الرئيسية / احدث التدوينات / Manchester By The Sea: ماضٍ لا يُحتَمل

Manchester By The Sea: ماضٍ لا يُحتَمل

2

Manchester By The Sea هو أحد أفضل أعمال العام 2016 م، يختلف ويتفرد بالكثير كالقصة التي تتطور وتنتهي نهاية خارجة عن المألوف والتأليف الموسيقي واختيارات الموسيقى الكلاسيكية التي تسبح في عالمها الخاص محدثة من التفاعل ما تحدثه الصورة، والتمثيل الصامت من Casey Affleck والسينماتوغرافي الذي لم يُعطى أي تقدير في المحافل الكبرى والمونتاج المنساب، والإخراج العظيم وغيرها الكثير… في هذا المقال سأكتفي بالمرور على بعض مميزات هذا الفيلم:

3

(1)

العودة للماضي:

إنْ كان للانسان قُدرة على حمل ألامه وأحزانه، فإن قدرته على إحيائها والعيش معها باستمرار أمرٌ لا يُحتمل. هذا ما عانه (Lee) في عودته الاضطرارية إلى مدينته(Manchester) بعد سنوات من الغياب، السبب هو مرض أخيه (Joe) فوفاته ثم رعايته شؤون ابنه (Patrick)، عودة للمدينة التي لم تحفظ له في سنينه الأخيرة إلا ما لا يحتمل.

حِفظ وإحياء الماضي كانت من مهام الأماكن والأشخاص، فكل مكان مسكون بحدث، فمبنى الشرطة يذكره باستجوابه بعد الحريق، شارع المنزل يذكره بأسرته، المستشفى تذكره بمرض وموت أخيه، الكنيسة والمقابر بالمسلسل الطويل لدفن أخيه. إن استطاع الإفلات من الأماكن سيُواجَه بالأشخاص وأولهم زوجته السابقة (Randi) تذكره بأكثر الأحداث إيلاماً وحزناً احتراق منزله وموت أطفاله بخطأ منه، وعدم معاقبته قانونياً ثم طلاقهما. إن استطاع الإفلات من زوجته فإن الناس في المستشفى والشارع وفي كل مكان لا يتوقفون عن التعامل معه بحذر وريبة واحتقار، معهم لا مجال للنسيان.

هكذا يعيش الماضي حياته داخل حياة لي مسيطراً عليها، فالأماكن والأشخاص مثيرات موجودة باستمرار، ولا سبيل للخلاص.

1

(2)

الماضي والحاضر سينمائياً:

هذه العودة للماضي والعلاقة معه لم يتم تجسيدها في الفيلم كما في غالب الأفلام، بلقطات بالأسود والأبيض أو بشخصيات من أعمار مختلفة أو بأحداث ناقصة مشوشة وغير ذلك، بل كان له حضوره الكامل، لا فرق بينه والحاضر، كمرض أخيه في الماضي وموته الآن وحادثة حريق منزله في الماضي وتواصله مع زوجته السابقة الآن وغير ذلك. تجسيد جعل من ماضيه وحاضره سلسلة واحدة متصلة من الأحداث، يعيشان فيه في وقتٍ واحد بكل تفاصيلهما، ويُحدِثان فيه نفس الأثر.

ومما أثرى تجسيد هذه الأحداث هو كيفية تصويرها بالانتقال في المشهد الواحد بين أكثر من كاميرا وأكثر من زاوية، ثم الانتقال بينها وبين لقطات البحر الهائج، مصحوباً بموسيقى وحدها كافية للتأثير. هذا المزج جعل مشهد كمشهد حريق المنزل -والذي امتد قرابة العشر دقائق- وكأنه هو النهاية ولا شيء بعده وكأنه هو الحزن الأخير والألم الأخير واليأس الأخير  ولا شيء بعده.

4

(3)

موت وحياة في نفس الوقت والمكان:

وإن كانت حياة لي ساكنة ميتة محبوسة في زمن واحد، فإنه اضطر للتعامل مع حياة جديدة فوق حياته، حياة ابن أخيه باتريك كاملة، والتي تمثل الطرف النقيض من حياته، فننتقل لمشاهدة حياة غنية بالتفاصيل في الماضي والحاضر، ماضٍ مليء بالذكريات الجميلة مع الأب وعمه، وحاضر مليء بالمغامرات ابتداءاً بفريق الهوكي في المدرسة مروراً بتجارب الحب وليس انتهاءاً بفرقته الموسيقية. هذا التناقض بين الحياتيَن ظهر أكثر أيام العزاء، فلي يبكي أخيه وحيداً بينما باتريك محاط بأصدقائه الذين خففوا عنه وكأن شيئاً لم يكن.

مع لي الأماكن والأشخاص تُحيي كل مؤلم وحزين، ومع باتريك تبني فيه الأماكن والأشخاص ذكريات جميلة. موت وحياة في نفس الوقت والمكان.

5

 

(4)

نهاية طبيعية:

وبعد أن شهِدنا التغيرات التي طرأت على شخصية لي من ماضٍ سعيد مع أخيه وابنه وذكريات جميلة مع أسرته، إلى شخصية مسكونة بالألم والحزن بعيد عن مدينته لا يتفاعل مع الناس، وبعد أن شهِدنا عودته للمدينة وللماضي، فإن المتوقع في تطور ونهاية قصة كهذه يبدو مألوفاً: العودة فرصة للتصالح مع الماضي، حيث تبدأ ببعض العقبات وتنتهي نهاية سعيدة باستقرار لي مرة أخرى في وربما حتى بعد سنوات محاطاً بأطفاله!

لكن كل هذا لم يحدث، بل على العكس، فالاختلاف الثاني في هذا الفيلم -بعد طريقة تجسيد العودة للماضي والتعامل معه- كان في طريقة تفاعل لي مع الماضي: لم تكن العودة فرصة للتصالح ولم تكن أيامه فيها تتغير من الأسوأ إلى الأفضل، بل كانت تزداد سوءاً عليه، ليدرك تماماً أن مجال النسيان وسبيل الخلاص هو الابتعاد والمغادرة، فلا طاقة له بعد هذا كله، لتصبح العبارة التي قالها لباتريك I Can’t Beat It نتيجة طبيعية ومتسقة مع كل ما مر به. فقدان الطاقة وعدم المقدرة على المقاومة والمحاولة ظهر بوضوح في خطته في الخروج من تبني باتريك من أحد الأصدقاء إلى ترتيب أموره المالية إلى الزيارات الدورية، فكل هذا أخف على قلبه من حِمل الماضي.

هكذا تكون للقصة نهاية لم نعتد عليها مؤخراً، نهاية تعترف بضعفنا وبعدم قدرتنا على التغلب على الوجه القاسي للماضي والمضي قدماً، نهاية أكثر انسانيةً واتساقاً من غيرها التي تفترض قدرات خيالية كانت تنتظر اللحظة المناسبة لكي تخرج وتقاوم وتتغلب على كل مافي طريقها، نهاية أخفت الكثير من طبيعتنا، وسَلَبَت مساحات الحزن والألم واليأس والضعف وجعلت منها تفاعلات غريبة وغير مقبولة ومَرَضيّة.

 

تقييمي للفيلم: 8.3/10

 

عن عدنان عوض

mm
طبيب وكاتب سوداني مهتم بالسينما