DNR

1141110

إسلام أحمد منير :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

في بلدانٍ أكثر احتراماٌ تنجح فيها عمليات الإنعاش القلبي الرئوي ليواصل المرضى حياتهم بكرامة، هناك الحق مكفولٌ لأشياء كثيرة…لك حق الحياة…حق الخطاب…حق السفر….وللغرابة حتى حق الموت ، هناك يطلق على الوثيقة التي تعطيك حق الموت دون تدخل من الجهات الطبية حين توقف قلبك إختصاراً- وثيقة DNR: “DNR: Do Not Resuscitate”  أي ما ترجمته : “غير مسموح بالإنعاش”

ما يحدث في المستشفيات في الأحوال الطبيعية أنه وحالما يتوقف قلب مريضٍ عن العمل فإن إنذاراً يدوي في المشفى ليهب بسرعة الفريق المتخصص لغرفة المريض لينخرط في عملية الإنعاش القلبي الرئوي بتدليك القلب وإنعاش التنفس…عملية ربما تستغرق دقائق…ساعات..أو حتى أيام…طوال هذه الفترة يظل الفريق الطبي عاكفاً على العمل وفي حالة بحث دؤوب حتى حل المشكلة الفسيولوجية أو تعطل عام الأجهزة والعلامات الحيوية للمريض..في قرارٍ هو الأصعب!! للمسألة جوانب عديدة ولكن في كل الأحوال يبذل الجميع قصارى جهدهم كي لا يفقدوا بصف الموت واحداً. الجميع يجتهد…إيماناً بأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة وبأن هذا المسجي يستحق فرصة ثانية.

لكن ما يدعو للاستغراب أن الأغوار الإنسانية معقدة جداً…وهذا التعقيد هو ما يجعل أحدهم وهو في كامل قواه العقلية يقوم بالمصادقة على وثيقة DNR حتى لا يقوم أياً كان بمساعدته على البقاء حياً…أنا لست هنا اليوم للتحدث عن الوضع التشريعي لهذه الوثيقة ولا عن مشروعيتها الدينية ولا عن نسبة نجاح عمليات الإنعاش القلبي الرئوي وفاعليتها…أنا فقط مصابة بالاندهاش من هؤلاء المرضى اليائسين على الجهة الأخرى بنصف الكرة المتحضر…تصيبني الخيارات اليائسة بالضيق إلا أني حين أفكر أجد لبعضهم عذراً فأحياناً تكون الحياة مؤلمةً أكثر من الموت…هؤلاء مرضى ويحتضرون وربما أنا مندهشةٌ منهم لكني مندهشةٌ أكثر من وجود أشخاص معافون بيننا وبكامل الصحة يقاومون الحياة قبل أن تتوقف قلوبهم على سرائر المشافي….أشخاص يمشون أمواتاً ويرفضون أن نعيدهم للحياة…هؤلاء يعلقون على صدورهم لافتات عملاقة مكتوبٌ عليها بأحرف بارزة:

Do Not Resuscitate!!

هؤلاء يوجعونني أكثر….

(1)

الحزن…الفشل…الإنكسار…الغضب…كلها عواطف لا بد من المرور بها…ولكن حبس أنفسنا في تلك الزنزانة الضيقة شيء مقيت…ما دمنا على قيد الحياة فعلينا أن نحيا…وأن نحاول ما استطعنا سبيلا…

لا شيء دائم…لا الأحزان تبقى…ولا الفشل يبقى…ولا الأمطار تبقى…ولا الليل يبقى للأبد…هناك دائماً طريق للخروج…لكن بعضهم يعصب زجاج عينيه عن رؤية الكون الذي يمد لك تذكرة الخروج من مأزقك في كل شعاع شمسٍ تتبرج به السماء آن الفجر….

بعضهم للأسف أدمن الحزن…أدمن سوداوية الحياة واضطراب الدواخل…أحدهم أصبحت تسكره الدموع…يختبئ من الضوء…يبصق الحلوى حين تدسها الحياة في فمه…ويدير وجهه للابتسام…

تخبره: “يا رجل لا زالت هناك أشياء كثيرة لتراها…”

يخبرك:”كلها لا تشبه ذاك الشيء”

تخبره: “العمر بانتظارك يبتسم”

يخبرك: “ولكن عمراً آخر مني مضى ولن يعود”

تخبره: “يا سيدي الذي احترق حقله…بالأرض هناك الآلاف من الكيلومترات القابلة للزراعة…وهناك  من الأنهار عشرات بانتظارك”

يخبرك: “كلها ليست كحقلي!!”

