INSPIRATION

374328695

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

طق.. طق.. طق…
((قطرات متتابعة على وسادة الرمل))
إنها ذلك النوع من الفتيات اللائي تشعر بهن مثل أرض رملية، وأنك مهما كنت قطرة كبيرة ستذوب وتتلاشى في غضون ثوانٍ معدودة. تراءت لي وقتها -وقد ازددت قرباً من الله- شهيَّة ورطبة. يابساً كان حلقي، متشقق ومجعّد، وتقطر هي بكل سائل يمكن اشتهاؤه. أعني ذلك النوع من الرغبة الملحّة.. أن تشعر بوجودك قد اقترن بشيء معين، وتنتفي من عقلك كل فكرة تدعو لاستقلاليتك .. أن تكون مملوكاً بالكامل، تابعاً، ومسلّماً أمرك لهذه الذات الجديدة، التي اختلطت بصورة ما بذاتك!

((ثمن التأخير أن فقدتُ مكاني بالداخل، حيث مكيف الهواء))

– فكَّرتُ ، ثم، وبفاصل ثانية من الوقت:
طق.. طق.. طـــ…
نَفَرت خصلات فوق جبهتها؛ وبتلقائية ودلال غريزي امتدت أصابع رقيقة لإصلاح الوضع، حركة تلقائية، عفوية وتفعلها كل الفتيات تقريباً .. ولكن لسبب ما أشعر أنها أول حركة أنثوية على سطح الكوكب، يجب أن تخلُد عبر الأيام حتى تعرف أنثى الإنسان من ابتدعها. ثم سرعان ما انصاعت الخصل..

(يا خالق الرقّة لطفك!) ..

كنا نتحدث الإنجليزية عندما فلتت من صدري شهقة إثر ريح من صعيد شعرها، كانت الشهقة نتيجة صراع طويل مع تعابيري التلقائية، حين خرجت بذلك الصوت العميق حمدتُ ربي أن الأمر مرّ هكذا… وبما أن الإنجليزية ليست لغتنا الأم؛ فقد أُتيح لي زجّ الكثير من الأشياء التي لا تُقال بين طيّات الأحرف

(حمداً لك يا خالق اللغات!) ..

ثم استمر حديثنا في أمان الله بعد أن كفّت الريح عن تخليل شعرها عبر فتحة (الطرحة) التي أغلقتها في آخر اللحظات…
((صوت مألوف حد الملل، يحتاج المرء أن يصرف عنه الآذان))
ثم، بذات الفاصل الزمني المنتظم:
طق.. طــــ…
بالطبع هي سمراء، وجهاً وجوفاً. تجلس جواري، حيث كانت أعضائي اليسرى تبتسم بطريقة ما. الأهم أنها كانت تنظر إليّ عندما تتحدث، مستعيرة سحر العصافير في صوتها؛ تقلِّب عينيها لترسم لوحة في الهواء، لوحة فرائحية، يتلهّف خيالي لجمعها وأرشفتها. وتجعلني أنسى كوني رجلاً ذا إرادة ورأي. وتساءلت: ماذا إن لم نكن تعرفنا للتو؟! .. إن السمراوات لهنّ تأثير السحر، وإن كان هناك شيء أعظم من السحر فإن عينيها الواسعتين ستنجزانه أثناء ما يرتدّ طرفها، ما يجعل من تلاقي الأهداب نوعاً من الاحتفال البريء ببراعتهما…
((طفل يقطع نغمة سقوط الماء من حنفية الحافظة ليروي جوفه اليابس من كثرة اللهو في باحة المسجد))
ثم، وبفاصل يزيد قليلاً عن نصف ثانية:
طق.. طق.. طـــ…
إلتقينا أول مرة بالأمس، والآن هذه القطرات التي تختفي بسرعة في مسامات الرمل تذكرني بها.. ما الذي يجمع هذا المشهد بالشوق؟ أتراها احتوتني كما فعل الرمل بالقطرة، أم أنني للتو وجدت أرضاً صالحة لأندلق عليها، أم هي جاذبيّة الرمل.. أقصد جاذبيتها! .. فما لا أجد له تفسيراً حقاً هو كيفية نشوء الروابط داخل الذاكرة البشرية، فربما شممتُ عطراً بين المصلين كنتُ قد شممته عندما كنا معاً .. أو أن فكرة عبرت بعقلي تلك اللحظة كانت حاضرة أثناء لقاءنا، أو قبله أو بعده!! وعلى كل حال فما زال أمامي فرصة للحياة، ووعد أجله السبت، وعليّ تدبر فرن الصهر المستعرّ هذا

(سبحانك يا بارئ الرغبة، والخيال!) ..
((يقف الجميع بعد أمر الخطيب بالقيام للصلاة))
ثم يعود الفاصل الزمني في حدود ثانية واحدة:
طق.. طق.. طـــ…
صرفتُ حواسي عن مشهد القطرات المتساقطة من صنبور حافظة الماء البارد، فهدأ ذلك التدفق، وشعرتُ بأني راضٍ تماماً كأنما قد سمعت كل كلمة في الخطبة، ونفثتُ هواءً يمكن رؤية ظله في الأرض، واستقمتُ لصلاة الجمعة بعد استغفار كثير.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً