الرئيسية / احدث التدوينات / The White Ribbon : الأسود والأبيض في زمن الألوان

The White Ribbon : الأسود والأبيض في زمن الألوان

5

 

في الشهر الماضي تحدث الصديق (إبراهيم مرسال) في مقاله (الحكي السينمائي واستخدام الألوان) عن علاقة السينما بالألوان، مع ذكره لثلاثة أمثلة معاصرة لأفلام تم استخدام الألوان فيها كـ(عنصر من عناصر التعبير السينمائي) كما ذكر .

 

أودّ الحديث في هذه المقالة عن استخدام اللونين الأسود والأبيض فقط :‪

بالرغم من أن استخدام الأسود والأبيض بدأ مع بدايات السينما، ثم تم استبداله تدريجياً بالألوان، إلاَّ أنَّ هذه البداية لم تنتهي، وهذا الاستبدال لم يكن كلياً، فمازالت ليومنا هذا تُنتج العديد من الأفلام بهذيَن اللونين .

وبالرغم من أن بداية استخدامهما كانت إما لعدم توفر الألوان من الأساس أو لأي سبب تقني آخر، فإن تطور تقنيات التصوير والتحكم والتعديل على الألوان لم تكن أسباب كافية لإنهاء الاعتماد عليهما .

 

إذا كان الأمر كذلك، فما هي المميزات الموجودة في هذين اللونين والتي أدت لاستمرار استخدامهما؟

المميزات كثيرة سأكتفي بذكر بعضٍ منها “1” ، مع أمثلة عليها لفيلم معاصر هو الفيلم الألماني The White Ribbon أنتج في العام 2009، من إخراج النمساوي Michael Haneke، والذي يتتبع حياة مجموعة من الأطفال في قرية ألمانية قبل الحرب العالمية الأولى، يتتبع ما يتعرضون له من إيذاء سواءًا من أسرهم أو في المدرسة أو من رجل الكنيسة :

 

للأسود والأبيض قدرة على تقليل التشويش البصري الناتج من كثرة الألوان ووجودها في لقطة واحدة، هو إغناء للصورة بالتركيز على ما هو أكثر أهمية من غيره “2” كتعابير الجسد أو الحوارات أو الحالة النفسية للشخصيات، وتقليل أهمية أمور أخرى كتفاصيل الأثاث والأزياء والإكسسوارات وغير ذلك. يتضح ذلك أكثر في الأفلام التي تحكي فترات تاريخية معينة أو تدور أحداثها في طبقات اجتماعية الغِنى المادي فيها حاضراً بكثافة .

ففي هذه اللقطة مثلاً حينما ذهب المدرس ليتقدم لخطبة Eva جلس الجميع حول الطاولة في منزل الأسرة، في مكان مليء بالأثاث وورق الحائط واللوحات، لكن اللحظة أكبر من هذه التفاصيل فكان الأسود والأبيض أفضل أداة للتقليل من أهميتها والتركيز على جو الترقب والتوتر في انتظار رد . Eva ، وكأن هذه الغرفة فارغة من كل شيء باستثناء الأربعة

1

للأسود والأبيض دور في التقليل من حيوية المشهد واضفاء نوع من الفراغ والعزلة والجفاف عليه، هذه الميزة هي نتيجة لما قبلها (التقليل من التشويش البصري من الألوان)، حيث لا شيء يُثري المشهد حتى العناصر التي  كانت من المفترض أن تعطيه انطباعاً بالحياة.

ففي هذه اللقطة مثلاً حينما اصطف ابن وبنت القِس لطلب العفو من أبيهم ثم عفى عنهم، بالرغم من امتلاء هذا المشهد بجو العفو وبالرغم من وجود الأطفال وبالرغم من أن الأجواء عيد -وجود شجرة الميلاد- وبالرغم من غنى المنزل بالتفاصيل، بالرغم من ذلك كله إلا أن الأسود والأبيض جعل هذه الأجواء المليئة بكل ما يبعث بالفرح ميّتة بلا حياة، بلا اعتبار لأي عفو ولا طفل ولا قطعة أثاث ولا طرف شجرة، كتعبير واضح على أن هذه اللحظة وإن كانت مليئة بتلك الأجواء لكنها فارغة في داخل الطفلين .

 2

 

للأسود والأبيض حضور قوي في نقل الأحاسيس عندما يتعلق الأمر بتفاعلهما مع تغيُّر الضوء، حيث أن الاعتماد على الألوان بسيط -لونيَن فقط- بالتالي فإن التغيُّر فيهما مع الضوء يلفت الانتباه أكثر إلى تغيُّر الأحاسيس يتراوح ذلك من احساس الحزن أو الخوف أو المكر أو الجريمة عندما تكون اللقطة في مكان مظلم، مروراً بأجواء عادية يومية مريحة عندما تكون اللقطة في اضاءة بسيطة، انتهاءًا بأحاسيس الفرح والسعادة ولحظات الحقيقة عندما تكون اللقطة تحت أشعة الشمس الساطعة .

