور في مسيرته كفنان، الخلافات والابتعاد عن أقرب الناس له -ابنته-، صراعه الداخلي، أزمته المالية، يأسه وقلقه تجاه مستقبله، عدم الثقة فيما سيقدمه وغير ذلك. كل هذه الأحداث تراكمت عليه في وقتٍ واحد، وصاحبته طوال فترة تحضيره للمسرحية .

لم تتراكم عليه ولم تصاحبه فقط، ولكنها جعلته في حالة عزلة مع نفسه، عزلة غير مقصودة، أسقطت عنه ما كان يمكنه الاتكاء عليه في ظرف كهذا، وأزالت كل هالة مزيفة وضعها لنفسه أو وضعها الناس له، فتَعّرت نفسه أمامه.

كانت النتيجة غير المتوقعة لهذا التراكم والمصاحبة والعزلة : معرفة أكثر بنفسه بعد جهل، معرفة بها اتضح له ما يريد أن يقدمه من فن ونجح في مشروعه المسرحي وتغلّب على ذاته الماضية وتصالح مع ابنته .

تجارب قصوى وعزلة انتهت ببداية جديدة فنيًا ونفسيًا وأسريًا.

1

الوجود، القيمة والشهرة :

بالرغم من تراكم الأحداث على ريغان إلا أن مشروعه القادم هو أكثر ما يؤرقه، فهو سيحدد له وجوده كانسان وقيمته كفنان، حين قال لابنته في حوارهما الطويل “I’m trying to do something important”، لكنها لا توافقه الرأي، فهي ترى أن الشهرة هي ما يحدد له ذلك، ليس مجهوده في عمله، وتسأله بوضوح في حديثها : مَنْ أنت؟ ثم تسرد له ما تراه يحدد التواجد والقيمة والأهمية :

“Who are you? You hate bloggers. You make fun of Twitter. You don’t even have a Facebook page. You’re the one who doesn’t exist. You’re doing this because you’re scared to death, like the rest of us, that you don’t matter. And you know what? You’re right. You don’t. It’s not important. You’re not important. Get used to it.”

وبهذا… فرحَت حين انتشار فيديو خروجه للشارع شبه عار!

لم تكن ابنته هي الوحيدة التي لم توافقه الرأي، فالإعلام لم يوافقه كذلك، فهو الطرف الذي يحدد ما هو مهم للنشر، وبالتالي يحدد ما يشتهر وما لا يشتهر، وبالتالي هو من يحدد الموضوعات والأسئلة، فكانت كلها -في اللقاء الإعلامي الذي خصصه للمسرحية- عن تفاصيل شخصية غير مهمة وعن فيلم Birdman القادم ولم يهتم أحد بمشروعه !

ابنته والاعلام حددا معايير لما يجعل للإنسان وجود وقيمة، أن تكون مشهورًا، بالتفاصيل غير المهمة وبكل ما يلفت الانتباه مهما كان. تاركًا كل ما أنت بارع ومجتهد فيه ويعبر عنك وتضحي من أجله. هكذا تبنى الهالات الزائفة ويصبح الناس نجومًا !

2

النُقَّاد، الناس والفنان :

 

ثم بعد ذلك واجهته مشكلة مضمون ما سيقدمه، فهو ما بين الناقدة التي لا تعترف به كفنان ولا بتجربته في المسرح ولا تعطيه الفرصة لذلك، وبلغ ذلك ذروته في حوارهما الحاد جدا الصريح جدا، حوار يرى فيه طرف أن ما يقدمه ينتمي للفن وأنه أولَى من غيره به لتضحيته بالكثير لأجله، وطرف آخر يرى أنه حارس بوابة الفن من الدخلاء/المشاهير، وريغان أحدهم.