أجل ليست كحقلك…فهي ربما تكون أجمل حتى…

هناك أشخاص بهم طفولة فاضحة…يريدون فقط أشياءهم…يريدون أوقاتاً لن تجيء…ينظرون بالعين الخطأ…عينٌ إسمها “الحسرة”…للاتجاه الخطأ…اتجاهٌ إسمه “الماضي”

إن الحياة مؤذية تسلبنا أشياءنا وأفراحنا ورفقتنا التي نحب…تفعل هذا طوال الوقت…الأمر ليس شخصياً البتة…إن الحياة تفعل هذا مع الجميع…إن أحزاننا ليست أول الأحزان…وأوجاعنا ليست أول الأوجاع…وفقدنا أبداً لم يكن الفقد الأول….تؤذينا الحياة فلماذا نؤذي أنفسنا بالحزن أكثر

(2)

إن الأشخاص الذين أدمنوا الحزن يحيطون بنا…يعلقون على قلوبهم وثيقة DNR بلون أحمر وخطٍ عريض فيصيبنا الألم من حبنا لهم… يغلقون أرواحهم عن الحياة فلا نملك إلا أن نصاب بالغضب وبالحزن إذ نمد أيدينا لنرتفع معهم لعالي لغيمات فيديرون عنا وجوههم ويمسكون بالأوجاع أكثر ونراهم سراً أو جهراً يجددون عهد البكاء بالدم حتى آخر قطرة

من هؤلاء الأشخاص شخص يبكي على كوب اللبن المسكوب ويغض بصره عن مئات الأبقار أمامه والتي تمتلئ بأنهار من الحليب…

من هؤلاء الأشخاص شخصٌ يبكي لغرق قاربه الصغير ويرفض ركوب السفينة العملاقة التي أهداها له القدر…

حسناً هب بأن كوب حليبك انسكب وانتهى الحليب من الكون كله…هب بأن القارب قد غرق واحترقت كل الغابات التي تمدنا بأخشاب القوارب…لا تبتئس اشرب العصير/الماء/الأمل وانس الحليب…دع الإبحار على الماء وجرب الطيران…هب أن العالم كله يقف ضدك…أدر وجهك للعالم وابتسم…لأنه لا زال قلبك ينبض…فأنت ما تود أن تكون وليس ما يمليه عليك الكون!!

غادرك شخص واحد…خانك شخص واحد..ولكن العالم به سبعة مليارات من البشر…حتى أنت لا يمكنك الاقتناع بأن عدداً كهذا كلهم سيكونون سيئين

لا تفقدوا الثقة في الكون…

حين ترفضون المساعدة فأنتم تفقدون الثقة في أنفسكم…وحين تقدحون في هذا الكون السيء والظالم فأنتم تقدحون في إرادتكم…وحين تلعنون صعوبة العيش فأنتم تنعون من قبلها إرادتكم…

من قال بأن الأشياء على كوكب الأرض ستكون دائماً رائعة…من قال بأن لنا الخيار في أي شيء هنا فنطاع…من قال بأن الأماني دائما ستتحقق…كوكب الأرض مقفر ولن يستجيب القدر لكل أمانينا…لا قرار لنا على شخص أو أمنية أو حتى مسار نملة…إنما القرار الوحيد الذي نملك زمامه هو أن نكون سعداء…

(3)

::::::/ دائماً معلق على بابه (دعوني وأحزاني وحدنا)!! /:::::::

هناك دائماً شخص كهذا في حياتنا…شخص لا يتوقف عن البكاء…شخص مصاب بالضيق واليأس على الدوام…والأكثر وجعاً أنه لا يسمح لنا بالمساعدة…دائماً يدير وجهه لليد التي تمد لترفعه .يصمت عن الحكي للأذن التي تود أن تسمعه…يصفع الباب في وجه القلب الذي يود أن يحتويه… إن ما تخلفه بعض الأزمات لا ينفعه إلا إنعاش كامل…

بعضهم خائفٌ جداً…بعضهم يائسٌ جداً…وبعضهم منكرٌ لما هو عليه…ربما تكون هذه هي الأسباب التي تجعل أحدهم يرفع وثيقة الــDNR  في وجه منقذيه. لكن المحصلة النهائية هي عمر من شقاءٍ يعيشه بينما الدواء على بعد كلمة/هاتف/أو حضن قريب.