ففي هذه اللقطة مثلاً لم يكن هناك ما يُكمل لحظة الحب حين التقى المدرس بخطيبته إلا هذا الالتقاء المبهج للأسود والأبيض تحت أشعة الشمس! كل شيء ساطع ابتداءًا من الطبيعة خلفهما، سطوع للطبيعة يجعل لها مكاناً في مهرجان السعادة هذا من غير تشويش -فهي بلا ألوان- على ما عليه الاثنان لتترك المجال لسطوع تفاصيل وجهيهما بلا ظل ولا عتمة .

 3

 

للأسود والأبيض قدرة على تثبيت حركة الزمن، وجعل الاحساس بالأحداث يأخذ طابع الاستمرارية والتكرار، بعبارة أخرى: بالرغم من خصوصية أحداث الفيلم في مجتمع وزمان ومكان معينين لكنها من الممكن أن تتكرر في ظروف مغايرة، تَعْبُر زمانها ومكانها ومجتمعها لتحط في ظروف مختلفة، هو فصل للحدث عن ارتباطه بلحظة تاريخية معينة وتعميم وتخليد له كحالة قابلة للحدوث مجدداً

ففي هذه اللقطة نحن نرى منازل من على البعد، منازل كانت ملامحها ستضح أكثر لو كانت بالألوان، كأن اللقطة تقول أن هذه بيوت فقط فيها أناس فقط، لا شيء غير ذلك لا مكان ولا زمان ولا مجتمع بعينه .

 4

للأسود والأبيض ارتباط يكاد يكون مشترك بين الجميع بالتاريخ والقِدَم، هذا الارتباط يجعل من تجسيد فترات تاريخية سابقة أكثر مقبولية. كذلك يجعل من الانتقال بين الأزمنة أو Flashbacks في الفيلم الواحد أكثر ملاحظة، فكل ما هو أسود وأبيض هو عن أحداث سابقة لأحداث الفيلم الجارية

هذا الفيلم بالكامل هو مثال على تجسيد فترة تاريخية معينة .

وبشكل أعم : الأسود والأبيض وسيلة مميزة لفصل عوالم الفيلم عن بعضها البعض، فقد تكون هناك أحداث أخرى في الفيلم تحدث بالتوازي ولكن في مكان آخر أوفي زمان آخر أو أحداث سبق بعضها الآخر زمنياً وغير ذلك، هو فصل بصري دون الحوجة لتعليقات صوتية أو مكتوبة للدلالة عليه .

 

وكمحصلة :

فإن هذه المشاعر القوية وهذه الظروف القاسية وهذه الفترة التاريخية وهذا النظام الاجتماعي القابل للتكرار لم تجد لها ما يجسدها إلا تقنيات تصوير محددة أهمها استخدام اللونين الأسود والأبيض بالكامل للفيلم، ليتم تتويجه بترشيح أفضل تصوير سينمائي للنمساوي Christian Berger في الأوسكار، في تقدير قوي لمكانة الأسود والأبيض كأداة تعبيرية لها مكانها في زمن الألوان .

 

الجميل أنه خلال فترة تحضيري للمقال، أُعلنت جوائز مهرجان البندقية السينمائي حيث فاز الفيلم الفليبيني The Woman Who Left للمخرج الفليبيني Lav Diaz بجائزة Golden Lion لأفضل فيلم وهي الجائزة الأعلى في المهرجان، الفيلم كاملاً بالأسود والأبيض كذلك

 

| هوامش :

‫”1″ هذه المميزات ربما تُوظَّف كلها أو بعضها أو واحدة فقط، فالأمر يعتمد على خصوصية الفيلم وظروفه.

‫”2″ أهمية عنصر على آخر غير ثابتة فهي تختلف باختلاف الفيلم، ففي حالات تكون التفاصيل المادية أكثر أهمية من أي عنصر آخر.

 

عن عدنان عوض

mm
طبيب وكاتب سوداني مهتم بالسينما

5 تعليقات

  1. I adore brazilian body wav https://www.youtube.com/watch?v=T6hp4Ndf7vU. I’ve truly vintage smaller chesnut styles and today I am getting the exact Tan Bailey Tab your another day for chirstmas!! They are surely soo nice!

  2. At Semetis, we have implemented many effective preroll
    campaigns and we would like now to share some advises and crucial learnings.

  3. Get our most recent articles delivered to your e-mail inbox and get the Free Social Media Promoting
    Industry Report (56 pages, 90 charts)!

  4. In honor of YouTube’s 8th birthday, right here are eight creative, memorable and innovative methods that brands have utilized
    the platform to launch campaigns, spread a message and go viral.

أضف تعليقاً