3

فهو إذا ما بين الناقدة وبين ذاته الماضية التي تريد ما يريده الناس، فهي باستمرار تحاول ثنيه عن مشروع المسرحية، وبلغت ذروتها حين قالت :

“People, they love blood. They love action. Not this talky, depressing, philosophical bullshit”

وعند بحثه عن ممثل يشاركه المسرحية، وجد أغلبهم مشغولين بأدوار ال Superheroes ! وأجزاء جديدة لسلاسل قديمة، فالغالب متجه لهذا النوع من الأفلام. إلا أن مايك كان متاحًا، وكان وجوده بمثابة حبل النجاة الذي تمسك به. فهو يرى في مايك ما يأمل أن يكون في شخصه وفنه، فهو لا تهمه نظرة الناس له ولا يسعى لإرضائهم، هو الصريح بلا أقنعة، ولا يبني أوهامًا لنفسه. هو من يطالب بأن يعيش الفنان التجربة الفنية بكل صدق مطالباً بأن تكون كل التجهيزات حقيقية كل شيء حتى المسدس والجنس!، ومن جهة أخرى يطالب الناس بأن تعيش التجربة الفنية بكُليتها. والمسرحية بطبيعتها تعبير عن هذا التصور للتجربة الفنية من الطرفين .

4

أتوقف هنا بعد أن سردت أربعة طبقات للفيلم -طبقتان عن صراع ريغان النفسي و تجاربه وعزلته وتغيره، وطبقتان عن قيمة الانسان وعن الفن، اخترت فقط ما هو متعلق بريغان-، أراها كافية لشرح فكرة أن يكون العمل الفني متعدد الطبقات، وما يؤدي إليه من إثراء تجربة التفاعل معه.

من هذه الأربع أستطيع القول أن الفيلم لم يعد كما كان : قصة تتبع رحلة التحضير للمسرحية، بل هو كذلك وأكثر، هو جولة في رحاب النفس الانسانية وتوتراتها، وفي مفاهيم الفن والنقد والتجربة الفنية.

 

ملحق :

العمل الفني متعدد الطبقات (Multi-Layered Structure). (نموذج أولي لسير العمل الفني من الفنان للمتلقي)

14907149_1445470288799676_4460156066680309670_n

الشكل (A) الأزرق: هو العمل الفني عند خروجه من الفنان كالبذرة كامن بداخلها حياة الشجرة، كامن بداخله بناء متعدد الطبقات، كل طبقة تُمثل زاوية يُقرأ من خلالها، كل طبقة مؤلفة من عناصر مترابطة مع بعضها ومتشابكة مع الطبقات الأخرى.

يتوجه العمل من الفنان نحو للمتلقي*

النظرة للعمل بهذه الطريقة هي تقدير من المتلقي للفنان وفنه، تقدير أساسي وبديهي عند الخوض في تجربة التفاعل مع العمل.

الشكل (B) الأسود: هو تجربة المتلقي مع العمل الفني، لا يدركه بشكل كُلي كما خرج من مبدعه، مرة يدرك جزءاً منه** طبقة أو اثنتان، ويمكن أن يدرك أكثر من ذلك أو أقل***.

كلما زاد التعرُّف على طبقات العمل، كلما زادت تجربة التفاعل معه ثراءاً، وأثرى العمل نفسه كذلك****

ــــ

الخط الأسفل بقلم الرصاص هو اتجاه سير العمل الفني من مبدعه إلى متلقيه .

** الخطوط السوداء هي الطبقات اللي أدركها المتلقي كما خرجت من المبدع .

*** الخطوط بقلم الرصاص هي الطبقات التي لم يدركها المتلقي .

**** الشبكة هي مساحة الالتقاء بين الفنان والمتلقي .

عن عدنان عوض

mm
طبيب وكاتب سوداني مهتم بالسينما

2 تعليقات

  1. a few Tricks to Run A Prosperous Not professional Home based business

  2. Magnificent web site. Plenty of useful info here. I am sending it to a few friends ans also sharing in delicious. And obviously, thanks to your effort!

أضف تعليقاً