الأسباب الفائتة أجدها مقبولة ولكن الأكثر ألماً هو حين يحتمي هؤلاء بالحزن فيقدسونه…لا بطولة في الحزن..إن بعضهم يصبحون قديسين في الأحزان ويتوجون قلوبهم بالأسود…يكحلون عيونهم بالدمع…ويشربون نخب العبرات الملكي بهوسٍ مفرط….

إننا حين نخرج من أحزاننا لا يعني هذا فقدنا الوفاء..ولا يعني هذا أننا لم ولا نتألم….ولا يعني هذا بأنا نسينا…

نحن حينها نحيا…كما أراد لنا الخالق…وإن من سوء الأدب أن نكف أيدينا عن عطايا الخالق الكثيرة

“وحدنا” نحن ضعفاء جداً دائماً…وما تخلفه بعض الأزمات في القلب لا ينفعه إلا إنعاش كامل…إنعاشٌ يقوم به “غيرك”….هذا الغير الذي لابد يطرد وحدتك

قد أجد أحياناً بعض العذر لمرضى المستشفيات من يأسٍ وطلب للراحة بعد إرهاق حياةٍ طويل واستنزاف العلم لحلٍ ناجع كما إستنزاف موارد الأهل والدولة..وهو الغرض الأساسي الذي تم من أجله تمرير مسودة قانون “تمكين المرضى” في بداية تسعينات القرن الماضي في الولايات المتحدة وجعل وثيقة الـ DNR رسميةً في مستشفياتها..تكلف عمليات الإنعاش وأجهزة إطالة الحياة الدولة  مالاً وموارد مما يهدم ميزانيتها…لكن القلوب التي تحب لا تتوقف عن دفع أحبابها…وهي لا تفلس عن حثهم…ولا تتعب من رفعهم…ولا يرهقها سماعهم…أود جداً لو أهمس للسادة حاملي وثائق الـ DNR العاطفية أنه لا حاجة كي تختنقوا بالوجع وحدكم…أو تغرقوا في الصمت جروحكم…ربما ترون الأمر معقداً لكنا سنفهم لو أعطيتمونا فرصة…نحن نهتم جداً لأن نراكم “بخير”…و”حياة”

(4)

حين نحب بصدق فإن أوجاع أحبابنا توجعنا أكثر من لو أنا أصبنا بذات الجروح….!!

إلى السادة حاملي وثائق الـ DNR العاطفية:

أنتم أصدقاؤنا…أزواجنا…أباؤنا..أمهاتنا…إخواننا…أخواتنا…أحباؤنا…نحن نريد لكم الخير…نود أن نراكم بسعادة…نحن أيضاً نمر بأوقات صعبة…الكل في هذا العالم يفعل من آنٍ لآخر…وليست هذه نهاية العالم…دعونا نغسل عنكم الحزن وافتحوا قلوبكم…دعونا نعتني بهذه الجروح…سنمدكم بالمناديل لتمسحوا الدموع فلا تبكوا بعدها…سنبني معاً قوارب جديدة…ونربي أبقاراً…ونعد خططاً أخرى للسفر…لابد من أن لكم باباً للخروج مخبأٌ مفتاحه في مكان ما…سنبحث عن الباب وعن مفتاحه…فقط كونوا معنا…

مزقوا وثيقة الانهزام اللعينة تلك…

امنحونا الأمان وافتحوا لنا قلوبكم، حينها سننسى أمر الباب الذي يخفي الضوء إن أرهقنا إيجاده ، لن نحتاج باباً للخروجِ إن كنا معاً فربما هدمنا الحائط بأكمله!!

عن إسلام أحمد منير

mm
كاتبة من السودان

أضف تعليقاً